‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا منهجية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا منهجية. إظهار كافة الرسائل

21‏/04‏/2017

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده،
وبعد،

فإنَّ مِن أكثر القضايا التي اهتم بها القرآن الكريم قضية الاتِّباع، وبيان أحوال الأتباع والمتبوعين.
فقد أمرنا الله سبحانه باتباع الوحي ونبذ كل ما يخالفه مِن الأهواء والمناهج، كما أمرنا الله بالتبرؤ مِن أصحاب تلك المناهج والأهواء. قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [سورة الأعراف – الآية 3]، أي ((لا تتخذوا مَن عَدَلَ عن دين الله ولياً. وكل مَن رضي مذهباً فأهل ذلك المذهب أولياؤه)) [الجامع لأحكام القرآن - القرطبي].
وقد حذرنا القرآن مِن مخالفة الوحي والإعراض عنه، وبَيَّن لنا نتيجة ذلك مِن سوء العاقبة.
ومِن أهم أسباب الإعراض عن الوحي التي ذكرها القرآن الكريم: اتباع الهوى، وتقليد الآباء بغير عِلم، واتباع الكبراء والرؤساء.

اتباع الهوى

مِن أكبر أسباب الإعراض عن الوحي اتباعُ الهوى، وهو ظلم كبير وطريق الضلال والخسران. قال تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [سورة الروم – الآية 29]، أي ((لم يعقلوا الآيات، بل اتبعوا أهواءهم الزائغة وآراءهم الفاسدة الزائفة.. جاهلين بأنهم على ضلالة)) [فتح القدير - الشوكاني].
وسبيل الرشاد أنْ تكون أهواءنا مُتبِعة للوحي موافقة له. أما أهواء القوم الظالمين فقد فارقت الحق – الذي هو الوحي - وخالفته {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [سورة المؤمنون – الآية 71].

تقليد الآباء بغير عِلم

وقد ذمَّ القرآن الكريم في أكثر مِن موضع اتباع الموروثات وتقليد الآباء بغير هدى، وتفضيل ذلك على اتباع الوحي ولو كانت تلك الموروثات سبيل الشيطان وطريقه إلى جهنم والعياذ بالله. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [سورة لقمان – الآية 21]، فأولئك الضالون حين أعرضوا عن الوحي ((لم يكن لهم حُجة إلا اتباع الآباء الأقدمين)) [تفسير القرآن العظيم – ابن كثير]، وهي حُجة ضعيفة واهية لن تنفعهم يوم القيامة. ((وما أقبح التقليد، وأكثر ضرره على صاحبه، وأوخم عاقبته، وأشأم عائدته على مَن وقع فيه. فإنَّ الداعي إلى ما أنزل الله على رسوله كمَن يريد أنْ يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق فتأبى ذلك وتهافت في نار الحريق وعذاب السعير)) [فتح القدير - الشوكاني].

اتباع الكبراء والرؤساء

ومِن أشد الحجج فساداً، اتخاذ ما أمر به الكبراء والرؤساء ذريعة لمخالفة الوحي، والظن أنَّ تلك الحُجة كافيةً للنجاة يوم القيامة. بل إنَّ هؤلاء الكبراء سيتبرؤون يوم القيامة مِن أتباعهم حين يرون العذاب فيوقنوا أنه لا مفر مِن عاقبة ظلمهم، وسيتمنى الأتباع لو تتاح لهم الفرصة فيرجعوا إلى الدنيا ليتبرؤوا مِن أولئك الكبراء الذين اتبعوهم، فيتخاصمون ويلعن بعضهم بعضاً.
قال الله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [سورة البقرة – الآيات 166،167].
بل حتى لو استكبر الرؤساء وطغوا، فإنَّ ذلك ليس بذريعة لاتِّباعهم في مخالفة هدى الله ووحيه، فإنهم وأتباعهم يوم القيامة مجموعون في عذاب الله، ولن يستطيعوا دفع ذلك العذاب عن أنفسهم ولا عن أتباعهم الذين يقولون لهم: ((هل تدفعون عنا شيئاً مِن عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا)) [تفسير القرآن العظيم – ابن كثير]، قال تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [سورة إبراهيم – الآية 21].
وفي قصة نبي الله موسى عليه السلام وفرعون مِن العِبر والهدايات ما يكفي لتنبيه كل غافل. ولم يختص القرآن فرعون بوصفه بالضلال، بل شمل ذلك قومه الذين اتبعوه، فقال تعالى بعد حكاية غرق فرعون وجنده: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [سورة طه – الآية 79]

فعلى العبد أنْ يُقدِّم اتباع الوحي على ما سواه، ولو خالف ذلك السائد في مجتمعه أو خالف هواه. ويوم القيامة لن ينقذ الظالمين مِن عذاب النار آبائهم وكبرائهم الذين اتبعوهم، بل سيجمعهم الله في جهنم كما اجتمعوا في الدنيا على الإعراض عن الوحي {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [سورة الزخرف – الآية 39].
فسيُسأل كلٌ منا عن عمله، فليُعد كلٌ منا للسؤال جواباً.

اللهم اجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه، واهدنا إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،
والحمد لله رب العالمين.

حاتم الحاجري،
عفا الله عنه.

