17‏/02‏/2010

الشباب وعيد الحب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فنناقش في هذا المقال -بإذن الله- قضية تخصنا نحن الشبابَ، ونلمس آثارها في واقعنا الذي نحيا فيه، ألا وهي قضية الحب، الذي استفحل أمره وعظُم خطره؛ فبعد أن كان من البلايا التي يتستر عليها أصحابها أصبح من الأمور التي يتباهى بها الشبابُ مثبتين بذلك نضجَهم وتفتُحَهم.
وقبل أن نخوض في الكلام عن هذه المسألة، لابد أن نتفق على أصل من أصول ديننا الحنيف، ألا وهو قول الله -عز وجل-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [سورة الأحزاب – الآية 36]، وكذلك قوله -عز وجل-: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [سورة النساء – الآية 65].
فدلت هذه الآيات على أن المسلمَ عبدٌ لله -تعالى- في كل شئون حياته، ومن لوازم هذه العبودية أن يطيع اللهَ في كل ما أمره به، وأن ينتهي عن كل ما نهاه عنه، وما من أمرٍ من الأمور ولا حادثةٍ من الحوادث إلا ولله فيها حكمٌ، عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَه من جَهِلَه.
وإذا استصحبنا هذا الأصل في الكلام على عيد الحب فإننا سنجد ما يلي:

أولاً: لمحة تاريخية عن نشأة هذا العيد:
تعددت الأساطير حول طبيعة هذا العيد وقصة بدايته، إلا أننا يمكن حصر هذه الروايات في أحد طريقين:
1- عيد الحب إحياء للشرك الروماني:
ويروون في ذلك أسطورة، مفادها: أن الرومان كانوا يعتقدون أن مؤسس مدينة "روما" رجل يدعى "رومليوس"، وفي يوم ما رضع هذا الرجل من ذئبة شاردة في إحدى البراري؛ فأمدته بالقوة والحكمة!!
فحفظ الرومان ذلك اليوم، وكانوا يحتفلون بهذه الذكرى من كل عام، ولهم في هذا الاحتفال مراسم ملؤها الشرك والوثنية؛ لذا نجد العشاق يتبادلون في هذا اليوم كروتاً عليها صورة "كيوبيد"، وهو إله الحب عند الرومان.
2- عيد الحب اتباع للعقيدة النصرانية:
ومما يروى في ذلك أن أحد ملوك الرومان أصدر قراراً بمنع جنوده من الزواج؛ لأنه رأى أن الزواج يشغلهم عن الحروب والمعارك، وقد كان هذا بعد تحول الرومان إلى النصرانية، فثار "فالنتين" على هذا القرار -وقد كان قسيساً في الكنيسة-، ومن يومها عزم "فالنتين" على إجراء عقود الزواج للجند سراً، فعلم الإمبراطور بذلك، فسجنه وحكم عليه بالإعدام، وأصبح من يومها شهيد الحب.
ويروون أيضاً أن الرومان بعد تحولهم إلى النصرانية أبقوا على احتفالهم بيوم الحب، لكنهم حولوه من الحب الإلهي إلى العشق بين الرجال والنساء، فكانت الفتيات اللاتي يرغبن في الزواج يكتبن أسماءهن في ورقات صغيرة، ويأتي الشباب الراغبون في الزواج فيختار كل منهم ورقة، وبموجبها يمكث مع صاحبة الورقة سنة كاملة، ثم يقررا بعد ذلك الزواج أو الانفصال!!
فثار فالنتين على هذا الأمر لأنه اعتبره مفسداً لأخلاق الشباب؛ لذا فإن من شعار العشاق في هذا اليوم تبادل الورود الحمراء، وارتداء الملابس الحمراء؛ تعبيراً عن هذا العشق.
وعلى أي الأحوال سواء كانت نشأة هذا اليوم عند الرومان أصالة أو تسللت إلى النصارى عبر الرومان، فإن المسلم لا يليق به أن يدنِّس أخلاقه ويشوِّه عقيدته بالاحتفال بمثل هذا اليوم، وإلا....
- فمن ذا الذي يصدق أن ذئبة أرضعت رجلاً، وكان نتاج هذا الرضاع القوة والحكمة؟!
- ومن الذي يرضى على نفسه ما اعتبره رجال الدين النصارى مفسداً لأخلاق الشباب؟!
- أضف إلى ذلك أن الأعياد في الإسلام هي من جنس الشعائر والعبادات، والتي لا يجوز الزيادة عليها إلا بوحي، والنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما دخل المدينة وجدهم يلعبون في يومين، فقالوا: "كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ" رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني.
- وأخيراً... فهذا تشبه بالكفار، وقد نهانا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" رواه أبو داود وأحمد، وصححه الألباني.
وإن سلم المحتفلُ بهذا العيد من مشابهة الشرك الوثني الروماني، فلا مفر من تلبسه بإحياء ذكرى العشق الماجن والحب الفاجر، والذي يكون -غالباً- خارج إطار الزوجية.

