22‏/12‏/2009

لماذا نُهينا عن التشبه بالكافرين؟

ابتداءً ينبغي أن نفهم، كما هي القاعدة في الإسلام، أن الدين مبناه على التسليم؛ التسليم لله تعالى، والتسليم للرسول صلى الله عليه وسلم.
والتسليم معناه: تصديق خبر الله تعالى وامتثال أمره واجتناب نهيه وبتصديق خبر الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره واجتناب نهيه واتباع هديه.
فإذا عرفنا هذه القاعدة فإنه ينبغي للمُسلم:
أولاً: أن يُسَلِّم بِكُل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: أن يَمْتَثله، ومما جاء به: النهي عن مُشابهة الكافرين
ثالثاً: وبعد أن يُسَلِّم ويطمئن ويثق بخبر الله وشرعه ويمتثله، فإنه بعد ذلك لا مانع من أن يلتمس التعليلات والأسباب..

فلذلك نستطيع أن نقول: بأن أسباب النهي عن التشبه بالكافرين كثيرة، وأغلبها مما يدركه أصحاب العُقول السليمة والفِطَر المُستقيمة، من ذلك:
أولاً: أن أعمال الكُفار مبناها على الضلال والفساد، فإن أعمال الكُفار مبناها على الضلال والانحراف والفساد في عقائدهم وفي عاداتهم وفي عباداتهم وفي أعيادهم وفي سُلوكهم. والصلاح استثناء، ثُم إذا وُجد بينهم من الأمور الصالحة شيئاً فإنما يكون مما لا يُؤجر عليه أحدٌ منهم. كما قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورَاً} [سورة الفُرقان الآية 23].
ثانياً: التشبه بالكافرين يُوقِع المُسلم بالتبعية لهُم، وفي هذا مُشاقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم واتباع لسبيل غير المُؤمنين. وفي هذا وعيدٌ شديد، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء الآية 115].
ثالثاً: التشابه بين المُتشَبَّه به، يُوقع شيئاً من المُشاكلة بين المُقلَّد والمُقلِّد. بمعنى التناسب الشكلي والميول في القلب والانصهار والموافقة في الأقوال والأعمال، وهذا أمرٌ مُخِلٌ بالإيمان لا ينبغي لمُسلم أن يقع فيه.
رابعاً: أن التشبه يُورث، في الغالب، الإعجاب بالكافرين، ومِن ثَم الإعجاب بدينهم وعاداتهم وسُلوكهم وأعمالهم وما هُم عليه من الباطل والفساد. وهذا الإعجاب لابُد أن يُورِث ازدراء السُنن وازدراء الحق والهُدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والذي عليه السلف الصالح؛ لأن من تشبه بِقومٍ وافقهم ورضيَ بفعلهم وأعجبه ذلك، وبالعكس فإنه لا يُعجبه الفعل والقول المُخالف.
خامساً: أن المُشابهة تُورث المودة والمحبة والموالاة بين المتشابهين، فإن المُسلم إذا قَلَّد الكافر لابد أن يجد في نفسه إلفةً له، وهذه الإلفة لابد أن تورِث المحبة وتورث الرضا والموالاة لغير المؤمنين، والنفرة من الصالحين المُتقين العاملين بالسُنة المُستقيمين على الدين، وهذا أمر فِطري يُدركه كل عاقل، خاصةً إذا شعر المقلِّد بالغُربة أو شعر المقلِّد بما يُسمى بالانهزامية النفسية، فإنه بذلك إذا قلد غيره فإنه يشعر بعظمة المُقلَّد وبالمودة له والأُلفة والتناسب بينهما، ولو لم يكن من ذلك إلا التناسب الظاهر لكفى، مع أن التناسب الظاهر في الشكل وفي العادة وفي السُلوك لابد أن يُورِث التناسب الباطن، وهذا أمر يُدركه كل من يتأمل مثل هذه الأمور في سُلوك البشر.
ولأضرب لكم مثلاً في وجود التناسب والمحبة والإلفة بين المُتماثلين:
لو أن إنساناً ذهب إلى بلدٍ آخر يكون هو فيه غريباً، فإنه لو رأى إنساناً مثله يمشي في السوق يلبس كلباسه ويتكلم بلغته، فإنه لابد أن يشعُر نحوه بشيء من المودة والإلفة أكثر مما لو كان في بلده. إذن فالإنسان إذا شعر أنه مُقلِّد لآخر، فإن هذا التقليد لابد أن يقع في القلب له أثر، هذا في الحالات العادية، فكيف لو قلد المُسلم الكافر عن إعجاب! وهذا هو الحاصل، فإنه لا يُمكن أن يقع التقليد من المُسلم للكافر إلا وأن يكون ذلك صادراً عن إعجاب وعن تقليد وعن مُحاكاة وعن محبة تُورث المودة والموالاة، كما نرى من المُتفرنجين من المُسلمين.
وسادساً: نُهينا عن التشبه؛ لأن مُشابهة المُسلم للكافرين في الغالب لابد أن تجعله في مقام الذليل والضعيف الذي يشعر بالصَغار والانهزامية، وهذا الذي عليه الكثير من الذين يُقلدون الكفار الآن.