03‏/10‏/2013

السلفية... منهج أم جماعة؟

تشهد الساحة الإعلامية هذه الأيام هجوماً عنيفاً ومتلاحقاً ضد السلفية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، في ظاهرة ملفتة أثارت انتباه المتابعين عن بدء حلول موسم الهجوم على السلفية، وفي الحقيقة أنَّ الهجوم على السلفية متواصل أبداً لا يتوقف صريره، يشتعل في أوقات ويخفت لهبه في أُخَر، فليس ثَم موسم للطعن في السلفية لأنه غذاء يومي لكثير من الحانقين والخائفين من الخِيار الإسلامي.

هل السلفية منهج، أم جماعة وحزب معيَّن؟
أكثر المشاركين في الحرائق ضد السلفية لا يميزون بين الأمرين؛ لأنَّ لديهم خصومة عميقة مع المنهج الإسلامي عموماً، ومِن ثَم فلا أثر لهذا التمييز لديهم لأنَّ النقد متجه بشكل أساسي إلى المنهج الإسلامي.
السلفية هي منهجٌ في طريق السير على هدي الإسلام؛ فحين تتفاوت الأفهام في تفسير الإسلام ومعرفة أحكامه وتحديد المنهجية الصحيحة فيه تأتي السلفية معتمِدة على منهج السلف الصالح مِن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فهُم خير هذه الأمة، وأزكاها ديناً، وأعلاها مقاماً، وأعمقها فهماً، وأعلمها بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فمَن اجتهد في سلوك طريقهم فهو سلفي أياً ما كانت الجماعة التي ينتمي إليها.
يرتكز قوام السلفية على احترام هذا الجيل الإسلامي الفريد والاقتداء به، وتربية النفس والأجيال على تقديرهم وبيان فضلهم، ليس تنزيهاً لهم عن الخطأ بل استهداء بفهمهم وسيرٌ على خطاهم.
تسير السلفية على خطا هؤلاء الأسلاف في ما أجمعوا عليه، وعلى اتباع منهجيتهم في التلقي ومصادر الاستدلال وكيفيته، وفي مسالك التعبد والأخلاق؛ فهُم أولى الناس بالحق، فلن يخرج الحق عن قولهم إنْ أجمعوا، ولا عن أقوالهم إنْ اختلفوا.
تُعظِّم السلفية مِن شأن النَّص الشرعي – كتاباً وسُنَّةً صحيحة – وتجعله هو الأصل الذي تعتمده وتستهدي به، لا ترُد أي نَص صحيح لذوقٍ أو هوى أو معقول أو مصلحة، ولا تضع أمامه عراقيل القيود والشروط، بل تنقاد إليه وتُسَلِّم له حين يتبين أنه مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فالنَّص هادٍ ودليل تتبعه النفوس، وليس تابعاً ومنقاداً يسير خلف ما تريد النفوس والقراءات المختلفة فيها.
تؤمِن السلفية بشمولية الإسلام، في العبادات والأخلاق والمعاملات وشؤون الحياة كلها، شمولاً يضم الفرد والمجتمع، والحاكم والمحكوم والحُكم، الدنيا والآخرة، المصالح العاجلة والآجلة، رؤية متكاملة لما يسعد المسلم في دينه ودنياه.
تشهر السلفية بوضوح تام ضرورة إخلاص العبادة لله تعالى، وأولوية تطهير النفوس مِن الخرافات والمعتقدات الفاسدة والبِدع المحدثة التي تخالِف ما كان عليه الصحابة وتابعوهم.
هذه هي الأصول العامة للسلفية، فهي منهج ورؤية مَن التزم بها ودعا إليها واجتهد في تحقيقها فهو سلفي أياً ما كان، وعلى أي جماعة سياسية سَلَك، ومَن خالف أصولها خرج عن السلفية.