ثانياً: واجبنا نحو الشباب:
1- الاعتزاز بهذا الدين والتمسك بشعائره، وترك مشابهة الأمم الملعونة من اليهود والنصارى وغيرهم، وقد حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- من فقال: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟" رواه البخاري ومسلم.
2- التنبيه إلى أن هذه الأعياد نشأت وترعرعت في بلاد الكفر والفسق، وهم إنما يحاولون تصدير هذه الأخلاق الرذيلة؛ لإفسادنا وتدمير قوانا، وهم مع ذلك لا يرضون عنا إلا إذا سلمنا لهم الراية تماماً، بالدخول في دينهم -والعياذ بالله-، كما قال -تعالى-: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [سورة البقرة – الآية 120].
3- عدم الاحتفال بهذا اليوم أو المشاركة في طقوسه؛ لأنهم -وكما قدمنا- يقصدون بالمحبة هنا العشق والغرام في العلاقات الغير شرعية، والتي ينتج منها انتشار الزنا والفواحش وأنواع الزيجات المحرمة من الزواج العرفي أو زواج الصداقة وغيره.
وإن قصدوا به المحبة الإنسانية وإشاعة الأخوة بين بني الإنسان، فهذا كذب على العقلاء من ناحية -وإلا فما تفسير ما يحدث للمسلمين في شتى بقاع الأرض-، وتَجَنٍّ على الشرع من ناحية أخرى؛ لأن الله أمرنا ببغض الكافرين، قال -تعالى-: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [سورة المجادلة – 22].
4- عدم إعانة من يحتفل بهذا اليوم، مثل من يبيع الكروت أو الورود الحمراء لمن يعلم أنه يستخدمها في مثل هذه الأغراض؛ لأن الله -تعالى- يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سورة المائدة – الآية 2].
 وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كتبه: أحمد الشحات

08‏/02‏/2010

الإمام الشيعي في العصر الحاضر ودولته التي أقامها

لِكَوْن الدولة الإيرانية امتدت في العالم الإسلامي ناشرة للعقائد الفاسدة في إفريقيا وآسيا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي والشمال الإفريقي، وأوروبا وأستراليا وأمريكا، وتأثر بها كثير من عوام المسلمين الذين لا يملكون فهماً ولا عِلماً ولا اطِّلاعاً بحقيقة أمرهم، ومرمى أهدافهم، رأيتُ من المناسب أن أُبَيِّن عقائد هذا القديس المزعوم "الخميني ومن جاء بعده"، حتى نُحَذِّر الأجيال مِن هذه المدرسة الشيطانية التي نخرت بُنيان الأُمَّة، ولا تزال تنخُر دون كلل ولا ملل.
ومِن عقائد الإمام الخُميني الفاسدة ما ذكره في كتابه "الحكومة الإسلامية": "وأن مِن ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه مَلَك مُقرب ولا نبي مُرسل"، وقد ورد عنهم: "أن لنا مع الله حالات لا يسعها مَلَك مُقرب ولا نبي مُرسل" – الحكومة الإسلامية ص52.
فهذا اعتراف واضح في كونه يُفَضِّل أئمة الإثنى عشرية على الأنبياء والرُّسُل، وهذا مذهب غُلاة الروافِض في حُكم كِبار أئمة السُنَّة.
يقول عبد الظاهر البغدادي (ت429هـ): "وزعمت الغُلاة من الروافِض أن الأئمة أفضل من الأنبياء، ونعلم أن هذا باطل" – أصول الدين ص298.
ويقول القاضي عياض (ت544هـ): "وكذلك نقطع بتكفير غُلاة الروافِض في قولهم: إن الأئمة أفضل مِن الأنبياء" – الشفاء ج1 ص290.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ): "والرافِضة تجعل الأئمة الاثنى عشرية أفضل مِن السابقين الأولين مِن المُهاجرين والأنصار، وغُلاتهم يقولون: إنهم أفضل مِن الأنبياء" – مِنهاج السُنَّة ج1 ص177.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن اعتقد في غير الأنبياء كونه أفضل منهم أو مُساوياً لهم فقد كَفَر، وقد نَقَل على ذلك الإجماع غير واحِد من العُلماء" – الرد على الرافِضة ص29.
إن الخُميني مرجعه في المُعتقد والتصور الشيعي، شُيوخه الذين سبقوه وواضعو هذا المنهج المُنحَرِف، فهو يُعَظِّم ويُقَدِّس كتاب "الكافي" للكليني، و"الاحتجاج" للطبرسي وغيرهما، ويترحم في كُتُبِه على المجوسي حُسَيْن النُّوري الطبرسي صاحِب كتاب "فصل الخِطاب في إثبات تحريف كِتاب رب الأرباب"، وتجده يُوَثِّق كِتاباً حوى "دعاء عَلِيِّ عَلَى صنمَي قُريش" وهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه وصف "الشيخين الَّذَيْن حَرَّفا كِتابك" – مسألة التقريب بين أهل السُنَّة والشيعة ج2 ص237. وله تفسير باطِني في بعض الآيات، مَثَلاً في قولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [سورة النِّسَاء – الآية 58]، "فقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بِرَد الإمامة إلى أهلها، وهو أمير المؤمنين، وعليه هو أن يَرُدَّها إلى من يليه، وهكذا..." – مسألة التقريب بين السُنَّة والشيعة ج2 ص237.
وأما اعتقاده في الصحابة، فإن مُعتقد الإثنى عشرية: لا وِلاية إلا البراءة مِن أعدائهم وهم أبو بكر وعُمر رضي الله عنهما ومن اتبعهما بإحسان إلى يوم الدين.
فالخُميني يرى مشروعية التبرؤ مِن هؤلاء الأخيار والتَّولي للإثنى عشرية في الصلاة، فيذكر أن المصلي يُشرع له أن يقول في سُجودِه: "الإسلام ديني، ومُحَمَّد نبيي، وعلي والحسن والحُسَيْن – يعدهم إلى آخرهم – أئمتي، بهم أتولى ومِن أعدائهم أتبرأ" - تحرير الوسيلة ج1 ص169.
ويطعن في الصحابة لمخالفتهم النص المزعوم على إمامة عَلِي، يقول: "وفي غدير خم في حجة الوداع عَيَّنَه – يعني عَلِِيَّاً – النبيُ صلى الله عليه وسلم حاكِماً مِن بعده، ومِن حينها بدأ الخِلاف يَدُب في نُفوس القوم" – الحكومة الإسلامية ص131.
وكتابه الحكومة الإسلامية وغيره من كُتُبِه مليئة بالإنحراف عن الصراط المستقيم، فالخميني لا يختلف في اعتقاده عن الرافضة إن لم يكُن أشد غُلُوَّاً وشططاً، ونشط الخُميني قبل وفاته مُحاوِلاً بسط سُلطان الشيعة على شعبه بالقوة، وقامت دولته بتصدير الثورة كما يقولون، واعتمدت الشيعة على المُراوغة والكذب والتضليل، وهؤلاء الجدد لا يختلفون عن شيعة الأمس في المُراوغة والكيد، وفي الغُلُو أيضاً.
ويعتمدون على مبدأ التقية في جلب الناس حولهم، وإليك ما قاله الخُميني لأتباعه في أحد خطاباته: "لا تُبعدوا الناس عنكم الواحد تِلو الآخر، لا تكيلوا التُهم لهم بالوهابية تارة، وبالكُفر تارة أخرى، فمن يبقى حولكم إذا عمدتم إلى ممارسة هذا الأسلوب؟" – فِرَق مُعاصرة للعواجي ج1 ص263.