كتبه: أ.د. ناصر بن عبد الكريم العقل، أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
من كتاب: قضايا عَقَدِيَّة مُعاصِرة

18‏/12‏/2009

دروس وثمرات من الهِجرة

·     البذل والتضحية بكل شيء في  سبيل الدين سِمة الصادقين وعلامة بارزة لعباد الله المُفلحين، وعلى قدر الحُب يكون البذل.
·     أسلم طريقة للنجاة من الفِتن والتخلص من آثارها البُعد عنها، ومَن حام حول الحِمى يوشِكُ أن يرتع فيه؛ فاهجر ما فيه شُبهة وابتعد عن مواطن الفِتن تسلم.
·     أبو بكر الصِدِّيق رضي الله عنه أعلى الناس مكانةً بعد الأنبياء والمُرسلين:
o   فهو صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في الهِجرة وجليسه في الغار.
o   وهو الفائز بمعية الله له وللنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة - الآية 40]، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اثنينِ اللهُ ثالِثَهُمَا" أخرجه البخاري ومسلم.
o   وهو الذي استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم حين مَرِض للصلاة بالناس فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بالناس" أخرجه البخاري ومسلم، وصدق الفاروق عُمَر رضي الله عنه إذ قال عن الصِدِّيق أبي بكر رضي الله عنه: "رَضِيَكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر وعمر سَيِّدا كهول الجنة مِن الأولين والآخرين إلا النبيين والمُرسلين" أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سُنن الترمذي.
·     الأخذ بالأسباب مع حُسن التخطيط والإعداد من أهم عوامل النجاح، والأخذ بالأسباب يكون أولاً، ثم يكون صدق التوكل والاعتماد على الله عز وجل، والطعن في الأسباب طعن في الشرع، وتعلق القلب بالأسباب شِرك؛ فَخُذ بالأسباب ولا يتعلق قلبك بها؛ وإنما يتعلق قلبك بالمَلِك الوَهَّاب. وهكذا خطط رسول الله صلى الله عليه وسلم للهجرة، ثم حين وقف المشركون على باب الغار فَوَّضَ الأمر إلى الله عز وجل وقال: "إن الله معنا"، فحفظه الله ودافع عنه.
·     حِفظ الله لأوليائه لا يُفارقهم؛ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين، وعلى قدر بَذْلِك وتضحيتك يكون حِفظ الله لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" أخرجه أحمد في مُسنده وصححه الألباني في صحيح الجامع؛ فانفض عنك غبار السلبية، واطرد عن جفونك نوم الغفلة المَقيت، وأشعل في القلب حماسة البذل للدين ومن لم يَمُت بالسيف مات بغيره، ومن العجز أن تموت جباناً؛ فابذل لله ولا تتأخر، فإن قوماً ظَلُّوا يتأخرون حتى أخرهم الله عز وجل، ابذل لله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} [سورة التوبة - الآية 38].
·     انقطعت الهجرة من مكة، لأنها صارت دار إسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا هِجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونِيَّة، وإذا اسْتُنْفِرْتُم فانْفِروا" أخرجه البُخاري ومسلم؛ لكن الهجرة من المعصية إلى الطاعة باقية، ومن البدعة إلى السُنَّة باقية، ومن الشِرك إلى التوحيد باقية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والمُهاجِر من هَجَرَ ما نَهَى اللهُ عنه" أخرجه البخاري.
وكذلك هي باقية إذا أسلم إنسان بين أُناس مُشركين كلهم، فمِثل هذا يجِب في حقه أن يُهاجِر غلى بلاد المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين"، قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: "لا تَرَاءَى نارهما" أخرجه الترمذي وصححه الألباني في صحيح سُنن الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَن جامَع المُشرِك وسكن معه فإنه مثلُه" أخرجه أبو داود وصححه الألباني في صحيح سُنن أبي داود.
·     ليست العِبادة مُجرد صلاة وصِيام فحسب، بل العِبادات أشمل مِن ذلك؛ فهي كل ما يُحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال والأحوال؛ فهناك عبادات قلبية كالحُب والخوف والرجاء، وهناك عبادات مالية كالصدقة والزكاة والكفارات، وهناك عبادات بدنية كالصلاة والهجرة، وهناك عبادات قولية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، فالهجرة عبادة مِن أَجَلِّ العبادات، وهي باقية بالمفهوم الذي ذكرناه من قبل.