إذن: ما معنى أنْ تكون السلفية منهجاً لا جماعة؟
1.  أنه ليس ثَم ناطق أو ممثل للسلفية يُعبِّر عن رأيها ومنهجها؛ بحيث يكون مَن خالفه فهو مخالِف للسلفية ومَن وافقه فهو موافق للسلفية، لا يوجد شخص ولا جماعة ولا حزب كذلك؛ فهي منهجية استدلال تحاكِم الأفراد والجماعات ولا تحاكَم هي إلى أحد؛ فليس ثَم جماعة تمثل السلفية وإنما يوجد أفراد وجماعات ينتسبون إلى السلفية ويسعون لتحقيق منهج السلف. فلا يمكن اختزال السلفية في جماعة محددة ولا في قضايا معينة، وهذا ما يفسِّر لك التباين الشديد بين الجماعات المنتسبة إلى السلفية في كثير مِن الوقائع؛ حتى إنك لتجد التعامل مع الأنظمة السياسية المعاصِرة يختلف مِن أقصى اليمين إلى أقصى الشمال في رؤية بعض الجماعات التي تنتمي إلى السلفية، فهذا التنافر التام والاختلاف الجذري يُثبِت أنَّ السلفية ليست جماعة محدد، وإنما منهج ورؤية قد يُحسِن المسلم تطبيقها وقد يسيء فهمها فيقع في الخطأ والانحراف.
2.  أنَّ مجرد الانتساب إلى السلفية لا يكفي لأنْ يكون الشخص سلفياً، وكوْن الشخص لا يتسمى بالسلفية لا يخرجه ذلك عن السلفية؛ لأنها ليست جماعة تقتصر على أفرادها المنتسبين إليها، ويكتفي الشخص بمجرد الانتساب إليها، بل هي منهج ورؤية تقوم على اقتناع بضرورة معرفة وتطبيق منهج الصحابة ومَن جاء بعدهم مِن التابعين لهم بإحسان.
3.  أنَّ وقوع بعض المنتسبين إلى السلفية في بعض الأخطاء لا يجوز أنْ يُنسب إلى السلفية، وإنما تُنسَب الأقوال والأفعال إلى قائلها أو إلى الجماعة التي تقررها، وحينئذٍ فالنقد الإعلامي الذي يوجَّه إلى السلفية بشكلٍ عام هو نقد مأزوم غير موضوعي؛ لأنَّ الناقد يقصد شخصاً معيَّناً أو فئةً نحددة ويتكلم بخِطابٍ عام، ثُم يكرر في كل مرة اعتذاره بأنه لا يقصد الجميع وإنما يقصد البعض، وسبب الخلط نشأ لديه مِن عدم تمييزه مِن كوْن السلفية منهجاً لا جماعة.
4.  أنَّ السلفية لا تعني الاتفاق على المسائل الفقهية الخلافية أو المواقف السياسية المبنية على تقدير المصالح والمفاسد، فاتفاقهم على الأصل الكلي والمنهج العام لا يؤدي بالضرورة إلى اتفاقهم في الفروع والتفاصيل، وقد كان السلف الصالح يختلفون كثيراً في المسائل الفقهية وفي تقديرهم للمصالح والمفاسد، ولم يكن هذا سبباً للطعن في أحد منهم ما دام أنه متمسك بالأصول والمنهج الكلي، بل هذا دليل على ثراء المنهج السلفي وتنوعه.
5.  أنَّ الأخطاء التي يقع فيها الشخص لا تخرجه عن السلفية ما دام أنه ملتزِم بها ومستمسك بأصولها ومجتهد في تطبيقها ومراعاتها في الواقع، اللهم إلا أنْ يخالِف أصلاً كلياً مِن أصول السُّنَّة أو تكثر مخالفته وتطَّرِد في عدد مِن القضايا الجزئية بما يصل حد الانحراف في الأصل الكلي (انظر "الاعتصام" للشاطبي ج3/ص140)، مع أهمية التأكيد على أنَّ هذا حُكم على الوصف لا العين، إذ في الحُكم على أعيان الأشخاص مِن الضوابط ما يقتضي شديد التورع والاحتياط فيه.
6.  وكوْن السلفية منهجاً لا جماعة يعني بداهةً أنَّ المنتسبين للسلفية هُم قِطاع واسع جداً مِن العالم العربي والإسلامي، بل هُم الأصل في عموم المسلمين؛ فالأصل في المسلم أنْ يتَّبع الدليل ويسير خلفه بمنهجية فَهْم الصحابة، ومَن شذَّ عنه فهو المخالِف؛ فالسلفية هي القاعدة والأصل وليس الاستثناء، فمحاولة تقزيمها في جماعة محددة أو اختزالها في قضايا معينة هو جهل مِن بعض الناس أو أسلوب ماكر مِن بعض المنحرفين لمآرب لا تخفى.
7.  وكوْن السلفية منهجاً لا جماعة لا يعني أنَّ كل الاجتهادات والتفسيرات مقبولة ومعتبَرة في المنهج السلفي، فالسلفية منهج له أصوله وثَم مساحة واسعة للاجتهاد في محيطه، فسعة منهجه وثراء مقولاته لا تؤدي إلى النسبية المطلقة وغياب الحدود الفاصلة التي تكشف الاجتهادات المقبولة داخل المنهج السلفي والاجتهادات المخالِفة له.
8.  أنَّ النقد الموجَّه للسلفية يجب أنْ يُفرَّق فيه بين النقد الموجَّه للمنهج السلفي والنقد الموجَّه للجماعات والأفراد المنتسِبين للسلفية، فالثاني نقد مقبول ومعتبَر شريطة أنْ يكون عادلاً وأنْ يكون النقد لأفعال السلفيين لا إلى ذات السلفية، والسلفيون هُم أولى الناس بضرورة الوعي بأهمية الاستفادة مِن نُصح الناس ونقدهم وتقويمهم حتى ولو بَدَر ممن يحمل مواقف عدائية أو بطريقة خاطئة، فيُستفاد مِن نقده ولن يضرهم قصده.