كتبه: د. عَلِي محمد الصَّلابي
مِن كتاب: الدولة الفاطمية

02‏/02‏/2010

علاقة العقيدة بالإيمان والشريعة

علاقة العقيدة بالإيمان
امتدح الله في كتابه الإيمان وأهل الإيمان في مثل قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [سورة المؤمنون – الآية 1]، وقال فيهم: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة البقرة – الآية 5]، ووعدهم بالجنة: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة المؤمنون – الآيات 10 و11].
والإيمان الذي أثنى الله على أهله ليس هو العقيدة فحسب، ولكن العقيدة تُمثل قاعدة الإيمان وأصله، فالإيمان عقيدة تستقر في القلب استقراراً يُلازمه ولا ينفك عنه، ويُعلن صاحبها بلسانه عن العقيدة المُستَكِنَّة في قلبه، ويُصدِّق الاعتقاد والقول بالعمل وِفق مُقتضى هذه العقيدة.
إن العقيدة التي تسكن في القلب، ولا يكون لها وجود في العلانية عقيدة خاوية باردة، لا تستحق أن تُسمى عقيدة. وقد نرى كثيراً من الناس يَعرفون العقيدة على وجهها، ولكنهم لا ينصاعون لها ولا يصوغون حياتهم وِفقها، بل قد يُعارِضون الحق الذي استيقنوه ويُحاربونه، فهذا إبليس يعرف الحقائق معرفة يقينية؛ يعرف الله، ويعرف صِدق الرسل والكتب، ولكنه نذر نفسه لمحاربة الحق الذي يعرفه.
وفرعون كان يُوقِن بأن المعجزات التي جاء بها موسى إنما هي من عند الله، ولكنه جحد بها استكباراً وعُلُوَّاً، كما قال الله تعالى في حقه ومَلَئِه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [سورة النمل – الآية 14].
وقد خاطب موسى فرعونَ قائلاً: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْـزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [سورة الإسراء – الآية 102].
وأهل الكتاب يعرفون أن مُحَمَّداً مُرسَل من ربه: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [سورة البقرة – الآية 146]، ولكنهم لا يُقِرون بذلك.
واسمع إلى قول أبي طالب يُخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم مُعتذراً لعدم إيمانه:
ولقد علمتُ بأن دين مُحَمَّد              مِن خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة أو حذار مسبةٍ               لوجدتني سمحاً بذاك مُبيناً
إذن ليس الإيمان مجرد معرفة باردة بالله، أو معرفة يستعلي صاحبها عن الإقرار بها، أو يرفض أن ينصاع لحُكمها، بل هي عقيدة رضي بها قلب صاحبها، وأعلن عنها بلسانه، وارتضى المنهج الذي صاغه الله مُتصلاً بها.
ولذلك قال علماء السلف: "الإيمان: اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان".