كتبه: فضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب
مِن كِتاب: مدرسة السيرة النبوية – الجزء الأول "مِن الميلاد إلى الهجرة".

14‏/12‏/2009

فضل الإسناد

قال محمد بن حاتم بن المُظَفَّر: "إن الله أكرم هذه الأُمَّة وشَرَّفَها وفَضَّلها بالإسناد، وليس لأحدٍ من الأُمَم كلها، قديمهم وحديثهم إسناد، وإنَّما هي صُحُف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبِهم أخبارَهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوا عن غير الثِقات.
وهذه الأُمَّة إنَّما تَنُصُّ الحديث من الثِقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مِثلِه، حتى تتناهى أخبارُهُم، ثُمَّ يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مُجالسةً لِمَن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثُمَّ يكتبون الحديث من عشرين وجهاً وأكثر، حتى يُهَذِّبوه مِن الغلط والزلل، ويضبِطوا حروفه ويعدُّوه عداً.
فهذا من أعظم نِعَم الله تعالى على هذه الأمة، نستوزع الله – شُكر هذه النعم، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب منه ويزلف لديه، ويُمسكنا بطاعته، إنه ولي حميد.
فليس أحد من أهل الحديث يُحابي في الحديث أباه ولا أخاه ولا ولده؛ وهذا علي بن عبد الله المديني – وهو إمام الحديث في عصره – لا يُرْوَى عنه حرفٌ في تقوية أبيه، بل يُرْوَى عنه ضِد ذلك. فالحمد لله على ما وفقنا".

رواه: الحافظ المؤرخ، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الشهير بـ"الخطيب البغدادي".
من كتاب: شَرَفُ أَصْحابِ الحديثِ؛
باب ذِكْر بيان فضل الإسناد، وأنه مما خَصَّ الله به هذه الأُمَّة