وهل سيتوقف الهجوم على السلفية حين تتميز "منهجاً" لا "جماعة"؟
بالتأكيد لا.
فإنَّ اعتماد المنهج السلفي على "النَّص الشرعي" محوراً مركزياً للانطلاق، وارتباطه بالسلف الصالح في فهم هذا النَّص وتفسيره، يجعله المنهج الصحيح لفهم الإسلام وتطبيقه، وهو ما يجعل النفوس تهفو وتنجذب إليه. فالنفوس المسلمة متعطِشة إلى الرجوع إلى هويتها ودينها وقيمها بفهمه الصحيح، فأكثرية الناس تبحث عما يريده الله وتسأل عن المنهج والمسلك الذي ينجيها في الآخرة، وليسوا مهمومين بمنهجية "التكيف مع الواقع" و"تبرئة الإسلام مِن الشبهات" ومحاولة إقناع المسلمين بـ "صلاحية دينهم لكل زمان ومكان"، فأكثرية المسلمين ليسوا بحاجة إليها كثيراً، وما هي إلا زيادة بصيرة ونور، وهذا الوضوح والعمق هو ما يجعل المنهج السلفي مخيفاً ومرعباً لكثير مِن المنحرفين والزائغين الذين لن تتوقف مراجل الحَنَق في قلوبهم عن الغليان.
المنهج السلفي يُربي في أتباعه خصائص الشموخ والعِزة بالإسلام رسالةً وحضارة، فشتان بين مَن يقرأ النَّص ليعرف مراده ليسير على هديه كما هي خاصية المنهج السلفي، وبين مَن يبحث عن تحقيق مراده مِن خلال النَّص كما هي خاصية كثير مِن المناهج العَلمانية والتلفيقية.
وشتان بين مَن يبحث في النَّص وهو يعتقد أنَّ ثَم معنى شرعياً محدَّدَاً يريده الله، وبين مَن يرى أنَّ الحقائق نسبية وأنه لا وجود لمَن يمتلك الحقيقة المطلقة كما هي حالة التيه التي تعبث بكثير مِن أهل هذا العصر.
وشتان بين مَن يضع منهجاً محدَّداً وأصولاً واضحة في التعامل مع النَّص، وبين مَن يتقلب بين المناهج والأفكار بحسب كل واقعة.
وشتان بين مَن يتخذ الصحابة والتابعين دليلاً بين يديه، وبين مَن يسير خلف فلاسفة وضُلال الشرق والغرب.
إنه منهج يتسم بالوضوح والاطراد، والتناسق والتماسك، وهو ما يجعل أثره عميقاً في نفوس المستمسكين به، ودوره فاعلاً في التأثير على المخالِفين، وهو أيضاً أقدر المناهج على الدفاع عن أحكام الإسلام لأنه لا يُسَلِّم للمخالِف بباطل يتوصلون مِن خلاله للطعن في الإسلام.
إنَّ بعض المنحرفين يوجِّه سهامه إلى السلفية فينتقدها على أُمور هي مِن صميم الإسلام، فهو ينتقد في الظاهر الجماعات السلفية لكنه في الحقيقة يطعن في ذات الإسلام، كمَن ينتقدهم في أصل "الحجاب" أو "التوحيد" أو "الحُكم الإسلامي" فهو في الحقيقة يطعن في الإسلام نفسه وإنْ زعم أنه يقصد الجماعات السلفية، فمِن الخلل ونقص الحكمة أنْ يتعامل بعض الناس مع ظاهرة النقد هذه وكأنها موَجَّهة إلى جماعة محدَّدة، فمِن المهم أنْ يستوعب الشخص الأسباب التي تدعو للنقد وحقيقة النقد حتى يدرِك مِن خلالها هل هو نقد لـ "جماعة" أم طعن في "منهج ورسالة"؟


فهد العجلان،

مِن كتاب: معركة النَّص

27‏/05‏/2013

هذا ملتزم وهذا غير ملتزم!


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:

فإن المسلمين يتفاوتون فيما بينهم في مقدار الاستقامة والصلاح والتمسك بتعاليم دينهم باطنًا وظاهرًا، وعلى ما بينهم من التفاوت العظيم من ارتكاب الموبقات إلى أعلى مراتب الورع؛ إلا أنهم مشتركون في القاعدة الجامعة وهي التوحيد ومطلق الإيمان، وهذا يمنحهم اشتراكًا في الحرمة والحقوق، فـ "كل المسلم على المسلم حرا م: دمه وماله وعرضه"، فلم يفرق صلوات والله وسلامه عليه بين الصالح والفاسق. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بعَضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعَض [التوبة: 34]، وهذا يعم كل من صدق عليه اسم الإيمان.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيهُّا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الحُرُّ بِالحُر وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخْفِيف مِنْ رَبكُمْ وَرَحمَة فَمَنِ اعْتَدَى بعَدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم [البقرة: 432].
فانظر - رعاك الله - كيف جعل القاتل أخًا للمقتول؟
وقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بيَنَهُمَا فَإِنْ بغَتْ إِحْدَاهمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بيَنهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِن اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة فَأَصْلِحُوا بيَنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتقُوا اللهَ لَعَلكُمْ ترُحمُونَ[الحجرات: 9-10].
فهاهو ولاءُ الإسلام وهاهي إخوته تتسع دائرتها حتى تشمل المسلمين جميعًا، محسنَهم ومسيئهم، برهم وفاجرَهم حتى من ارتكب أعظم الموبقات بعد الشرك بالله - وهو القتل -.
إن حقًا على المسلم أن يوالي كل مسلم مهما أسرف على نفسه، وأيًا كان مظهرُه، وأينَما كان بلدُه، وإن كان الولاء يزيد وينقص بسب ما عُلق به من وصف الإيمان كمالًا ونقصانًا. لكن أصل الولاء لم تَضِقْ دائرته إلا عن المشركين والمنافقين.
فليس للمسلم إذن أن يوزع ولاءاته حسَبَ مصالحِه وأهوائه.
وإذا كان المسلمُ ممنوعًا من أن يسع ولاؤه غير المسلمين؛ فمن الخطأ المنكر كذلك أن يحجمَ ولاءَه في دائرة أضيقَ من دائرة الإسلام، فيجعلَه مخصوصًا بطائفة أو بلد أو عِرق أو حزب.