صلة العقيدة بالشريعة
الإيمان كما قُلنا له شطران: عقيدة نقية راسخة تستكن في القلب، وعمل يظهر على الجوارح، فإذا فُقِدَ أحد الركنين، فإن الإيمان يزول أو يختل؛ إذ الاتصال بين الطرفين وثيق جداً.
مَثَل الإيمان كشجرة طيبة ضاربة بجذورها في الأرض الطيبة، وباسقة بسوقها في السماء، مزهرة مثمرة مهطاءة، تُعطي أُكلها كل حين بإذن ربها، فالإيمان هو الشجرة، وجذورها العقيدة التي تغلغلت في قلب صاحبها، والسوق والفروع والثمار هي العمل.
ولا شك أن الجذور إذا خُلِعت أو تعفنت فسدتت الشجرة ويبست، ولم يبق لها وجود، وكذلك الإيمان لا يبقى له وجود إذا زالت العقيدة، أما إذا قُطِعت الساق والفروع، أو قُطِع بعض منها فإن الشجرة تضعف وتهزل، وقد تموت كُلِّياً، لأن وجود الفروع والأوراق ضروري لكي تُحافظ الشجرة على بقائها، وكذلك الأعمال إذا تُرِكت أو تُرِك جزء منها، فإن الإيمان ينقُص أو يزول.

العناية بالعمل
ومِن هنا يجب الاعتناء بفعل الأعمال التي فرضها الله علينا، أو حبب إلينا القيام بها، وبترك ما نهى عنه من أعمال؛ لأن ذلك جزء من الإيمان، فالعمل المتروك – وإن كان قليلاً – ينقص من الإيمان بذلك المقدار.
ومِن هنا يجب أن يتنبه الذين يُهَوِّنون مِن شأن العمل بِسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم والتزامها إلى خطورة موقفهم، وقد يتعدى بعض هؤلاء طوره، فيصف أموراً مِن السُنن أو الدين بأنها قُشور، ونسأل الله أن يعفو عن هؤلاء، فإن الدين كله لُباب لا قُشور فيه، وإن تفاوتت أمور الدين في الأهمية.
ولا يُفهم مِن قولنا أننا لا نُعنى بالأولويات في العِلم والعمل والدعوة إلى الله، فهذا أمر ينبغي أن يكون مُقرراً ومعلوماً، ولكن الذي نُنكره هو ترك الجزئيات، ولوم الذين لا يُلزِمون أنفسهم بالصغير والكبير مِن أمر الإسلام وسُنَّة المُصطفى صلى الله عليه وسلم.
وكم يؤثِّر في نفسي مشهد عُمر رضي الله عنه عندما طُعِن، ودخل عليه شاب، وقال لِعُمر قولاً حسناً، فلما أدبر الشاب ليخرج، إذا إزاره يمس الأرض، فدعاه عُمر وقال له: "يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك" رواه البُخاري في صحيحه، ولم يمنعه الموت الذي نزل به مِن أن يُرشد ذلك الرجل إلى أمر يَعُده كثير مِن الناس اليوم من القشور التي لا يجوز أن يُعنى بها.

كتبه: فضيلة الشيخ أ.د. عمر سليمان الأشقر، كُلية الشريعة – الجامعة الأردنية
مِن كتاب: العقيدة في الله – من سلسلة "العقيدة في ضوء الكتاب والسُنَّة".

