06‏/04‏/2010

دلالات خوارق العادات

مما يتعلق بتمييز الكرامة عن غيرها من خوارق العادات؛ التمييز بين الولي الذي يجوز أن تحدث له الكرامة، وبين من هو أعلى منه منزلة وهو النبي، أو من يَدَّعي مثل منزلته كذباً وبُهتاناً وهو المُشَعوِذ والساحر وغيرهما.
فأما الفرق بين النبي والولي من جهة الخارق الذي يجري على يد كلٍ منهما، فإن النبي تجري على يده المعجزات وهي نوعان، سماها ابن تيمية معجزات كُبرى وهي دليل صدقه، ونوع من التوابع والنوافل سماها معجزات صُغرى.
والولي تحدث على يده الكرامات، وقد تشتبه بالمعجزات الصُغرى أو تُماثلها، ولكن النبي يختص بالعصمة دون الولي، فالمعجزة للنبي دليل على عصمته من الخطأ فيما أُرسِلَ من أجله، وهو التشريع. أما الولي فكرامته إنما تدل على صدق النبي الذي آمن به هذا الولي واتبعه في شريعته، ولا تدل بحال على عصمته هو من أن يُخطيء في بعض أعماله أو عباداته أو توجيهاته؛ لأنه لم يُرسَل ويُصطَفى من الله عز وجل لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه. أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض.

ومن هنا وجبت طاعة النبي مُطلقاً، بينما لا تجب طاعة الولي مُطلقاً إلا فيما دَلَّ عليه دليل شرعي واضح. وفارق آخر بين المعجزة والكرامة هو أن الكرامة تحدث بحسب حاجة الولي، فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيقٍ عليه أو على من يدعو له جاءه من ذلك ما يُفرج كربته ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: "وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله. ومن هنا ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم، فإن الحواريين مثلاً كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يوجِبون موافقتهم في كل كا يقولون، وهذا غلط". من كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص29 لابن تيمية.
والحقيقة أن كثير من المسلمين أيضاً قد وقع فيما وقع فيه النصارى من الخطأ الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فبمجرد أن يُشتَهَر شخص بشيء من الكرامات ترتفع درجة الثقة في أقواله وتوجيهاته وأوامره ونواهيه إلى حد أن أكثر الناس لا يقبل فيها جدلاً البتة.
"وأما التمييز بين الولي الصادق الذي قد تجري على يديه الكرامات مِن الدَّعِيِّ الكاذب الذي يُمَوِهُ على الناس ويخدعهم، فإنما يكون ذلك بحسب صلاحه وتقواه من قيامه بالفرائض والنوافل واتقائه الكبائر والصغائر واتصافه بالصفات الكريمة واستدامته عليها، فإن اتصف شخص بكل هذه الصفات الطيبة وعُرِفَت عنه ثم حدث على يديه شيء من الخوارق فيما لا يُخالف الشرع، فيجوز أن يُطلَق على ذلك اسم كرامة.
أما إن كان الرجل على خلاف ذلك، مُشتهِراً بالفسق والفساد والضلال وغير ذلك، فإن كُل ما يجري على يديه لا يُعْتَدُّ به بالغاً ما بلغ. والله أعلم". انظر كتاب موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية لـ د. أحمد بن محمد بناني ص236، 237 وكتاب شُبُهات التصوف لـ د. عمر بن عبد العزيز قريشي ص138.

كتبه: فضيلة الشيخ محمد إسماعيل المُقَدِّم
من كتاب: أُصُول بِلا أُصُول

29‏/03‏/2010

نظرة في تاريخ العقيدة

·      هل تطورت العقيدة عبر الزمان؟
يرى كثيرٌ من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة، ولكنها ترقَّت وتطورت في فترات وقرون متعاقبة.
ولا عجب أن يقول مثل هذا القول الباطل قومٌ لم يمنحهم الله كتابه الذي يحكي تاريخ العقيدة بوضوحٍ لا لبس فيه، إلا أن العجيب أن يذهب هذا المذهب رجال يعُدُّون أنفسهم باحثين مُسلِمين.
فهذا عباس محمود العقاد يرى في كتابه "الله" (نشرته دار الهلال بالقاهرة، انظر ص10 وما بعدها) – وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية – أن الإنسان ترقى في العقائد، ويرى أن ترقي الإنسان في العقائد موافِقٌ تماماً لترقيه في العُلوم.
ويقول: "كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليس أوائل العِلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعِبادات، وليس عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى".
ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة، فمنهم من يرى أن السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء، ... وبعضهم يرى أن العقيدة الدينية حالة مَرَضِيَّة في الآحاد والجماعات، ويرى بعضهم أن أصل العقيدة الدينية عبادة "الطوطم"، كأن تتخذ بعض القبائل حيواناً (طوطمياً) تزعمه أباً لها، وقد يكون شجراً أو حجراً يقدسونه، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين.
ومع الأسف فقد سَرَت هذه النظرية إلى كثير من الكُتَّاب (ممن جنح إلى القول بهذه النظرية مصطفى محمود في كتابه "الله")، واعتنقها جملة من الدارسين (لست أدري أي عقيدة هذه التي تطورت؟ أهي العقيدة اليهودية المُحَرَّفة أم النصرانية المُبَدَّلة أم عقيدة الفلاسفة... إن هذه العقائد لا تُمثل إلا انحرافات عقائدية ولا تُمثل العقيدة السليمة)، والذي أوقع هؤلاء في هذا الخطأ أمور:
الأول: أنهم قدَّروا أن الإنسان الأول خُلِق خَلقاً ناقصاً، غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العُظمى كاملة، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان.
الثاني: أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بنفسه بدون مُعَلِّم يُعَلِّمه، ومُرشِد يُوَضِّح له. فما دام الأمر كذلك فلابد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقى في العلوم والصناعات.
الثالث: أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المُحرفة أو الضالة، فجعلوها ميدان بحثهم، فأخضعوها للدراسة والتمحيص، وأنى لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تُمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة.