إن أحدَنا ليس بأغيرَ من الله على دينه حتى يَضِيق مطلقُ ولائه عن بعض عصاة المؤمنين، فهذه غَيرة لا تُحمد؛ إذ هي تحجرُ واسعًا وتنفر قريبًا، فلا تزيد هذا العاصي القريب إلا بُعدًا عن الطاعة وإسرافًا.
وهذا باب غير باب هجر أهل المعاصي؛ فإن لذاك فقهًا في التأصيل والتطبيق ليس ذا مجالَه.
وتأمل معي - حفظك الله - قول الله تعالى: ﴿ثُم أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْ هُمْ ظَالِم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد وَمِنْ هُمْ سَابِق بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير[فاطر: 32].
فهاهم المؤمنون كلُّهم مُحسنهم ومسيئهم ومسرفهم ومقتصدهم وأولهم وآخرهم قد أشركهم الله جميعًا في وصف تشريفي يمتازون به على غيرهم، وهو الاصطفاء، فكيف لا يكونون كلُّهم في أصل المحبة والولاء مشتركين؟!
لقد كانت مجتمعات المسلمين ولا تزالُ أمشاجًا مختلطةً، ففيها الظامُ لنفسه، وفيها المقتصدُ، وفيها السابق بالخيرات بإذن الله، وستظلُ كذلك كما هي سُنة الاختلاف.
وهذا التفاوت يعم أعمال القلوب وأعمال الجوارح كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع.
فالأَولى أن يكون هذا التفاوتُ في درجة الصلاح داعيًا إلى التناصحِ، لا إلى التنافرِ والتضاد؛ فإن هذه الأمشاجَ على تفاوتِها في الدرجات تلتقي في قاعدة مشتركة عريضة هي خيرُ وأعظمُ ما يمكن أن يلتقيَ عليه المختلفون، ألا وهي قاعدة الإيمان والتوحيد.
ونحن معنيون أن نبحث عما يُجمع من الأصول، لا أنْ نُفرقَ بالفروع، فذلك يفقدنا خيرًا كثيرًا موجودًا بين الناس.
والقدْرُ المشترك الذي يلتقي فيه المسلمون كلُّهم في هذا المجتمع متمثل في دائرةِ التوحيد وأصول الإيمان العريضة التي لا يمكن أن يندّ عنها فرد من المسلمين مهما أسرفَ على نفسه بالمعاصي؛ لأن الخروج عنها يعني الخروج من دائرة الإيمان إلى دائرةِ الكفر.
وهذا القدر المشترك هو أعظم شيء جاءت به الرسل والأنبياء، والتقت عليه رسالاتهم، وهو أعظمُ الأمور التي يمكن أن نلتقي عليها.
فلماذا لا نجعل هذا القدر المشترك هو الرابطةَ التي يجتمع حولها المسلمون ظالمهم ومقتصدُهم وسابقُهم، يأتلفون عليها ويتحابون في ظِلالها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُذكرُ بهذا القدْرِ المشتركِ كلما بدتْ بين المسلمين نُفرة أو ظهرت منهم على أحد غِلظة أو جفوة.
خرَّج الشيخان عن عِتبان بن مالك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، فلم أستطع أن آتي مسجدهم فأصليَ لهم، ووددت يا رسول الله أن تأتيَني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، فأتى رسول الله فقال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟" فأشرت إلى ناحية من البيت، فصلى، وآب إلى البيت رجال من أهل الدار، فقال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخْشُنِ؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، ود بعضُهم أن النبي دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟!" فقالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه، فقال: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخلَ النار أو تطعمه".
وفي صحيح البخاري عن عمر أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب الخمر، فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجلدُه، فأُتي به يومًا فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال: "لا تلعنوه؛ فوالله ما علمتُ إلا أنه يحب الله ورسوله".
فهذا الذي ذكَّر به النبيُ صلى الله عليه وسلم من حال ذلك الرجل لم يكن شيئًا متميزًا يبز به أقرانه، بل فيهم - قطعًا - من هو أولى منه بهذا الوصف، وإنما ذكَّر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك القدر المشترك الذي يجمعهم به في رباط واحد ووشيجة واحدة، ألا وهو محبةُ الله ورسوله.
على أن المتأمل يلحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقَل هذا الكلام والرجلُ يقارف المعصية، فذلك مدعاة إلى أن يحتقر تلك المعصية ويفرطَ في التوبة، ولكن قالها بعد أن كفر عن ذنبه بالحد؛ ليشعره ويشعرهم أن قلبه لا يزال طيب الغراس حسن المنبت، وفي الإمكان أن يكون خيرًا مما كان.

وهكذا الظالم لنفسه من أهل الإيمان يكون فيه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره، فالشخص الواحد قد تجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب وهذا قول أصحاب رسول الله وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة كثير.
وأما الوعيدية القائلون بالتخليد كالخوارج أو المعتزلة القائلين إنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة وإنه لا شفاعة للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لغيره في أهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعدها؛ فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب وحسنات وسيئات بل من أثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب.