25‏/01‏/2010

نشأةُ عِلْمِ الحديثِ وتدوينُه

عَصْرُ الصحابةِ:
انقضى عصرُ الخُلفاءِ الراشدينَ – رضيَ اللهُ عنهم – ولم يَكتُبِ المُسلمونَ مِن حديثِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم شيئاً يُذيعونهُ بينَ الناسِ إلا القليلَ، إلا ما كانَ مِن عبدِ اللهِ بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -؛ فقدْ كتبَ لنفسِهِ شيئاً كثيراً.
روى البُخاريُ عن أبي هُرَيْرَةَ - رضيَ اللهُ عنهُ -، قال: ما مِن أحدٍ مِن أصحاب النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أكثرُ حديثاً عنهُ مِنِّي، إلا ما كان مِن عبدِ اللهُ بن عمروٍ، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
ولكنهم – مع ذلك – صَرَفوا هِممهم إلى نشرِ الحديثِ بطريق الرواية: إما بنفسِ الألفاظِ التي سَمِعوها مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم – إن بقيت عالقةً في أذهانِهم – وإما بما يؤدي معناها مِن ألفاظٍ غيرِها – إن غابت ألفاظُهُ عنهم -.
ووهبهم اللهُ عزَّ وجلَّ صبراً على طلبِ الحديثِ عن أهلِهِ، مع حافِظةٍ واعيةٍ، ونفسٍ صافيةٍ، وذِهنٍ وَقَّادٍ يصلُ إلى تَبَيُّنِ المُرادَ مِن الكلامِ ويعي ما يُلقى إليه.
وإن قوماً انحدرتْ نُطَفُهُم مِن أصلابِ رجالٍ حَفِظوا أشعارَ شُعرائِهِم، ووعتها صدورُهُم مِن غير أن يُقَيِّدوها بالكتابة – إلا ما كانَ يَحْدُثُ في النَّدْرةِ – لَخَليقُونَ أن يحفظوا حديثَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم، وهو الذي ملأَ نُفُوسَهُم عَظَمَةً فَأَكْبروهُ، وأَجَلُّوهُ، وفَدَوْهُ بالأنْفُسِ والأموالِ.

عَصْرُ التابعين:
على هذا انقضى عصرُ الخُلفاءِ الراشِدينَ، بل عصرُ الصحابةِ كُلِّهِم أجمعين، فلما كانَ على رأس المائةِ الثانيةِ مِن هِجرةِ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم، وفي عهدِ أميرِ المؤمنينَ عُمَرَ بن عبدِ العزيزِ بنُ مروان – رضي الله عنه -، خافَ أهلُ البصرِ – وعلى رأسِهِم أميرُ المؤمنينَ – دُروسِ العِلمِ بِمَوْتِ أهلهِ، فكتبَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى أبي بكرِ بنِ حزمٍ: انظر ما كان مِن حديثِ الرسول صلى اللهُ عليهِ وسلم فاكتُبهُ، فإني خِفْتُ دُروسَ العِلمِ وذهابَ العُلماءِ. رواه البُخاري في صحيحه.
وكان العُلماءُ والصحابةُ يتحرجونَ مِن كتابةِ حديثِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مخافةً أن يختلطَ عندَ النَّاسِ بالقُرآنِ، فقد كانَ المُسلِمونََ في أولِ العهدِ به. ولكن عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – قد أَمِنَ ما خافَ السَّلَفُ مِن قبلِهِ؛ لاستقرار الناسُ على مصاحِفِ عُثمانَ بن عَفان رضي اللهُ عنهُ.
وكانَ ما كتبهُ إلى بن حزمٍ أَوَّلَ بداءةِ التفكيرِ في جمعِ المحفوظِ مِن حديثِ رسول الله صلى اللهُ عليهِ وسلم، ثُمَّ أَمَرَ مُحَمَّدَ بنَ شِهابٍ الزُهْرِيَّ بكتابتِهِ؛ فكانَ أَوَّلَ مَن كَتَبَ شيئاً مِن الحديثِ.

عَصْرُ أتباعِ التابعين:
ثُمَّ جاءَ مِن بَعدِ ذَلِكَ طَبَقَةٌ مِن العُلماءِ في عَصرٍ واحِدٍ، (لا يعلمُ أهلُ الفنِّ أيُّهُم أسبقُ إخوانِه)، فَصَنَّفَ كُلُ واحِدٍ منهم كِتاباً جَمَعَ فيهِ أبواباً مِنَ الحديثِ ممزوجةٍ بأقوالِ الصحابةِ وفتاوى التابعينَ.
مِن هؤلاءِ العُلماءِ: الإمامُ عبدُ المَلِكِ بن عبدِ العزيزِ بن جُرَيْجٍ (في مكة)، وهُشَيْمٌ بنُ بَشِيرٍ (بِواسِط)، والإمام مالك أومُحَمَّد بن إسحقَ (بالمدينة)، ومَعْمَرُ بن راشِدٍ (باليَمَن)، وعبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ المَرْزَوِيُّ (بِخُراسان)، والرَّبيعُ بنُ صَبِيحٍ أو سعيدُ بن أبي عَرُوبة أو حَمَّادُ بن سَلَمَةَ (بالبَصْرة)، وسُفيانُ الثَّوْرِيُّ (بالكُوفَة)، والأوزاعِيُّ (بالشَّام)، وجَريرِ بن عبدِ الحميدِ (بالرَّيِّ)، وغير هؤلاء.

عَصْرُ تَبَعِ أتباعِ التابعين وما بعدَهُ:
ثُمَّ جاء مِن بعدِ ذَلِكَ طبقةٌ أُخرى مِن العُلماء، صَنَّفوا كُتُباً في الحديثِ، مُجَرَّدَةٍ عَن أقوالِ الصحابةِ وفتاوى التابعينَ، وسلكوا في ذَلِكَ طريقَتَين:
-      إحداهما: التصنيف على "الأبواب"، وهو تخريجُهُ على أحكامِ الفِقهِ وغيرها، وتنويعُهُ أنواعاً، وجَمْعُ ما وَرَدَ في كُلِّ حُكمٍ وكُلِّ نَوعٍ؛ في بابٍ فبابٍ.
ومِن أشهرِ هذهِ الكُتُبِ: الكُتُبُ الخمسةُ الأصولُ (التي هي: الصحيحان، وسُنَنُ أبي داوُدَ، وسُنَنُ النَّسَائِيِّ، وجامِعُ التِّرْمِذِيِّ.
-      والثانية: تصنيفُهُ على "المسانيد"، وجَمْعُ حديثِ كلِّ صحابيِّ وحدهُ، وإن اختلفت أنواعُهُ.
ومِن أشهر هذه المسانيد: مُسْنَدُ الإمامِ أحمدَ بن حنبلٍ، ومُسْنَدُ أبي داوُدَ الطَّيالِسِيِّ، ومُسْنَدُ إسْحَقَ بن رَاهَوَيه، ومُسْنَدُ عبدِ بن حُمَيدٍ، وغيرُها.
إلا أن العُلماءَ في هذه الطبقةِ (عدا الشيخَيْنِ) وفي الطبقات السابقةِ لم يُجَرِّدوا الصحيحَ عن غَيرِهِ، بل جَمَعُوا ما يَصِحُّ وما لا يَصِحُّ في مُصَنَّفٍ واحدٍ.
ثُمَّ جاءَ فارِسا الحَلَبَةِ، والسَّابِقانِ في هذا المِضمارِ، إماما المُحَدِّثِينَ، وقُدْوَتا المُصَنِّفينَ: الإمامُ مُحَمَّدُ بن إسماعيلَ البُخَارِيُّ، وتِلْمِيذُهُ الإِمامُ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ؛ فصَنَّفا كِتابَيْهِما اللذَيْنِ عَلَيهِما مَدارُ الفِقْهِ الإسلامِيِّ، وجَرَّدَا فيهِما صِحاحَ الأحادِيثِ؛ فكانا بذلك العمل أَوَّلَ مَن صَنَّفَ في الصَّحيحِ المُجَرَّدِ عن غيرِهِ.
ثُمَّ سارَ العُلماءُ بعدَ ذلك على هذا الطريقِ، فأكثروا مِن التصنيفِ بالطريقتين، وقَصَدَ بعضُهُم أيضاً إلى تجريدِ الصحيحِِ – كما فَعَلَ الشيخانِ-، ومِن هؤلاء الذين قصدوا إلى تجريده:
الإمام ابن خُزَيْمَةَ، والإمام ابن حِبَّانَ، والإمام أبو عبد اللهِ الحاكِم النيسابوري؛ إلا أنهم وَقَعَ لهُم تساهلٌ في التصحيحِ ممعروفٌ، إلا أنَّ ابن خُزَيْمةَ أَقَلُّ الثلاثةِ تساهلاً، يليهُ ابنُ حِبَّانَ، يليه الحاكِم النيسابوري.

كتبه: فضيلة الشيخ أبو مُعاذ طارق بن عِوَضِ الله
مِن كِتاب: تقريبُ عِلمِ الحديث – المُستوى الأول

16‏/01‏/2010

حاجة الإنسان إلى الدين والعقيدة

دعوى استغناء الإنسان عن العقيدة دعوى باطلة يُكذبها الواقع، ويُبطلها تاريخ البشرية الطويل، إذ واقع البشرية شاهد على أن الإنسان حيثما كان وفي أي ظروف وُجِد، وعلى اختلاف أحواله وتباين ظروفه لا يخلو من عقيدة أبداً.
وسواء كانت العقيدة حقاً أو باطلاً، صحيحةً أو فاسدةً، حتى الذين يَدَّعون اليوم أن العِلم قد أغنى عن العقيدة وعن التدين، وأن الإنسان في عصر الذَرة وغزو الفضاء لم يُصبح في حاجة إلى الإيمان بالله تعالى، وبالغوا في الكُفر والإنكار، وقالوا: إن الإنسان في الظروف الصعبة التي كان يعيشها والمخاوف التي تنتابه من كل ما حوله من مظاهر الكون إذ هو يخاف المرض ويخاف الفقر ويخاف الرعد والبرق والفيضان والسيول والعواصف والزلازل وحتى الحيوانات، اضطر لأجل ذلك إلى الإيمان بقوة ذات قُدرة لا تعجز، وسلطان لا يُغلَب أو يُقهر، سَمَّاها إلهاً يفزع إليه عند الشدائد ويتقرب إليه بالعبادات ليدفع عنه الشرور ويقيه من المهالك. لهذا قالوا: إن الإنسان هو الذي خلق الإله وليس الإله هو الذي خلق الإنسان. وهو قولٌ مُضحِك، وجهلٌ فاضح، وكُفرٌ صريح، وكذبٌ ممقوت، ومُغالطةٌ مكشوفة، وسُخف عقول لا حد له.
إن الإنسان دائماً في حاجة إلى الإيمان والتَّدَيُّن والعقيدة، وإن الدين ضرورة من ضرورات حياته، وحاجة من حاجات نفسه، فلا غِنى له عن الإيمان بربه وعن عِبادته بحال من الأحوال، ومِن هُنا لم تخل أُمة وُجِدَت على وجه الأرض - ومُنذ عهد الإنسان بالحياة – من عقيدة ودين، ومِصداق ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [سورة فاطر – الآية 24]. والمُراد بالنذير، نبي أو رسول أو عالِم وارث لعِلم النُّبُوَة، يُنذر تِلك الأُمة عاقبة الكُفر بالله وبكتبه ورُسُله وشرائعه، ويُحذرها من نتائج الشرك بربها والمعصية له ولرُسُله وما يتبع ذلك من انحراف السلوك بالظلم والشر والفساد.
ولقد قال "بازماك" المؤرخ الإغريقي، مُقرراً هذه الحقيقة التي ذكرها القُرآن الكريم: لقد وُجِدَت في التاريخ مُدُن بِلا حُصون ولا قُصور وبِلا سُدود ولا قناطر، ولكن لم تُوجَد مُدُن بلا معابد.
ومِن هُنا تتجلى ضرورة الدين للإنسان، لأنه مُنذ وُجِد على هذه الأرض وهو في حاجة ماسَّة ومُلِحَّة أيضاً إلى قوانين ضابطة تُعَدِّل مِن غرائزه وتُنَظم سُلوكه وتُحدد اتجاهاته وتُهيئه للكمال الذي خُلِقَ مُستعداً له في كِلتا حياتيه، الأولى هذه يقضيها قصيرة على هذه الأرض، والثانية التي تتم له في عالمَ غير هذا العالَم الأرضي الهابط، وإنما في عالمَ  الطُهروالصفاء في الملكوت الأعلى، كما أخبر بذلك ربه بواسطة كُتبه التي أنزلها، وأنبيائه الذين أرسلهم.
ولا يستطيع أحد أن يضع له هذه القوانين غير الله الذي خلقه وعَلَّمَه وكَمَّلَه. والإنسان بفطرته يشعر بضعفه وحاجته إلى ربه في إعانته وتوفيقه ورعايته وحفظه، ولذا فهو يطلب التَعَرُّف إليه بما يجب من أنواع القرب وضروب الطاعات والعبادات، والإنسان بمواهبه وأفكاره ومشاعره وأحاسيسه يطلب دائماً المزيد من السُمُّو والرِفعة في ذلك حتى لا يريد أن يقف عند حد أبداً. فهو إذاً في أحواله هذه التي ذكرها مُفتقر إلى تشريع ديني إلهي يلائم فطرته ويُنَظِّم له علاقته فيما بينه وبين أفراده الذين لا يستغني عن التعاون معهم لتوفير أسباب حياته وبقائها صالحة في هذا الوجود من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ومركَب، ويمده بعلوم ومعارف عن ربه ولقائه وعن كيفية عبادته ودعائه وذكره والتقرب إليه بفعل طاعته وإتيان محابه، وترك مكارهه واجتناب مساخطه، كما يمده بفيض علمي عن الحياة والكون يعرف به حقيقة الوجود وعِلة الكون والحياة، وأسباب السُّمُو والكمال والهبوط والنُقصان، والتي تطرأ عليه في حياته الأولى والآخرة.
وبناءً على ما تقدم فحاجة الإنسان إلى دين إلهي صحيح أشد من حاجته إلى العناصر الأولية لحفظ حياته من ماء وغذاء وهواء، ولا يُنكر هذا أو يُجادل فيه إلا مُعاند مُكابِر لا يؤبه لعناده ولا يُلتفت إلى جِداله.

كتبه: فضيلة الشيخ أ.د. عمر بن عبد العزيز قُرَشي
الأستاذ بكلية الدعوة – جامعة الأزهر
من كتاب: حقيقة الإيمان

11‏/01‏/2010

معنى شهادة "أن مُحَمَّدَاً رَسول الله"

معنى شهادة "أن مُحَمَّدَاً رَسول الله" هو االإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن مُحمد بن عبد الله القُرَشي الهاشمي رسول الله – عز وجل – إلى جميع الخلق من الجِن والإنس كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات – الآية 56] ولا عِبادة لله تعالى إلا عن طريق الوحي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [سورة الفرقان – الآية 1].
ومُقتضى هذه الشهادة أن تُصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وأن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بِما شَرَع.
ومُقتضى هذه الشهادة أيضاً أن لا تعتقد أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً في الربوبية وتصريف الكون، أو حقاً في العبادة، بل هو صلى الله عليه وسلم عبدٌ لا يُعْبَد ورسولٌ لا يُكَذَّب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً من النفع أو الضُّر إلا ما شاء الله كما قال الله تعالى: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [سورة الأنعام – الآية 50]. فهو عبدٌ مأمور يَتَّبِع ما أُمِر به، وقال الله تعالى: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [سورة الجِّن – الآيات 21، 22]، وقال سُبحانه: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سورة الأعراف – الآية 188].
وبهذا تعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مَن دونه مِن المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده. قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأنعام – الآيات 162، 163]. وأن حقه صلى الله عليه وسلم أن تُنزِِله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها وهو أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه.

كتبه: فضيلة الشيخ العَلامة محمد بن صالح العُثَيمين، رحمه الله
من كِتاب: شرح "الثلاثة أصول" للشيخ المُجَدِّد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله.

07‏/01‏/2010

معنى " لا إله إلا الله" ومقتضاها

معنى لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا إلهٌ واحدٌ، وهو الله وحده لا شريك له؛ لأنه المستحق للعبادة، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله من سائر المعبودات ليس بإلهٍ حق وأنه باطل؛ لأنه لا يستحق العبادة .
ولهذا كثيرًا ما يَرِدُ الأمر بعبادة الله مقرونًا بنفْي عبادة ما سواه؛ لأن عبادة الله لا تصح مع إشراك غيره معه، قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [سورة النساء – الآية 36]. وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة – الآية 256]. وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [سورة النحل – الآية 36]. وقال صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد مِن دون الله حرم دمه وماله" رواه مسلم .وكل رسول يقول لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [سورة الأعراف – الآية 59]. إلى غير ذلك من الأدلة.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله: وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد "لا إله إلا الله" يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالاً، ومحبةً وخوفًا ورجاءً، وتوكلاً عليه وسؤالاً منه ودعاءً له، ولا يَصلُح ذلك كله إلا لله عز وجل.
ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش: قولوا لا إله إلا الله، قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [سورة ص – الآية 5]. ففهموا من هذه الكلمة أنها تُبطل عبادة الأصنام كلها، وتحصر العبادة لله وحده، وهم لا يريدون ذلك، فتبين بهذا المعنى أن معنى لا إله إلا الله ومقتضاها إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، فإذا قال العبد "لا إله إلا الله" فقد أعلن وجوب إفراد الله بالعبادة، وبطلان عبادة ما سواه، والقبور والأولياء والصالحين، وبهذا يبطل ما يعتقده عباد القبور اليوم وأشباههم من أن معنى لا إله إلا الله هو الإقرار بأن الله موجود، أو أنه هو الخالق القادر على الاختراع وأشباه ذلك، أو أن معناها لا حاكمية إلا لله. ويظنون أن من اعتقد ذلك وفَسَّر به "لا إله إلا الله" فقد حقق التوحيد المطلق ولو فعل ما فعل من عبادة غير الله والاعتقاد بالأموات، والتقرب إليهم بالذبائح والنذور والطواف بقبورهم والتبرك بتربتهم، وما شعر هؤلاء أن كفار العرب الأولين يشاركونهم في هذا الاعتقاد، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويقِرُّون بذلك وأنهم ما عبدوا غيره إلا لزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى لا أنهم يخلقون ويرزقون. فالحاكمية جزء من معنى لا إله إلا الله وليست هي معناها الحقيقي المطلوب، فلا يكفي الحكم بالشريعة في الحقوق والحدود والخصومات مع وجود الشرك في العبادة.
ولو كان معنى لا إله إلا الله ما زعمه هؤلاء لم يكن بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال لهم: أقِروا بأن الله هو القادر على الاختراع، أو أقِروا أن الله موجود، أو قال لهم: تحاكموا إلى الشريعة في الدماء والأموال والحقوق وسكت عن العبادة، لكن القوم وهم أهل اللسان العربي فهموا أنهم إذا قالوا "لا إله إلا الله" فقد أقروا ببطلان عبادة الأصنام، وأن هذه الكلمة ليست مجرد لفظ لا معنى له، ولهذا نفروا منها وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [سورة ص – الآية 5]. كما قال الله عنهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [سورة الصافات – الآيات 35، 36] .
فعرفوا أن لا إله إلا الله تقتضي ترك عبادة ما سوى الله وإفراد الله بالعبادة، وأنهم لو قالوها واستمروا على عبادة الأصنام لتناقضوا مع أنفسهم وهم يأنفون من التناقض، وعُبَّاد القبور اليوم لا يأنفون من هذا التناقض الشنيع، فهم يقولون لا إله إلا الله، ثم ينقضونها بعبادة الأموات والتقرب إلى الأضرحة بأنواع من العبادات.

كتبه: فضيلة الشيخ د. صالح الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء
مِن كِتاب: معنى لا إله إلا الله.