القرآن وحده يُوضح تاريخ العقيدة
ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله سبحانه وتعالى، ففيه علم غزير في هذا الموضوع، وعلم البشر لا يُمكن أن يُدرك هذا الجانب إدراكاً وافياً.
لذا فإن الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله سبحانه وتعالى، {إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى  عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [سورة آل عِمران – الآية 5].

·      تاريخ العقيدة كما يرويه القرآن الكريم
أعلمنا الله سبحانه أنه خَلَقَ آدم خَلْقاً مُستقِلاً سوياً مُتكاملاً، ثم نفخ فيه من روحه وأسكنه جنته، وأباح له أن يأكل وزوجته منها كيف شاءا إلا شجرة واحدة، فأغراه عدوه إبليس بالأكل من الشجرة فأطاع عدوه وعصى ربه، فأهبطه الله من الجنة إلى الأرض، وقبل الهبوط وعده الله سبحانه بأن يُنزل عليه وعلى ذريته هداه كي يُعَرِّف الإنسان بربه ومنهجه وتشريعه، ووَعَدَ المُستجيبين بالهداية في الدنيا والسعادة في الأخرى، وتوعد المُستكبرين بالمعيشة الضنكة في الدنيا وبالشقاء في الآخرة: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا  بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة – الآيات 38 و39].

الجيل الأول من البشرية كان على التوحيد
هبط آدم إلى الأرض، وأنشأ الله مِن ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [سورة البقرة – الآية 213]، أي على التوحيد والدين الحق فاختلفوا {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [سورة البقرة – الآية 213].

أول انحراف عن العقيدة وأول رسول
وبعد أن كان الناس أمة واحدة على التوحيد، حصل الزيغ والانحراف. وكان أول انحراف حدث هو الغلو في تعظيم الصالحين، ورفعهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة.
ففي صحيح البخاري مِن حديث ابن جُرَيْج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [سورة نوح – الآية 23]. قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبَد. حتى إذا هلك أولئك وانتسخ العِلم (نُسِيَ ودَرَسَ) عُبِدَت". (صحيح البُخاري: 4920).
فهذا أول انحراف وُجِدَ في تاريخ البشرية عن التوحيد، فأرسل الله إليهم أول رُسله نوحاً عليه السلام مِصداقاً لوعده الذي أعطاه لأبي البشر آدم بإرسال الرُسُل وإنزال الكُتُب هدايةً للبشر.
وهكذا استمرت رحمة الله وعنايته ببني آدم كلما ضلوا وزاغوا أنزل إليهم هُداه يُضيء لهم الظلمات: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [سورة المؤمنون – الآية 44].

منقول باختصار
مِن كِتاب: العقيدة في الله – من سلسلة: العقيدة في ضوء الكِتاب والسُنَّة
كتبه: فضيلة الشيخ أ.د. عمر سليمان الأشقر، كلية الشريعة – الجامعة الأردنية