إن تحجيمَ الولاء في دائرة ضيقة تحكمُها بعضُ سمات الصلاح الظاهر يُفضي إلى تشطير المجتمع إلى فئاتٍ متنافرة، أو على أقل تقدير: غيرِ متعاونة، تتسع بينها الفجوةُ والجفوة، وتصبح كأننها لا تلتقي على شيء.
فالواجب أن توضع هذه السماتُ الظاهرة حيث وضعها الشرع بلا تهويل ولا استهانة، والذي يعني أنها شعيرة من الشعائر، لا شارة كمال تُضفي على صاحبها الصلاحَ المطلق، ولا أن تُجعلَ أصلاً من أصول الإسلام يكون فرقانًا بين الولاء والبراء والمحبة والبغض. ومتى أُعطِيَتْ أكثر من ذلك تواردتْ عليها اللوازمُ الباطلة، من إطلاق الصلاح بإطلاق، أو نفيِه بإطلاق.
وينبغي أن يفطنَ إلى أن وجود بعضِ سمات الصلاح الظاهر لا يدل على كمالِ صلاحِ الباطن بالضرورة، وعدم وجودها لا يدل بالضرورة على كمال فساد الباطن، فلماذا يجعلها بعضُنا حَكَمًا يفرض عليه طريقةَ التعامل ويصرف العلاقات؟!
وكيف يُعول على أمر لا يدل إلا على نفسه؟!
وقد قال العليم الخبير تبارك وتعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتهُمْ تعُجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يقَولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنهُمْ خُشُب مُسَندَة [المنافقون: 4].
واستفاض في الصحاح والسنن وغيرها من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الخوارج فقال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد".

إنك قد تفتقدُ في بعض الناس بعضَ السمات الظاهرة للصلاح، لكننك لا تفتقد فيه معالم أخرى للصلاح؛ كطيبة القلب وعِفة اللسان وسلامة الفكر ولين الجانب وسخاء اليد في المعروف والحرص على الصلاة والتذمُّمَ للناس وأداء حقوقِهم، فهل تلغَى هذه المعالم العظيمة للصلاح لأجل افتقاد شيرء من السمات الظاهرة للصلاح؟!
لابد أن يصحح مفهوم التدينن لدى الناس، حتى يدركوا أن وصفَ التدين لا تحتكرُه سمات خاصة بالمظهر تمنحُ هذا اللقب كل من قامت به وتخلعُه عن غيره، وأن هذا الوصف الجليل لا يختص بطائفة تتميز بمظهرها فقط.
إن مفهوم التدين الذي ينبغي أن ننصاع إليه وتتنزن بها النظرة هو غلبةُ خيرِ الإنسان مع تحقيق أصول الإسلام وأركانِه، فإذا تحقق فيه ذلك كان أهلاً أن يضفَى عليه هذا الوصف الممدوح. والناس بعدُ متفاوتون في درجات الكمال "ولكل درجات مما عملوا".
ونحن نقصد من تصحيح مفهوم التدين إلى أن نزيلَ النفرة التي قد تبدو من بعض الناس تُجاه آخرين، ولأجل أن نبطلَ طريقة التمييزِ الخاطئة، والتي تعول على أول نظرة للظاهر دون سبر للأخلاق والفكر والمشاعر.
وإلا فقل لي بربك: إذا كان من أعفى لحيته وقصر ثوبه يوسم بالالتزام والتدين- عند طائفة - ولو كان مقصرًا فيما هو من أعظم الحقوق كحق الوالدين والأرحام والزوجة ونحوها، أفلا يكون من قام بهذهالحقوق أحق بهذه السمة من صاحبه ولو حلق لحيته وأسبل ثوبه؟!
فماذا لو أضيف إلى ذلك حسن الخلق وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالوعد وطلاقة الوجه وسلامة الصدر ... فلو كان هذا غيرَ مستحق لوصف التدين فالأول كذلك بل أولى.
إننا أضحينا نئن من سوء أخلاق ومعشر بعض هؤلاء الموسومين بالتدين بلا بينة ولا برهان إلا بعض سمات الظاهر.
في وقت نرى بعضًا ممن تفتقد فيه بعض هذه السمات محققًا لأصول الإسلام، حسنَ الأخلاق كريمَ السجايا.
أفيقاس النفع المتعدي بالقاصر؟!
وماذا تستفيد الزوجة مثلًا من زوج صوام قوام لكنه بخيل غليظ جاف سيء المعشر؟
وهل هو أنفع لها ممن يؤدي الفرائض ولايزيد ثم هو يكرمها ويعاشرها بالمعروف؟!
وقل مثل ذلك في الأصحاب والخلان، وفي الوظائف والتجارات...
إن اختزال وصف التدين في الظواهر - مع أهميتها - بات خطئًا كبيرًا، فكيف ببعض الظواهر؟!
بل كيف بما يدخله التأويل ويسوغ فيه الخلاف منها؟!

وليعلم أن تصحيح مفهوم التدين وتوسيع دائرته يجعلنا جميعًا مسؤولين أمام كل هجمة تُراد بها عقيدتنا ومناهجنا وتديننا بعامة.
إن الأقلام الليبرالية والعلمانية المسمومة ما فتئت تساوم على ما بقي من القيم لدى مجتمعاتنا، وقد اجترأتْ على لمز الدين والطعن في مناهج الدعوة والنيل من أعلام الأمة، فتوجهت في خطابها إلى فئة مخصوصة قصدتهم قصدًا؛ لتجعل منهم مطيةً إلى تلك الغايات الدنيئة، وأطلقت عليهم وصفَ (الإسلاميين)، لتجعل باقي المجتمع في وضع الحياد معها، وكأننا في مجتمع ملحد مرجعيته لغير الإسلام.
مع أن القضية في المرجعية غير القضية في العمل لأنها في المرجعية قضية إيمان وكفر ولا ثالث لهما، ﴿يَا أَيهُّا الذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تؤُمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْر وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[النساء: 59 ], ﴿أَلمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يزَعُمُونَ أَنهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يتَحَاكَمُوا إِلَى الطاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشيْطَانُ أَنْ يُضِلهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لهَمُ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا[النساء: 60-61]، ﴿فَلَا وَرَبكَ لَا يؤُمِنُونَ حَتى يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بيَنَهُمْ ثُم لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِما قَضَيْتَ وَيُسَلمُوا تَسْلِيمًا[النساء: 65].