10‏/12‏/2009

تحريف الأناجيل

ليس ثمة شك في أن الله تبارك وتعالى إنما أنزل على المسيح عليه السلام إنجيلا واحداً مُكَمِّلاً للتوراة المُنزلة على موسى عليه السلام، وما من شك أيضا في أن المسيح حين هتف ببني إسرائيل : " قد كَمُل الزمان واقترب ملكوت الله فتربوا وآمنوا بالإنجيل" - مرقص : 1 : 16 - وإنما كان يعنى ذلك الإنجيل المُنزل، لا شيئاً آخر سواه.
والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه بنفسه  { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }[ سورة الحِجر - الآية 9].  أما الكتب السابقة فقد وُكِّل حِفظها إلى علماء دينها.
{ إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } [سورة المائدة - الآية 44].  إذن فقد كان في عهدة الكنيسة أن تحفظ هذا الإنجيل بنصِه السماوي وصِبغته الإلهية، فلا يمسه عبث عابث ولا يجترئ عليه يد محرف، لكن الكنيسة كعادتها فرطت في واجبها، بل إنها هي التي فتحت للمعرضين باب التحريف والقول على الله بغير علم.
إن محرري دائرة المعارف البريطانية، وهم من ذوى الكفاءات العالية في معظم التخصصات – ومنها اللاهوت – لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه "لم يبق من أعمال السيد المسيح شئ ولا كلمة واحدة مكتوبة" - الجفوة المفتعلة بين العلم والدين : ص 13 - بما إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق.
ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئاً من أقوال المسيح وتعاليمه التي يحتمل أنها وحى من الله، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخى موثوق إلى المسيح، وإنما آمنا به لأننا لو عرضناه على الوحى الإلهي المحفوظ "القرآن" والسُنَّة، لوجدنا الصلة بينهما واضحة أما من لا يؤمن بالقرآن ولا يعترف إلا بحقائق البحث المجرد فليس غريباً أن ينكر الأناجيل برمتها مثل قولة دائرة المعارف البريطانية هذه.
ولندع رأي المعاصرين ولنعد إلى القرن الأول الميلادي حيث احتمال وجود الإنجيل أقوى وأرجح، فماذا نجد؟ يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل:
"محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة رائجة في أول القرون المسيحية وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة هيجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذِكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان "فابرى سيوس" جَمَع الأناجيل وطبعها في ثلاث مجلدات" - إظهار الحق: ص 292، وانظر محمد رسولاً نبياً / عبد الرازق نوفل : ص 188.
هكذا قفز العدد من واحد إلى سبعين، و المسيحية لا تزال في مهدها، مما دفع لوقا إلى كتابة إنجيله، فأي هذه الأناجيل يا ترى الإنجيل الحقيقي الموحى إلى المسيح ما دمنا مُسَلِّمين بأن الله لم يُنْزِل إليه إلا إنجيلاً واحداً؟
إن لوقا نفسه ليفسح لنا الطريق إلى الحقيقة النيرة التي تهدم الأناجيل كلها ومنها إنجيله – وها هي ذي مقدمة إنجيله تنطق بها:
يقول لوقا في المقدمة: " إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتبقية عندنا كلما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به " صح : 1 .
وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل سِيَر وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته كما سمعوها من أسلافهم الذي رأوا المسيح وخدموه، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسى غوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل:
"هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها" حياة الحقائق: ص 62.
إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها، هي كتب السيرة … فهل يمكن بأى حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منزل من الله؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة صلى الله عليه وسلم ومحفوظة بأصلها العربي، لم تتناولها الترجمات، كما هو الحال في الأناجيل، كما أنها لم تُفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى نقول "أنه مملوء بالروح القدس" وتمنحه لقب "رسول" أو "قديس" وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً - انظر أعمال الرسل من العهد الجديد صح :1 - يؤخذ كلامهم على علاته قضايا مُسَلَّمة، وتقديس رسائلهم كما تُقَدَّس الأناجيل.
تلك حصيلة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى: سبعون إنجيلاً يُكَذِّب بعضهم بعضاً، ومائة وعشرون رسولاً، منهم من أَلَّف أناجيل، ومنهم من كتب رسائل، ومنهم من كان يكرز ( يعظ ) من حفظ ومعلوماته … وطوائف وفرق تجل عن الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية.
كتبه: د. سفر الحوالي
من كِتاب: العلمانية، نشأتها وتطورها، وأثرها في الحياة الإسلامية المعاصرة - رسالة ماجيستير

16‏/11‏/2009

مِن أحكام الحَج والعُمرة

معنى الحَج والعُمرة

الحَج لُغةً: القصد. وشرعاً: التعبد لله بأداء المناسك على ما جاءت به السُنَّة. ومعنى العُمرة: الزيارة.

حُكمه:

الحَج واجب على كل مُكَلَّف. قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [سورة آل عِمران –الآية 97]. وهو أحد أركان الإسلام لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "بُنِيَ الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" مُتفقٌ عليه.

حُكم العُمرة: الراجح من أقوال أهل العلم أن العُمرة واجبة مرة واحدة في العمر، وهو قول علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم.

الترغيب في أداء الحَج والعُمرة

عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" متفقٌ عليه.

ومعنى الرفث: الجِماع، ويُطلق على التعريض به وعلى الفُحش في القول، وقوله: ولم يفسُق أي: لم يأت بسيئة ولا معصية.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العُمرة إلى العُمرة كَفَّارة لما بينهما، والحَج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" مُتفقٌ عليه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحَج والعُمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحَج المبرور ثواب إلا الجنة" رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نُجاهد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "لكن أفضل الجهاد حَجٌ مبرور" رواه البُخاري، وفي لفظ: "جهادكن الحَج".