20‏/03‏/2010

فتوى ببدعية عيد الأم والبديل الشرعي

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
أعيادُنا توقيفية تُؤخَذ دون زيادةٍ ودون نقصان، وهي من أعظم شعائر الدين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا أهل الإسلام» صححه الألباني في "صحيح الجامع" مِن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. ولما قَدِم المدينة ورأى أهلها يلعبون في يومين وسأل عن هذين اليومين، فقالوا: يومان كنا نلعب فيها في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر» صححه الألباني في "صحيح أبي داود" مِن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
ولذلك فاستحداث عيد الأم وعيد الطفل وعيد الربيع وعيد العامل والمعلم ... كلها من جملة الأعياد البدعية، وينبغي إمرار هذه الأيام دون استحداث لشيءٍ زائد فيها، أي يكون شأنها كشأن سائر الأيام فمن كانت عادته أكل اللحم والحلوى في غير ذلك من الأيام فليأكلها في هذا اليوم بلا حرج. بل إضفاء شيء زائد على المولد النبوي ورأس السنة الهجرية وذكرى الإسراء والمعراج يُعتبر من البدع المحدثة، إذ انقضت خير القرون دون احتفال على النحو المريب الذي نصنعه اليوم - وهم عن عِلم وقفوا وببصرٍ نافذ كفوا، والشرع قد اكتمل، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية وصاحبها ممن زُينَ له سوء عمله فرآه حسناً { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [سورة مريم – الآية 64].
وبالنسبة لعيد الأم، فقد اخترعوه في فرنسا، ونقله الصحفي مصطفى أمين وكان متخصصاً في التكريس لهذه الأعياد المُخترعة. وعيد الأم ليس من العادات الحسنة بل هو من البدع القبيحة، ومن أراد تكريم الأمهات فعليه بالرجوع للكتاب والسنة لتكون كل لحظة أشبه بالعيد بالنسبة لها، فلا يُقتصر الأمر على هدية تقدم في يوم 21 مارس، ويتم التفاضل بين الأبناء على أساسها، وقد يعود البعض سيرته الأولى في عقوق الأمهات فهل يكون قد برأ ساحته عندما قدم الهدية في هذا اليوم؟ وماذا يصنع من ماتت أمه؟!!
لقد دعاهم الحرج إلى القول بِعِيد الأسرة حيناً وعيد الأب حيناً آخر، ولو تفقه الإنسان في دينه لَعَلِم كيف يكون البر الحقيقي، ولا يجوز الاستناد لنصوص الشريعة لتبريره كما يفعل بعض المنسوبين للعلم، فهذا من جملة الحق الذي يُراد به الباطل.
حُكي أن ابن سيرين كان إذا وقف مع أمه فكأنما أسير بين يدي أمير يريد أن يقتص منه، فلما سُئِلَت أخته عن سبب ذلك وهل به علة، فقالت: هكذا يكون مع أمه. وكان زين العابدين لا يأكل مع أمه وكان باراً بها فلما سُئِل قال: أخاف أن تَسْبِق يدي يدها إلى ما تَسْبِق إليه عيناها فأكون قد عققتها. ولما غلا ثمن النخل اشترى أسامة بن زيد رضي الله عنه نخلة بألف درهم وقطع جمارها وأطعمه لأمه فلما روجع قال: سَأَلَتْنِيه ولا تسألني شيئاً أقدر عليه إلا وأطعمتها إياه.
والحكايات في البِر كثيرة وما بعد البِر إلا العقوق قال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [سورة الإسراء – الآية 23]، وقال: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [سورة النساء – الآية 36]، وقال: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [سورة لُقمان – الآية 15].
والأم لها ثلاثة أرباع ما للأب من البر. فاحرص على بر الوالدين وطاعتهما في غير معصية الله تعالى، ولا تُقَصِّر في حقهما حتى وإن ظلماك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمَن أصبح وله والدان أصبح وله بابان مفتوحان إلى الجنة، إن كانا واحداً فواحد. قيل: وإن ظلماه، قال: «وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه» أورده الألباني في "السلسلة الضعيفة" من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافيء» رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وصححه أحمد شاكر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» رواه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
والبر لا ينقطع بموت الوالدين فالدعاء يصل للميت باتفاق العلماء وكذلك الصدقة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حج عن أبيك واعتمر» رواه الترمذي في السُنن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن مات وعليه صيام صام عنه وليه» رواه البخاري ومسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وكذلك الترحم عليهما والاستغفار لهما، وصلة صديقهما والرحم التي لا توصل إليهما، وانفاذ وصيتهما ما لم تشتمل على معصية وسداد ديونهما، كل ذلك من صور برهما.

كتبه: الشيخ سعيد عبدالعظيم

12‏/03‏/2010

الصراع بين الكنيسة والعِلم

الصراع بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي إن لم تكن أعمقها قاطبة، فمنذ عصر النهضة إلى عصرنا الحاضر والصراع على أشده بين مؤيدي العلم وأنصار الدين، ورغم كل الظواهر البارزة في الحياة الغربية التي تؤكد أن المعركة قد انتهت وأن العلم انتصر بصفة نهائية على خصمه اللدود، فإن هناك ما يدل دلالة قوية على أن الدين، أو على الأصح بعض قضاياه الاعتقادية والسلوكية، لم تكن في عصر من العصور أقوى حجة منها في هذا العصر، لا سيما بعد أن تنكرت الثقافة الغربية لأفكار القرن التاسع عشر التي تتسم بخاصيتي "الإطلاق والعقلانية" واعتنقت نظريات القرن العشرين التي تتميز بالنسبية واللامعقول.
ولذلك فقد خُيِّل للكثيرين أن المعركة لم ولن تنتهي وأنها باقية ما بقيت المعرفة الإنسانية، وساعد على ترسيخ هذه الفكرة تقبل النفسية الأوروبية للازدواجية في كل شيء وهو التقبل الذي تولد من خضوعها المستمر لسلطتين متباينتين وإيمانها الطويل بفكرتين متناقضتين.
وقليلٌ منهم من فطن إلى السِّر الكامن وراء استمرارية المعركة دون نتيجة نهائية حاسمة. والواقع أن السبب الحقيقي في ذلك يمكن إدراكه بسهولة لو أن الإنسان الغربي – من أي الفريقين – تخلى عن غروره وتبجحه ونَظَر إلى المشكلة نظرة تقييمية مجردة، وذلك أن أي خصمين يملك كل منهما نصف الحقيقة لا يمكن أن ينتصر أحدهما على الآخر انتصاراً نهائياً.
وبتطبيق هذه البديهية على الصراع بين العلم والدين الأوروبيين نجد أن المواقع التي احتلها العلم من مناطق نفوذ الدين هي في الحقيقة المواقع التي انتصر فيها العقل واليقين على الخرافة والوهم، كما أن المواقع التي صمد فيها الدين أمام الهجوم العلمي الكاسح هي المواقع التي انتصرت فيها الحقيقة الموحاة على التخرصات والأهواء.
وحينئذ نستطيع أن نقول مطمئنين: إن الحق في كل من الطرفين هو الذي انتصر، أو سينتصر، على الباطل في كليهما، وأنه لو كان الدين الأوروبي حقاً خالصاً والعِلم الأوروبي يقيناً مجرداً لما حدثت معركة على الإطلاق.
وبما أن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، فإن الأوفق أن نُسمي ما حدث في الغرب صراعاً بين الكنيسة والعلم، وليس بين الدين والعلم.

ومن المؤسف حقاً أن جناية رجال الدين الأوربيين على الحقيقة كانت أشنع وأنكى من جناية أنصار العِلم عليها، وإن كان كل منهما مسؤولاً عن النتائج المؤسفة لذلك الصراع، ذلك أن الكنسية ارتكبت خطأين فادحين في آن واحد:
أحدهما: تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بكلام البشر.
والآخر: فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلاً في دائرة اختصاصها.
والخطأ الأول مسؤول عن تسرب الخرافات الوثنية والمعلومات البشرية إلى كثير من تعاليم المسيحية، إذ جعلتها الكنيسة عقائد إلهية تدخل في صلب الدين وصميمه، وعدت الكفر بها كفراً بالوحي والدين.
والخطأ الثاني نشأ عن ضيق صدر الكنيسة بما يخالف تعاليمها الممزوجة وإصرارها الأعمى على التشبث بها، فكان الامتداد الطبيعي للطغيان الديني طغياناً فكرياً عاماً، وحاسبت الناس، لا على معتقدات قلوبهم فحسب، بل على نتائج قرائحهم وبنات أفكارهم، وتوهمت أن في قدرتها أن تملك ما لا تستطيع أية قوة طاغية أن تحتكره، وهو الحقيقة العلمية فيما يتعلق بالتجربة المحسوسة أو النظر العقلي السليم. وبذلك أقحمت نفسها في متاهات كانت غنية كل الغنى عن عبورها وأثارت على نفسها حربا ضروساً لا هوادة فيها ولا تمييز.
وأول عمل مارسته الكنيسة في هذا المجال هو احتكارها للعلم وهيمنتها على الفكر البشري بأجمعه.

كتبه: د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي
مِن كتاب "العلمانية: نشأتها وتطورها وأثرها على الحياة الإسلامية المعاصرة" - رسالة ماجيستير

07‏/03‏/2010

كيف تتحقق المُتابعة في العمل؟

ليُعلم أيها الإخوة أن المتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشريعة في أمورٍ ستة:
الأول: السبب. فإذا تعبد الإنسان لله عبادةً مقرونةً بسبب ليس شرعياً فهي بدعة مردودة على صاحبها. مثال ذلك أن بعض الناس يُحيي ليلة السابع والعشرين من رجب بحِجة أنها الليلة التي عُرِج فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتهجد عبادة ولكن لما قُرِن بهذا السبب كان بدعة لأنه بَنَى هذه العبادة على سبب لم يَثْبُت شرعاً. وهذا الوصف (موافقة العبادة للشريعة في السبب) أمر مهم يتبين به ابتداع كثير مما يُظَن أنه مِن السُنَّة وليس من السُنَّة.
الثاني: الجِنس. فلابد أن تكون العِبادة موافِقة للشرع في جنسها، فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يُشرَع جِنسها فهي غير مقبولة. مثال ذلك أن يُضحي رجل بفَرَس، فلا يصح أُضحيةًَ لأنه خالف الشريعة في الجنس فالأضاحي لا تكون إلا بهيمة الأنعام؛ الإبل، البقر، الغنم.
الثالث: القَدْر. فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة فنقول: هذه بدعة غير مقبولة لأنها مخالِفة للشرع في القَدْر، ومن باب أولى لو أن الإنسان صلى الظهر مثلاً خمساً، فإن صلاته لا تصح بالاتفاق.
الرابع: الكيفية. فلو أن رجلاً توضأ فبدأ بغَسْل رِجليه ثم مَسَح رأسَه ثم غَسَل يديه ثم وجهَه فنقول: وضوءُه باطل لأنه مُخالِف للشرع في الكيفية.
الخامس: الزمان. فلو أن رجلاً ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تُقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان. وسمعت أن بعض الناس في شهر رمضان يذبحون الغنم تقرُّباً لله تعالى بالذبح، وهذا العمل بِدعة على هذا الوجه لأنه ليس هناك شيء يُتقرب به إلى الله بالذبح إلا الأُضحية والهدي والعقيقة، أما الذبح في رمضان مع اعتقاد الأجر على الذبح كالذبح في عيد الأضحى فبدعة. وأما الذبح لأجل اللحم فهذا جائز.
السادس: المكان. فلو أن رجلاً اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد ولو قالت امرأة أريد أن أعتكف في مُصلى البيت، فلا يصح اعتكافها لمخالفة الشرع في المكان. ومن الأمثلة لو أن رجلاً أراد أن يطوف فوجد المطاف قد ضاق ووجد ما حوله قد ضاق فصار يطوف من وراء المسجد فلا يصح طوافه لأن مكان الطواف البيت قال الله تعالى لإبراهيم الخليل: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ}(سورة الحج - الآية 26).

فالعبادة لا تكون عملاً صالحاً إلا إذا تحقق فيها شرطان:
الأول: الإخلاص ـ الثاني: المتابعة، والمتابعة لا تتحقق إلا بالأمور الستة الآنفة الذِكر.

كتبه: فضيلة الشيخ محمد بن صالح العُثَيمين، رحمه الله
مِن كتاب: الإبداع في كمال الشرع وخطر الابتداع

26‏/02‏/2010

بمنتهى الهدوء..! لماذا تحتفل بالمولد..؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد،
 فأولاً: أحبتي في الله ،،،
والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني أحبكم في الله، وأسأل الله جل جلاله أن يجمعنا بهذا الحب في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. (اللهم اجعل عملنا كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل فيه لأحد غيرك شيئًا)
 قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألته أم المؤمنين (زينب) رضي الله عنها: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث" [متفق عليه].
 أحبتي في الله،،، إخوتي في الله،،،
{هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ} [إبراهيم:52].
فحين يرى الإنسان أمواج الفتن تتلاطم من حوله، لا يملك إلا أن يدعو الله تعالى أن يجعل لنا فرجًا ومخرجًا. (اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن)
 واليوم حين ننظر إلى الواقع الأليم للأمة، فإنني والله أخشى عليها من الهلاك، لذلك كان لابد من وقفة.. وقفة صريحة وصادقة.. وقفة حقيقية, لابد منها للإنقاذ قبل حلول الهلاك..
 نعم.. تعالوا.. لنقف هذه الوقفة.. لإنقاذ أمتنا..
وابتداءً فإنني وإن كنت أهتف فيكم اليوم مُستنقذًا أمتنا، إلا أنني أؤكد أن الأمة بخير.. أمتنا التي هي خير الأمم.. أمة منصورة.. أمة مرحومة.. أمة باقية لا تموت.
 ليس لأنني أقول ذلك، ولكن لأن الله جل جلاله وتبارك وتعالى هو الذي قال ذلك.. يقول ربي، وأحق القول قول ربي:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات].
 ولكني أدعوكم «لوقفة لإنقاذ الأمة» من كبوتها..
«وقفة»... لإنقاذ الأمة من عبث أبنائها..
«وقفة»... لتسترد الأمة مكانها في صدر أعدائها.. بعد أن هانت عند أخس أعدائها..
«وقفة»... لنستمطر الرحمات من الله رب السموات..
«وقفة»... لنستفتح أبواب السماوات لاستجابة الدعوات.
 وأقول «وقفة»... لأننا نعيش زمان السرعة.. زمان اللهث.. زمان الاستعجال، هذه الظاهرة السلوكية التي انتقلت عدواها إلى أسلوب تلقي الدين.. فصار التدين بأسلوب «السرعة»، وصار طلب العلم بأسلوب أكل الساندويتشات التي يُتسلى بها، لا كالطعام الذي يقيم الأود وينفع الجسم. والمتسرع في الطلب.. يتساهل في التلقي، فيأخذ الدين من أي أحد، حتى لو أتاه لسان الدعوة من جحر الضب..!
نعم أحبتي،،،
وأيضًا في زمان فتنة المال، والانشغال بملاحقة الغلاء، بمزيد من الانشغال بجمع المال.. لم يتفرغ (المستعجل) لاختيار المصدر الذي يأخذ منه دينه.. فصار يقلد الأكثرية.. ويسير أعمى وراء جهالات من لا يعرفهم.. ويقبل في دينه ما وافق هواه، وهو يعلم أن بعض الألسنة مستأجرة.. وإلى الله المشتكى.
 لذا.. فإنني أحتاج أن أدفع يدي بقوة.. وحب.. في صدر هذا العَجُول المنزلق.. لأقول له:
قف.. قف!
اهدأ..!   لا تلهث..!
لا تنزلق..! لا تقلد..!
لا تصرخ بما لا تعلم..!
لكي تفكر بهدوء.. إلى أين تريد؟.. ولم؟.. وكيف السبيل للذي تريد؟
 أحبتي ،،،
تعالوا كأول حلقة من هذه السلسلة.. «وقفات لإنقاذ الأمة» ننقذ أمتنا من

.. فتنة الاحتفالات البدعية بمولد سيد البرية..
بدعة الاحتفال بمولد سيدنا النبي، بأبي هو وأمي ونفسي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وشرط هذه الوقفة: (الهدوء).. منتهى الهدوء.. التركيز.. التفاهم.. التفكير.. الإخلاص.
لأنها فتنة؛ تجد المفتون بهذه البدعة.. يغضب، ويتسرع في إلقاء التهم، فيقول: (أتقيمون احتفالات قومية.. واحتفالات للألعاب.. واحتفالات لمواليدكم!!! ..  ثم لا تقيمون احتفالاً لمولد النبي صلى الله عليه وسلم.. أنتم لا تحبون النبي!!!)
أعوذ بالله.. إن لم نحب النبي فمن نحب؟.. إن لم نحب الحبيب؟!! صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.. فمن نحب؟ (اللهم إنا نسألك حبك، وحب نبيك، وحب من يحبك، وحب كل عمل صالح يقربنا إلى حبك)
حبيبي في الله ،،،
اهدأ.. لتفهم.. (فَهَّمني الله وإياك)
إن الشيطان يُشَامّ النفس، فإذا وجدها إلى الجفاء تميل فإنه يصرفها عن الاتباع: بتحكيم العقول على النصوص حتى تهوي في ظلمات العلمانية، وإنقاص قدر النبي صلى الله عليه وسلم، ومساواته بعموم البشر دون تشريفه بما شرفه خالقه جل جلاله به.  وإن وجدها تميل إلى العاطفة، فإنه يصرفها عن الاتباع بالإطراء والغلو والمبالغة، حتى تحيد عن سبيله صلى الله عليه وسلم بدعوى محبته صلى الله عليه وسلم.
فهل فهمت أيها المحب؟!.. كيف يمكُر الشيطان بمثلك لتحيد عن هدي رسول الله.. يا من تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
 تعال معي أيها الحبيب لنلقي نظرة كيف يحتفلون بالمولد:
·   اجتماعات لقراءة قصة المولد، وخطب وقصائد في مدحه صلى الله عليه وسلم!
·   حلوى المولد، وزينات على منارات المساجد، وحلقات للذكر (الحضرة)!
·   وربما زاد الأمر، فيصبح هذا الحفل مشتملاً على محرمات ومنكرات؛ من اختلاط الرجال بالنساء، والرقص على أنغام الموسيقى والغناء، أو أعمال شركية، كالاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وندائه والاستنصار به على الأعداء وغير ذلك!
 وكل هذه - برغم مقاصدهم الطيبة بلا شك ولا ريب - بدع محرمة محدثة بعد القرون المُفضلة بأزمان طويلة.
 تعال نعود للهدوء.. أيها المحب:
 لماذا تحتفل بالمولد؟
 هل الاحتفال بالمولد تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم؟
 إن قلت ذلك، فأقول لك: وهل ترك الله لنا كيف نُعظم رسوله صلى الله عليه وسلم؟ أم أنه أمرنا أن نحبه ونعظمه، وأرشدنا كذلك كيف نحبه ونعظمه؟
هل تستطيع أن تقول أنك تحبه وتعظمه أكثر من أبي بكر رضي الله عنه؟!
دعك من هذه الشبهة الواهية: أنّ الاحتفال تبرره المحبة والتعظيم.. أنت تعلم جيدا أنّ

حب النبي =
 تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.

فلا تصدق من يقول لك: إن الله لما قال: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} لم يقل كيف تفرحوا!!
إنها كلمة شنيعة، آلله لم يقل لنا كيف؟!!.. آلله لم يقل لنا كيف؟!!
سبحان الملك.. جل جلال الله.. حاشاه سبحانه؛ قال موجباً على نفسه:
{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلآَخِرَةَ وَالأُولَى} [الليل: 12،13]
 أين إذن..
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31]..؟!،
هذه هي طريقة الفرح.. قال الحسن رحمه الله: إن قومًا ادّعوا محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية.
 يا مُحِب ،،،
·  إن الذي يأكل الحلاوة اليوم.. هو.. هو.. الذي سيأكل الرنجة والفسيخ غدًا..!
·  إنّ التاجر الذي يبيع علب الحلاوة، وأصنام المولد.. هو.. هو.. الذي يبيع القلوب الحمراء في عيد (فالنتينو) للحب..!
·  إنه تعظيم للبطون والجيوب، وليس تعظيمًا لسيد الصائمين الزاهدين صلى الله عليه وسلم.
 أما إن أردت أن تحبه حقًا، وتعظمه حقًا، وتتبعه حقًا، وتطيعه حقًا حتى تُحشر معه حقًا فإن للحب علامات، فمن علامات محبته صلى الله عليه وسلم:
·  كثرة ذكره والصلاة والسلام عليه، صلى الله عليه وسلم؛ قال رجل: يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟ قال صلى الله عليه وسلم: "إذن يكفيك الله تبارك وتعالى همك من دنياك وآخرتك" [رواه الإمام أحمد].
·  اتباعه والاقتداء به وتنفيذ أوامره؛ قال تعالى:{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31].
·  نشر سُنته ونصرة دينه؛ قال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية" [متفق عليه].
· الزهد في الدنيا، مع كثرة التوبة والاستغفار والمداومة على ذلك؛ فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا - وفي رواية - كفافًا" [متفق عليه].
·  حب كل ما أحبه وكل من أحبه، وبغض كل ما يبغضه وكل من أبغضه صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة:120].
·  تعليم أولادنا سيرته، وتربيتهم على التأسي بهديه.. فنأكل مثله صلى الله عليه وسلم.. ونشرب مثله صلى الله عليه وسلم.. ونصلي مثله صلى الله عليه وسلم.. إلخ؛ قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].
 فإن قال قائل: إنها فرصة لتعريف الناس به وإحياء لذكراه صلى الله عليه وسلم.
 فإني أتساءل متعجبًا:
وهل في إقامة المولد إحياء لذكر النبي صلى الله عليه وسلم؟
 أبدًا والله.. وإن الأمة لتحتفل به منذ تلك القرون، ولم يزدد أكثر العوام بذلك إلا تركًا لسنته، وابتعادًا عن منهجه. وما أصيبت الأمة بالإساءة لنبيها بأنكى مما نعيشه اليوم رغم تكرار ذلك الاحتفال البطني.. الفوضوي.. البدعي.. السنوي.
 يا عقلك الناضج..!!  
أيقبِض اللهُ رسوله صلى الله عليه وسلم، دون أن يخبرنا كيف نحيي ذكره بيننا ؟!
إننا نذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم  في كل أذان وصلاة.. بل وفي كل مجلس؛ قال صلى الله عليه وسلم: " لا يجلس قوم مجلساً لا يصلون فيه على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب" [رواه النسائي، وصححه الألباني].  (اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين)
 فإن قيل لك: إن رسول الله احتفل بمولده..!
 فضع على هذه الشبهة (بلسم الشفاء).. ليرتاح قلبك وقل: (كيف؟)..
 كيف احتفل صلى الله عليه وسلم بمولده؟
بصوم يوم الاثنين.. حسنًا فلا تدع صومه ما استطعت.. وقد احتفلت واتبعت.
بهدوء ،،، أيها المحمدي ،،،
هل الاحتفال بذكرى المولد النبوي بدعة حسنة أحدثها ملك عادل عالم ،
قصد به التقرب إلى الله؟!
 أبدًا.. إنما نشأت ولا زالت لعبة سياسية، تداعب أهواء البسطاء فتلهيهم، فقيل إن أول من أحدثه الملك أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري، كما ذكره المؤرخون كابن كثير وابن خلكان وغيرهما.
 قال الحافظ بن كثير في البداية في ترجمة أبي سعيد كوكبوري: وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً...
 وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق من الأغاني، وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقًا [الجوق: الفرقة الموسيقية].
 وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم... إلى أن قال: فإذا كان قبل يوم المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئًا كثيرًا زائدًا عن الوصف، وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان... إلى أن قال: فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة. فهذا مبدأ حدوث الاحتفال بمناسبة ذكرى المولد، حدث متأخرًا ومقترنًا باللهو والسرف وإضاعة الأموال والأوقات، وراء بدعة ما أنزل الله بها من سلطان..
 ثم إن البدعة لا تقبل من أي أحد كان، فحسن القصد لا يسوغ العمل السيء، قال الإمام مالك رحمه الله: "من ابتدع في الدين بدعة يراها حسنة فقد افترى على رسول الله أنه خان الرسالة؛ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]".

بمنتهى الهدوء..
 أريدك أن تفهم حديث "سنة حسنة" ولكن... كم تدفع؟
 (الدفع عندنا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.. أنت تصلي عليه صلى الله عليه وسلم وأنا أشرح لك)
 عن جرير - رضي الله عنه - قال: كنا في صدر النهارعند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عراة، مجتابي العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر [يعني عليهم مظاهر الفقر]، فتمعر وجه رسول الله لما رأى بهم من الفاقة [يعني تأسف لحالهم حتى ظهر حزنه على وجهه بأبي هو وأمي.. صل عليه.. صلى الله عليه وسلم].
 فدخل ثم خرج فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...}  إلى آخر الآية {.. إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، والآية التي في الحشر {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ...} [الحشر:18].
·         ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصدق رجل من ديناره.. من درهمه.. من ثوبه.. من صاع بره.. من صاع تمره.."، حتى قال: "ولو بشق تمرة". [سجل في عقلك الآن: (1- رسول الله أمر)]
·  قال جرير رضي الله عنه: فجاء رجل من الأنصار بِصُرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت. [سجل عندك هنا: (2- بادر واحد بطاعة النبي قبل الناس)]
·  قال جرير رضي الله عنه: ثم تتابع الناس. [سجل عندك هنا: (3- تأسى الناس بالمبادر أولا)]

قال جرير رضي الله عنه: حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ]رواه مسلم[.
 بأسلوب الرياضيات: من (1)، و(2)، و(3).. إذن:
الرجل الذي سنّ السنة الحسنة الأولى لم يُؤَلف دينًا، ولم يُضف جديدًا، إنما:
(1)   نفذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
(2)   ثم تأسى به الناس.
(3)   فكان له أجرهم. نفذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الناس.. ثم تأسى به الناس.. فكان له أجرهم.
أما لو أحدث جديدًا.. فإنه لا يدخل في السنة الحسنة، وإنما يدخل في السنة السيئة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ]متفق عليه[.
يا من تحب رسول الله ،،،
حبيبك صلى الله عليه وسلم ربط على بطنه الحجر والحجرين من الجوع لأجلك..
· فليس الحب بأن يتحول دينه إلى لعب ولهو وموالد.. قال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام:70].
· وليس الحب أن يتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحقيقة الناصعة.. إلى أسطورة خرافية.. يُغَنى له أغنية كقصة أدهم الشرقاوي.. وأبو زيد الهلالي سلامة.
 والله لو أن الأموال التي أنفقت على الحلوى و السرادقات، والزينات والحلويات، والراقصين والراقصات، لو أنها أنفقت على نصر السنة؛ لصار في كل بيت مسلم مجموعة كاملة لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
 ·  بالله عليك.. وأنت العاقل الهادئ المحب.. أيهما أنصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أن تشتري علبة حلوى بعشرة جنيهات ...؟!
أم أن تشتري كتاب "رياض الصالحين" فيه 1500 حديث من أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو كتاب "الرحيق المختوم" في سيرة سيد المرسلين؟، أو شريط به أوامر النبي صلى الله عليه وسلم؟
 ·  بالله عليك.. وأنت الذي تتمنى لقاءه صلى الله عليه وسلم..
أيهما أحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم:
أن تقيم سرادقًا، وتصنع زفة تحته... بمئات أو آلاف الجنيهات؟!
أم تشتري بنفس الأموال 100 نسخة من "صحيح البخاري"، أو مئات الاسطوانات لتوزعها على المسلمين ليعرفوا سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟
  إن هذه الأموال التي تُنفق بالآلاف.. ومئات الآلاف.. على مولد تخرج منه الأمة كل سنة بلا فائدة..
      نعم..
..تخرج الأمة من المولد بلا حمص..
· نريد أن تخرج هذه السنة بـ (حُمصة) معرفة النبي صلى الله عليه وسلم..
معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم..
· نريد أن تخرج الأمة هذه السنة وقد أحبت النبي حقيقة لا كلامًا، محبةً واتباعًا.
إنك حينما تزعم الحب لابد أن تُتبع الحب بالإتباع.
 حبيبي في الله ،،،
·  إن الاحتفال بالمولد الشريف بدعة حادثة ليس لها أصل في الدين.
·  إن المحتفلين بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم، نحسب أن دافعهم إلى ذلك حبه، لكن الحب الشكلي - أو حب الكلام - وحده لا يكفي؛ لابد من طاعته ولزوم هديه صلى الله عليه وسلم.. فهذا هو الحب الحقيقي.
·  دينك العظيم تمّ وكمُل بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما لم يكن في ذلك اليوم ولا غدًا ولا أبدًا دينًا وشرعًا، فلن يكون اليوم دينًا أو شرعًا.
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3].
 إذا حيرك الخلاف بين المتكلمين في الدين، فعليك بهذا العلاج الذي يمحو الحيرة وينسفها:
 قال صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرًا" [حدث.. أليس كذلك؟ ها هو ذا الذي تراه.. أنت تقرأ الآن أن الاحتفال بدعة وحرام، وهناك آخرون يقولون لك بل هو مستحب أو واجب!.. فماذا نفعل؟.. ماذا نفعل يا رسول الله؟..[ يقول صلى الله عليله وسلم: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " ]رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح[.
والله إنه لحديث يريح قلب الذي يريد الله ورسوله والدار الآخرة.. 
 فتُب إلى الله مما سبق وكان.. واثبت على الحق الذي جاءك الآن..
واسلك هدي رسول الله.. في حبك لرسول الله..
وإن خذلك الأكثرية.. فحسبك الله..
{وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116].
 وإلا فيا له من موقف.. أن تأتي يوم القيامة.. وفي رأسك زبيبة الصلاة.. وفي ركبتيك ورجليك ويديك علامات الوضوء.. تُقبل على الحوض فتطرد..! (والعياذ بالله)
- فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا الرجل من أمتي فيه أثر الصلاة والوضوء"..!
- فيُقال: لا ليس من أمتك؛ إنه لم يتبع سنتك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك..!
- فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سحقًا.. سحقًا لمن بدل بعدي وغَيّر"..!

ويا من عوفيت من هذه الفتنة وعلمت أن احتفالات المولد بدعية محرمة:
·  أوصيك بالثبات على الإخلاص وإرادة الآخرة.. فلا تخذل رسول الله ولا سنتة لطمع في هدية بمناسبة المولد، ولا تجامل أبداً على حساب دينك.
·  أوصيك بحسن الخلق والرفق في دعوتك إلى الله، فإنك لا تدري لعل بعض الذين يحتفلون أن يكون أحب إلى الله منك، لأنه عذره لجهله ونظر لقلبك فمقتك لما رأى فيه العجب و الكبر وحب الظهور.
·  أوصيك بطلب العلم تحت أرجل العلماء، لتعزز دعوتك بالأدلة الصحيحة، وتثقل كلامك بالبصيرة النافذة.
 ختامًا،،، أحبتي في الله،،،
إن مأساة الإساءة إلى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن تحفر في نفوس الأمة حزنًا وغيظًا، لا يبقى معه مكان لهزل أو لهو حتى تشفى صدورنا حين نأخذ بثأر جناب نبينا صلى الله عليه وسلم.
 أحبتي في الله،،، تلك كانت أول «وقفة لإنقاذ الأمة»..
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم خذ بيد أمة حبيبك إلى ما تحب وترضى، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، و الحمد لله رب العالمين.

كتبه: فضيلة الشيخ محمد حُسين يعقوب