أما في العمل فثَم العاصي والمسرف على نفسه، وثَم التقي الورع.
وهؤلاء الخبثاء من أعداء الإسلام يريدون من خلال هذه التسميات ومن خلال توجُّهِ نقدهم ولمزهم إلى فئة مخصوصة يريدون أن يجعلوا باقي فئات المجتمع بمعزل عن المواجهة والمسؤولية في دفع هذه الحملة المغرِضة.
وهم خاطئون عن عمد وخبث بهذا الإطلاق، ويخطئ معهم من يفهم أن الإسلاميين فئة لها سمات معينة هي المعنية بهذه الهجمة، ويظل غيرهُم في مأمن من الفتنة.
إن هذا القدر المشترك بيننا من أصول التوحيد وأركان الإيمان يُحملنا جميعًا مسؤولية الدفاعِ عن هذا الدين والذب عن منهج المصطفى.
فكل مسلم تَحاكُمُه إلى الله ورسوله ومرجعيتُه الكتاب والسنة فهو إسلامي وليس ثم مسلم إلا كذلك ومن سواه فليس من المسلمين.

ثم إذا كان ظاهر الإنسان لا يدل على باطنه ولا على فكره ولا أخلاقه بإطلاق، فمن باب أولى أن لا يدل على باطن غيره وفكره وأخلاقه، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يؤخذ أحد بجريرة غيره، إنما من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها.
وقد نرى شخصًا واقعًا في فاحشة أو مرتكبًا لكبيرة موبقة، وقد تفتقد فيه بعض سمات الصلاح الظاهر، فهل يعني هذا لزامًا أن يكون كل من شاكله في الظاهر مشاكلاً له في السلوك والفكر والباطن؟!
كلا، ولا أظن عاقلاً يرى غير هذا. فإذا كان هذا فكذلك الأمر بالعكس، إذا رأينا شخصًا قد وقع في موبقة أو غلو وعليه شيء من سمات الصلاح الظاهر، فهذا لا يعني أن كل من شاكله في هذا الظاهر مشاكِل له في الفكر والسلوك والباطن.
وعلى هذا لا يجوز أن تُجعل بعضُ السمات ميسمًا يُعرف به الإرهاب والغلو، لا سيما إذا كانت سنةً ثابتةً عن المصطفى .

وأخيرًا، فكل شعيرة من شعائر الإسلام صغيرةً كانت أو كبيرةً هي جزء من هذا الدين من أتى بها فهو أكمل من غيره في هذه الجزئية بعينها ولا يلزم من ذلك التفضيل المطلق.
ثم لا يجوز لأحد التحقير من شأن شعيرة ولا الاستهزاء بها، ولا الاستهانة بقدرها، ولا السخرية من أصحابها، فإن الاستهزاء بشعيرة من شعائر الإسلام كفر مخرج من الملة، ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بعَدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وأما الاستهزاء بمن قامت فيه تلك الشعيرة فهو سخرية بإنسان محفوظ الكرامة والعرض في الإسلام، وقد قال جل ذكره: ﴿يَا أَيهُّا الذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوم مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاء مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُن خَيْرًا مِنْهُن وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابزَوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بعَدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لمْ يتَبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظالِمُونَ[الحجرات: 11]،
وقال صلوات الله وسلامه عليه: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

وبعد:
فهذا المقال يهدف إلى تصحيح المفاهيم، ومراجعة بعض التوجهات والأفكار غير المنضبطة، ليتحقق التعاون على البر والتقوى، ويسود بين عباد الله التكامل ويتآكل التآكل.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


محمد الأزهري الحنبلي
مجلة "حُراس الشريعة" – العدد الأول
جمادى الأولى 1434هـ

09‏/05‏/2013

حُكم الشيء حُكم مثله


وقد استقرت شريعته سبحانه أنَّ حُكم الشيء حُكم مثله، فلا تُفَرِّق شريعته بين متماثلَيْن أبداً ولا تجمع بين متضادَّيْن، ومَن ظنَّ خلاف ذلك فإما لقِلة علمه بالشريعة، وإما لتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف، وإما لنسبته إلى شريعته ما لم يُنَزِّل به سلطاناً، بل يكون مِن آراء الرجال. فبحكمته وعدله ظهر خلقُه وشرعُه، وبالعدل والميزان قام الخلقُ والشرعُ، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين.

وهذا كما هو ثابتٌ في الدنيا فهو كذلك يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصَّافات – الآيات 22، 23]، قال عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعده الإمام أحمد رحمه الله: "أزواجهم" أشباهُهم ونظراؤهم.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [سورة التَّكوِير – الآية 7]، أي قُرِن كُل صاحب عمل بشكله ونظيره، فقُرِن بين المتحابين في الله في الجَنَّة، وقُرِن بين المتحابين في الشيطان في الجحيم، فالمرء مع مَن أحب شاء أو أبى، وفي مُستَدرك الحاكِم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((لا يُحِب المرءُ قَوْماً إلا حُشِرَ معهم)).