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثُم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثُم ماذا؟ قال: "حَجٌ مبرور" مُتفقٌ عليه.

التعجيل بالحَج

ينبغي للمؤمن أن يغتنم الفرصة لأداء مناسك الحَج، فإنه لا يدري ما يعرض له من موانع تشغله أو تعوقه، وقد وردت الأحاديث تَحُث على التعجيل بالحج، فَمِن ذلك:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعجلوا إلى الحَج فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِضُ له" رواه أبو داود بسندٍ حسن.

وعن الفضل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد الحَج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة" رواه ابن ماجة بسندٍ حسن.

كتبه: عادل بن يوسُف العزازي

مِن: إرشاد الصُحبة لمناسِك الحَج والعُمرة

10‏/11‏/2009

أثر الفُرس في بعض عقائد الشيعة

إن بعض الباحثين في عقائد فِرَق الشيعة – لا سيما الباطنية – يُلاحظون تشابهاً بينهم وبين الفُرس، بل أُطلِق اسم المجوس على القدرية أيضاً.

قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" ص 276-278، نقلاً عن كتاب "الشيعة والتشيع – فرق وتاريخ" لإحسان إلهي ظهير: والحق أن التشيع كان مأوى لجأ إليه كل من أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقد، ومن كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية. وتستر بعض الفُرس بالتشيع وحاربوا الدولة الأموية وما في نفوسهم إلا الكُره للعرب ودولتهم، والسعي لاستقلالهم. ويستند أيضاً إلى ما ذهب إليه المقريزي في تعليله لاختفاء بعض الفُرس وراء الإسلام بعامة والتشيع بخاصة بمحاربة الإسلام؛ لأنهم كانوا أهل مُلك وعلوا على جميع الأمم، يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما انتصر العرب المسلمون عليهم – وكانوا يعتبرون العرب أقل الأمم خطراً – تضاعفت لديهم المصيبة، فرأوا كيد الإسلام بالمحاربة عن طريق الحيلة لعجزهم عن المواجهة الصريحة المباشرة. قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" ص 276-278، نقلاً عن كتاب "الشيعة والتشيع – فرق وتاريخ" لإحسان إلهي ظهير: فرأوا كيده على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي رضي الله عنه، ثم سلكوا بهم مسالك شتى أخرجوهم بها عن طريق الهدى. ولكنهم لو فحصوا ما دار حول الخلافة منذ تولاها أبو بكر رضي الله عنه لعلموا أن علياً لم يُظلم كما يتوهمون، بل إنه بايع وأقر بخلافة الخلفاء قبله رضي الله عنهم جميعاً.

ويرى المُستشرق دوري أن الشيعة كانت في حقيقتها فرقة فارسية، مُستنداً إلى أن الفُرس لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحُكم، لهذا اعتقدوا أنه ما دام محمد صلى الله عليه وسلم لم يترك ولداً يرثه، فإن علياً رضي الله عنه هو الذي يجب أن يخلفه وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي رضي الله عنه، ويُضيف أيضاً أنهم اعتادوا أن يروا في ملوكهم أحفاداً مُنحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي رضي الله عنه وذريته. ويرى ذلك المُستشرق الألماني ولهوزن المُتعاطف مع الشيعة، فيذكر أنه لا سبيل للشك في أن آراء الشيعة كانت تُلائم الإيرانيين.

ولا نجد للشيعة سنداً يُعتد به في هذا الإنحراف العقدي، ولو درسوا التاريخ بأمانة لوجدوا الاعتراض التام عليه، إذ عَبَّر المغيرة بن شُعبة رضي الله عنه عن دهشته واعتراضه على اتخاذ الفُرس بعضهم أرباب بعض، حيث كان الأكاسرة يَدَّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، ولذلك علق المُغيرة على ما لاحظه من تلك المظاهر مُخاطباً رُستم قائدهم: "وإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، فلا نفعله". مُعبراً بذلك عن عقيدة التوحيد التي تجعل المُسْلِم عبداً لله وحده.

ولما زحفت الزرادشتية على العالم الإسلامي في عصور متأخرة رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية يُحذر من الوقوع في براثنها مُذَكِراً المُسلمين بالحديث الصحيح: "لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم، شبراً بشبراً وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: فارس والروم؟ قال: "فمن غيرهما". ويرى شيخ الإسلام أن هذا الحديث ينطبق على كل من اتخذ عقيدة أو سلك سُلوكاً مُشابهاً لهاتين الأُمَّتين، ونحن نعلم أنهما في عقيدتهما يُعبِّران عن الشرك في جميع صُوره.

كتبه: أ.د. مصطفى حلمي، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكُلية دار العلوم، جامعة القاهرة.

من كتاب "الإسلام والأديان – دراسة مُقارنة".

06‏/11‏/2009

دلالات الأمر في القُرآن والسُنَّة

إذا تأملتَ في أفعال الأمر وصِيَغه الواردة في كلام الله وسُنن النبي صلى الله عليه وسلم المُنفصلة عن كل قرينة لفظية أو حالية، رأيتَ أن جُملة هذه الأفعال تدُل على الوجوب حيث لا قرينة ولا صارف.

والقرينة اللفظية هي ما يَقترن بالأمر مما يدُل على الوجوب، أما القرينة الحالية فكأن يُخاطِب الآمر المأمور بصيغة شديدة أو بعبارة حاسمة حازمة.

يعني إذا قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَه} [سورة الأنفال - الآية 1]، وقوله: {وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللهُ الدَارَ الآخِرَة} [سورة القصص - الآية 77]، أو {أَقِيمُوا الصَّلاةَ وءاتُوا الزَّكَاة} [سورة البقرة - الآية 43] ونحو ذلك فإن هذا يُفيد الوجوب، قال تعالى في تأكيد هذا المعنى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَنْ يَكُونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} [سورة الأحزاب - الآية 36].

والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الِّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} [سورة النور - الآية 63]، فإنه حذر سبحانه وتعالى وتَوَعَّد المُخالِف عن الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، ولا يكون ذلك عقوبةً لترك المندوب أو المُباح، وإنما هو عقوبة لِمَن تَرَكَ الواجِب.

وقال تعالى مُخاطِباً إبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُك} [سورة الأعراف - الآية 12] فترتب على مُخالَفة إبليس للأمر اللعن والطرد والإبعاد من رحمة الله، فَدَلَّ ذلك على أن الأمر من الله سبحانه وتعالى كان مُقتضياً للوجوب، لأنه لا تترتب هذه العقوبات على مُجَرد المندوب أو المُستحب، كما أن الله تعالى سَمَّى هذه المُخالَفة عِصياناً والعِصيان يُوجِب العُقوبة، قال تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [سورة طه - الآية 93].

كما رَتَّبَ دخولهم النار على قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُون} [سورة المُرسلات - الآية 48]، ولفظ "اركع" هذا فعل أمر، فَدَلَّ هذا على أن مُخالَفة الأمر تُوجِب النار، ودُخول النار لا يكون إلا لترك واجب؛ وقد أجمع الصحابة على امتثال الأمر ولزوم الطاعة من غير سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ماذا عَنِيَ من أوامره.

الخُلاصة: أن صيغة الأمر إذا أُطلقت وتجردت عن القرينة دَلَّت على الوجوب، إلا إذا دَلَّ الدليل على غير ذلك أو يُصرف هذا الأمر إلى غيره.

والقرينة إما أن تكون مُتصلة أو مُنفصلة.

فالقرينة المُتصلة كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا قبل المغرب، لمن شاء" أخرجه البُخاري من حديث عبد الله المُزَني رضي الله عنه. وقوله سبحانه وتعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم} [سورة المجادلة - الآية 12].

فالأمر الواجب لا يُعَلَّق على مشيئة العبد والواجب لا يُعَلَّق بالمشيئة، وإنما يُعَلَّق بالاستطاعة، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُم} [سورة التغابن - الآية 16]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرتكم فأتوا منه ما استطعتم" أخرجه مُسلم. فتعليق الأمر أو الوجوب على المشيئة يدُل على أن المقصود من ذلك الندب أو الإباحة.

والقرينة المنفصلة كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم} [سورة البقرة - الآية 282] طلب الله من المُسلمين أن يُشهِدوا عند البيع، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى ولم يشهد، فدل ذلك على أن الأمر بالإشهاد دون الإيجاب، وهو الندب والاستحباب.

كتبه: فضيلة الشيخ د. محمد يسري إبراهيم

من كتاب "أوضح العبارات في شرح المحلي مع الورقات".