كتبه: ابن قَيِّم الجَّوْزِية،
مِن كتاب "زاد المعاد في هَدْي خَيْر العِباد" [ج4/ص269/270] (الطبعة 26: 1412هـ/1992م) – مؤسسة الرسالة.

17‏/04‏/2013

مِن أسرار الدُّعاء


وكثيراً ما نجد أدعيةً دعا بها قومٌ فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورةُ صاحبه وإقباله على الله، أو حسنةٌ تقدَّمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكراً لحسنته، أو صادفت وقت إجابة، ونحو ذلك فأُجيبت دعوتُه، فيظن الظان أنَّ السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجرداً عن تلك الأمور التي قارنته مِن ذلك الداعي.

وهذا كما إذا استعمل رجلٌ دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به، فظن غيره أنَّ استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ في حصول المطلوب، فإنه يكون بذلك غالطاً.

وهذا موضعٌ يغلط فيه كثيرٌ مِن الناس.

ومِن هذا أنه قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبرٍ فيُجاب، فيظن الجاهل أنَّ السر للقبر. ولم يعلم أنَّ السر للاضطرار وصدق اللجإ ِ إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت مِن بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله.


ابن قَيِّمُ الجوزية
مِن كتاب: الدَّاء والدَّواء

29‏/09‏/2012

دعوة الرسل وموقف أعدائها منهم


مع أنَّ الكافرين المكذِّبين لرسلهم لم يجمعهم زمان واحد أو مكان واحد ولم يكن هناك اتصال بينهم حتى يوصي بعضُهم بعضاً، ومع ذلك تَوَحَّد موقفُهم، والذي وَحَّد موقفَهم مِن المرسلين إنما هو الكفر والطغيان الذي جعلهم يقفون مِن رسل الله صلى الله عليهم وسلم موقفاً واحداً.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [سورة الذاريات – الآيات 52، و53].

فالرسل جاءوا بخلاف ما أَلِفَ الناس واعتادوا، ففريقٌ مِن الناس عَبَّدوا الناسَ لأنفسهم وأذلوهم وظلموهم، فجاء الرسل عليهم السلام ليُعَبِّدوا البشر لله وحده وليُخرِجوا الناس مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقال كل رسولٍ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف – الآية 59].
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النحل – الآية 36].
جاء الرسل عليهم السلام ليقرروا مبدأ المساواة بين البشر جميعاً، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالكل عبيدٌ لله تعالى والله فوق الجميع، فكان مِن الطبيعي أنْ يثور أولئك السادة الذين استعبدوا الناس وأذلوهم، لأنَّ الرسل أرادوا أنْ يسلبوهم هذا الحق الذي يرونه لأنفسهم.
فوقفوا يدافعون عن مكانتهم وعادوا المرسلين حتى وصل بهم العداء إلى أنْ قتلوا الرسل، وسارع المستضعفون إلى دين الله تعالى لأنهم رأوا الحق واضحاً جلياً، ووجدوا فيما جاء به الرسل حلاً لمشاكلهم، ولم يكن هناك مانع يمنعهم مِن الدخول في دين الله تعالى كما كان حال السادة.

جاء الرسل بالتكاليف الشرعية لتنظيم حياة الناس، والإنسان بطبيعته يريد أنْ يتحرر مِن القيود والتكاليف ظناً منه أنَّ اتباعه لما تهوى نفسه يحقق له اللذة والسعادة في الدنيا، وأنَّ هذه القيود أو التكاليف الشرعية تحول بينه وبين السعادة الدنيوية وتُفَوِّت عليه منافع مادية كثيرة.
لذلك وقف أصحاب الأهواء –الذين لا يستطيعون السيطرة على شهواتهم وأهوائهم- موقف العداء مِن الرسل، لأنَّ الرسل يريدون أنْ يُفَوِّتوا عليهم بعض ما يشتهون، يريدون أنْ يقيدوا حركة حياتهم لمصلحتهم ومصلحة المجتمع مِن حولهم، لا فائدة تعود على الله تعالى فطاعة العباد لله تعالى لا تحقق لله تعالى كمالاً ولا تدفع عن الله تعالى نقصاً فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال جميعها ومُنَزَّه عن صفات النقص جميعها.

قال تعالى –حاكياً موقف الناس مِن الرسل جميعاً وأنهم توعدوهم بالقتل والإخراج والتعذيب والرجم إلى غير ذلك-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة إبراهيم – الآية 13].
وقال تعالى –مواسياً رسوله صلى الله عليه وسلم مبيناً له موقف الكافرين مِن المرسلين على مر العصور، وأنه ليس بدعاً مِن الرسل، فكما صبر أولئك الرسل على تكذيب أقوامهم وإيذائهم فعليك يا محمد –وأنت أفضل المرسلين- أنْ تصبر أيضاً على ما تتعرض له مِن تكذيب وإيذاء- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾[سورة الأنعام – الآية 34].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف – الآية 35].
إلى غير ذلك مِن الآيات التي بَيَّن الله تعالى فيها موقف الكافرين مِن رسلهم، وأنهم لم يكتفوا بالإعراض بل وقفوا منهم موقف العداء والإيذاء والتهديد بالضرب والرجم والإخراج، بل وقَتْل بعضهم.

كتبه: أ.د. الخشوعي الخشوعي محمد الخشوعي،
أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر