‏إظهار الرسائل ذات التسميات مُناسبات دَوريَة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مُناسبات دَوريَة. إظهار كافة الرسائل

23‏/01‏/2013

الاحتفال بالموالد .. شبهات وردود

إنَّ مما اهتمت به الصوفية منذ قرون إقامة الموالد التي لم يعرفها السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان . ورغم ما يدعيه أربابها من محاسن لها؛ فقد كان لها من المساوئ وترتَّب عليها من المفاسد ما دفع الاستعمار ووكلاءه وكل عدو متربِّص بنبع الإسلام الصافي؛ إلى أن يحرص على تشجيعها؛ بل يشارك رموز الصوفية في حضورها؛ لذا من المفيد هنا تفنيد أقوى شبهاتهم التي يظنونها أدلة على مشروعية الاحتفال بتلك الموالد؛ حتى لا يغترَّ بها من تطْرُق سمعه .


الشبهة الأولى: أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوماً - يعني: عاشوراء - فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجَّى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصام موسى شكراً لله، فقال: « أنا أَوْلى بموسى منهم »، فصامه وأمر بصيامه [أخرجه البخاري في كتاب : أحاديث الأنبياء، باب : قول الله - تعالى - : { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } (طه : 9)، { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } (النساء : 164)، رقم (3397) من المطبوع مع شرحه فتح الباري]، فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة .
والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، ولا شك أن مولد النبي والولي من النِّعَم العظيمة التي تستحق الشكر والاحتفال.

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه :

الوجه الأول: أصل عمل المولد بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذ لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه، وصححه الألباني] .

الوجه الثاني: أن تخريج عمل المولد على حديث صوم عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين ما بيَّنَّاه من أنه بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة؛ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنصِّ على الوجه الذي يفهمه منه مَنْ بعدَهم؛ يمنع عدَّ ذلك الفهم صحيحاً؛ إذ لو كان صحيحاً فلِمَ يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه مَنْ بعدَهم؟ كما يمنع عدَّ ذلك النص دليلاً عليه؛ أنه لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح؛ فالاستنباط المذكور مخالف لما أجمع عليه السلف: من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به؛ وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يُجمِعون إلا على هدًى .
وقد بسط الشاطبي - رحمه الله - الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه :
الموافقات في أصول الأحكام [يراجع : الموافقات (3/41-44)، والمسألة الثانية عشرة من كتاب «الأدلة الشرعية»].

الوجه الثالث: أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتِّباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع .
فصيام يوم عاشوراء قد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورغَّب فيه، بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيداً؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبيَّن ذلك لأمته؛ لأنَّهُ ما من خير إلا قد دلَّهم عليه - صلى الله عليه وسلم - ورغَّبهم فيه، وما من شر إلا قد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذَّرهم منه .

الوجه الرابع: إذا كان المراد من إقامة المولد شكر الله - تعالى - على نعمة ولادة النبي أو الولي؛ فإن المعقول والمنقول يحتِّمان أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربَّه به؛ كالصوم، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذَّة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك الطعام والشراب؛ فتعارض الغرضان، فآثروا ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزَّلل عند أهل البصيرة .
بل إن الموالد في كثير من الأحيان تكون ذريعة للفسق لا للشكر .
يقول السيد رشيد رضا في المنار ( 2/74-76 ) : « فالموالد أسواق الفسوق فيها خيام للعواهر، وخانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل، يقصد بها إضحاك الناس » .
أفلا يكفي الأمةَ ما كفى نبيَّها ويسعها ما وسعه ؟ وهل يقدر عاقل أن يقول : لا .
إذن لِمَ الافتيات على الشارع، والتقدم بالزيادة عليه، والله - سبحانه وتعالى - يقول : { وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ( الحشر : 7 )، ويقول - تعالى - : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( الحجرات : 1 ) .


الشبهة الثانية: الاستدلال بما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : «خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصل الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه ! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون .
يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله» [أخرجه البخاري في كتاب : التراويح، باب : فضل من قام رمضان، رقم (2010) من المطبوع مع شرحه فتح الباري] .
فيستدل المخالف بقول عمر - رضي الله عنه - : « نِعْمَ البدعة هذه » على ما يستحدثه المبتدعة .

وللإجابة عن هذه الشبهة نقول: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال هذه الكلمة حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، وصلاة التراويح وفعلُها جماعةً ليس بدعة في الشريعة؛ بل هو سنة بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله لها في الجماعة، فقد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثاً .
فعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال : « صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبعٌ من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله ! لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه، قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة »، ثم لم يصلِّ بنا ولم يقم، حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه، حتى تخوَّفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور» [أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وصححه الألباني] .
وبهذا الحديث احتجَّ أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد .
وفي قوله هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام، وذلك أَوْكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعاتٍ في المسجد على عهده - صلى الله عليه وسلم - وهو يُقِرُّهم، وإقراره سنة منه - صلى الله عليه وسلم - .
وفي قوله في رواية البخاري آنفاً : « ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط » ما يدل على أن من الصحابة - رضي الله عنهم - من كانوا يصلون التراويح جماعة في عهد عمر - رضي الله عنه - قبل أن يجمعهم كلهم على إمام واحد .
إذا عُلم ما تقدَّم؛ فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر – رضي الله عنه - وإنما أراد - رضي الله عنه - بقوله المذكور البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تُستخدم إلا في موضع الذم بخلاف اللغة؛ فإن كل ما أُحدِث على غير مثال سابق بدعة؛ سواء أكان محموداً أم مذموماً .
وعلى هذا حمل العلماء قول عمر رضي الله عنه؛ فقد قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير الآية ( 17 ) من سورة البقرة ما نصه: ( والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - : « فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة »، وتارة تكون بدعة لغوية؛ كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن جَمْعِه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: « نعْمَتِ البدعةُ هذه ! » ) .
وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( فإذا كان نص رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قد دلَّ على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقاً ولم يُعمَل به إلا بعد موته؛ ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإذا عُمل ذلك العمل بعد موته؛ صحَّ أن يسمَّى بدعة في اللغة؛ لأنه عَمَلٌ مبتدأ، كما أن الدين نفسه الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمَّى بدعة ويسمَّى محدثاً في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين إلى الحبشة : « إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين محدَث لا يُعرَف » .
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمِّي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلِم أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « كل بدعة ضلالة » لم يُرِد به كل عملٍ مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد : ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو - صلى الله عليه وسلم - .
وإذا كان كذلك فالصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يصلون قيام رمضان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعةً وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة أو الرابعة لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [يقصد ما أخرجه البخاري، في باب : ما يكره من كثرة السؤال، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ليالي، حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال : «ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس ! في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»]، فعلَّل - صلى الله عليه وسلم - عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم .
فلما كان في عهد عمر - رضي الله عنه - جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج - عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمِّي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمَّى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوفُ الافتراضِ، وخوفُ الافتراض قد زال بموته - صلى الله عليه وسلم – فانتفى المعارض [اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/592-593)] ) ا . هـ .


الشبهة الثالثة: ومن الشُّبَه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم : إن التذكير بالمولد مطلوب بأمر القرآن، قال - تعالى - : { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } ( إبراهيم : 5 ) .

الجواب عن هذه الشبهة: إن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد من قبيل حمل كلام الله - تعالى - على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به، وهذا أمرٌ لا يليق؛ فإن كبار المفسِّرين قد فسَّرُوا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالتذكير بأيام الله في هذه الآية الاحتفال بمولد النبي أو الولي، وإنما المقصود بالتذكير بأيام الله : الوعظ بنِعَمه ونِقَمه؛ فعن أُبَيِّ بن كعب - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إنه بينما موسى - عليه السلام - في قومه يذكِّرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه، إذ قال : ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً وأعلم مني »، قال : « فأوحى الله إليه : إني أعلم بالخير منه أو عند من هو .... » الحديث [أخرجه مسلم في صحيحه، باب: من فضائل الخضر عليه السلام] .
قال القرطبي في تفسيره : ( قوله - تعالى - : { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } أي : قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى .
قال ابن عباس و مجاهد و قتادة : بنِعَم الله عليهم، وقاله أُبَيُّ بن كعب ورواه مرفوعاً، أي : بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النِّعَم، وقد تُسمَّى النِّعَم الأيام، ومنه : قول عمرو بن كلثوم :وأيام لنا غر طوال .....................
وعن ابن عباس أيضاً ومقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال : فلان عالم بأيام العرب، أي : بوقائعها .
قال ابن زيد : يعني : الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية، وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال : بلاؤه .
وقال الطبري : وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم، أي : بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، وقد كانوا عبيداً مستذَلين، واكتفى بذكر الأيام عنه؛ لأنها كانت معلومة عندهم ) ا . هـ [تفسير القرطبي (9/342)] .


الشبهة الرابعة: قولهم : الترك لا يقتضي التحريم .
وينسبون مثل هذا الكلام إلى الأصوليين، بل يبالغ بعضهم ويغلو عندما يزعم أنه إجماع .

ويُقال في ردِّ هذه الشبهة : نعم ! الأصوليون لم يجعلوا الترك من أنواع التحريم؛ فالتحريم يكون بالنص ونحوه مما يدل على التحريم، لكن هنا فرق لا بد من التنبُّه له هو سبب هذا الإشكال : كلام الأصوليين إنما هو في العادات لا في العبادات ..
فالأصل في العادات الإباحة، والترك في باب العادات لا يدل على التحريم؛ فمثلاً : النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الضبَّ؛ فهل هذا يدل على تحريمه ؟ الجواب : لا؛ لأن الترك لا يدل على التحريم، هذا في باب العادات، وهكذا فالأصل في كل شيء من المنافع الدنيوية الإباحة، إلا إذا ورد ما يمنع، وهذا من التوسيع والرحمة .
وأما العبادات فالأصل فيها التحريم إلا إذا ورد الإذن، وعلى ذلك فما تركه
الشارع فهو محرم؛ إذ لو كان مشروعاً لفعل، فالترك دل على عدم المشروعية، فكل ما نوقعه من عبادات: من صلاة وصيام وحج وزكاة كلها لم يكن لنا القيام بها لولا إذن الشارع، وهذا هو مقتضى التسليم وعدم التقدُّم بين يدي الله ورسوله .
ولو كان لكل إنسان الحق أن يخترع عبادة كيفما شاء لم يكن من داعٍ لإرسال الرسول لتبليغ رسالة الرب إلى الخلق، بل يُترَك لكل قوم وكل إنسان أن يخترع ما شاء من العبادات، وهذا باطل .
والدليل على أن الأصل في العبادات المنع قوله - صلى الله عليه وسلم - :
« إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة »، وعلى ذلك يَرِدُ السؤال: هل المولد من باب العبادات أو من باب العادات؟ لننظر فيما يكون في الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يراه صالحوهم، إنه اجتماع لتلاوة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع إنشاد المدائح النبوية بأصوات ملحنة، ثم تقام الولائم لأجل ذلك، وهم يفعلون ذلك في كل عام مرة على الأقل في تاريخ محدد، وهذا بلا ريب عبادة محضة، والأدلة على ذلك :
أولاً: من حيث إنهم يتخذون ذلك اليوم عيداً، والعيد هو ما يُعتاد مجيئه في كل زمن؛ فالجمعة عيد؛ لأنه كل أسبوع، والفطر والأضحى عيدان؛ لأنهما يعودان كل عام، وعلى ذلك قِسِ المولد، فهو يُحتفَل به كل عام، وهذا تشريع واتخاذٌ ليومٍ لم يأذن به الشارع أن يكون عيداً، ونحن نعلم أن المسلمين ليس لهم إلا عيدان يحتفلون بهما: الفطر والأضحى، ولا يجوز لهم أن يتخذوا عيداً ثالثاً .
والحاصل في المولد أنه صار - بتكراره السنوي - عيداً يُحتفل به، أي : صار عيداً ثالثاً في الإسلام، وهذه هي الضلالة .
ثانياً: أن المولد ذِكْر، والذِّكْر عبادة .
ثالثاً: أن أهل الموالد يقصدون التقرُّب إلى الله - تعالى - بما يفعلون، والتقرُّب عبادة .
إذاً؛ الموالد عبادة وليست عادة، فتدخل في باب : ( الأصل في العبادات المنع إلا بنصٍّ )، ولا تدخل في باب: ( الأصل في العادات الإباحة إلا بنصٍّ ) .
ومن ثَمَّ لا يجوز الاحتجاج بقاعدة: ( الترك لا يقتضي التحريم )؛ إذ إن هذه القاعدة يُعمَل بها في العادات لا في العبادات .
إن دعوى أن ( الترك لا يقتضي التحريم ) هكذا بإطلاق تصادِم النصَّ النبويَّ: « إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة »؛ فيصبح هذا النص لا معنى له إذا عُمِل بتلك الدعوى على إطلاقها دون التفصيل المذكور .
ودائماً ما يخلط دُعاة الاحتفال بالمولد بين البدعة والمصلحة المرسلة .
والضابط الذي تتميَّز به المصلحة المرسلة من البدع المحدثة هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في « اقتضاء الصراط المستقيم » ( 2/594 ): ( والضابط في هذا - والله أعلم - أن يقال : إن الناس لا يحدثون شيئاً إلا لأنهم يرونه مصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين .
فما رآه الناس مصلحةً؛ نُظِرَ في السبب المُحْوِج إليه: فإن كان السبب المُحْوِج إليه أمراً حدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعارضٍ زال بموته .
وأما ما لم يحدث سبب مُحْوِج إليه، أو كان السبب المُحْوِج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث؛ فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موجوداً، لو كان مصلحة ولم يُفْعَل؛ يُعْلم أنه ليس بمصلحةٍ . وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحةً ... ) ا . هـ .
وخلاصةُ القول: إن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمرٍ ضروري أو رفع حرجٍ لازم في الدين، وليست البدع عند من يدَّعيها هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرُّب إلى الله، وإن لم يكن هناك حاجة إلى إحداث ذلك الفعل .

إن دعاة الاحتفال بالمولد يَعرِضون هذه القضية على أنها خصومة مع نبي الله وأولياء الله، ولا شك أن عرض القضية على هذا النحو هو من أعظم التلبيس وأكبر الغش لجمهور الناس وعامة المسلمين، فالقضية ليست على هذا النحو بتاتاً؛ فالذين لا يرون جواز الاحتفال بالمولد خوفاً من الابتداع في الدين هم أسعد الناس حظاً بمحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته ومحبة أولياء الله الذين ما نالوا تلك الولاية إلا بمحبتهم واتِّباعهم له - صلى الله عليه وسلم -، وهم أكثر الناس تمسُّكاً بسُنَّته، واقتفاءً لآثاره، وتتبُّعاً لحركاته وسكناته، واقتداء به في كل أعماله - صلى الله عليه وسلم -، وهم كذلك أعلم الناس بسنته وهديه ودينه الذي أُرسل به، وأحفظ الناس لحديثه، وأعرف الناس بما صحَّ عنه وما افتراه الكذابون عليه، ومن أجل ذلك هم الذابُّون عن سنته، والمدافعون في كل عصر عن دينه وملَّته وشريعته .
بل إن رفضهم للاحتفال بالمولد وجعله عيداً إنما ينبع من محبتهم وطاعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهم لا يريدون مخالفة أمره، ولا الافتئات عليه، ولا الاستدراك على شريعته؛ لأنهم يعلمون جازمين أن إضافة أي شيء إلى الدين إنما هو استدراك على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن معنى ذلك : أنه لم يكمل الدين، ولم يُبَلِّغ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كل ما أنزل الله إليه، أو أنه استحيا أن يُبْلِغ الناس بمكانته ومنزلته وما ينبغي له، وهذا أيضاً نقص فيه، حاشاه - صلى الله عليه وسلم - ذلك .



خالد عقدة
مجلة البيان ـ العدد [257] صــ 38 المحرم 1430 - يناير 2009

13‏/02‏/2012

بدعة عيد الحب : نظرة تاريخية



فالنتاين الذي يُنسب إليه عيد الحب اسم قسيس نصراني عاش في القرن الثالث الميلادي، فعيد الحب ما هو إلا احتفال ديني خالص تخليداً لذكرى شخصية نصرانية.



جاء عن هذا اليوم أنَّ الرومان كانوا يحتفلون بعيد لهم في 15 فبراير من كل عام فكانوا يقدمون القرابين لآلهتهم المزعومة كي تحمي مراعيهم من الذئاب.

وكان هذا اليوم يوافق عندهم عطلة الربيع وفي تلك الآونة كان الدين النصراني في بداية نشأته، حينها كان يحكم الإمبراطورية الرومانية كلايديس الثاني.

وهو الذي حرم الزواج على الجنود حتى لا يشغلهم عن خوض الحروب لكن (فالنتاين) عارض هذا الحكم  وكان يُتِم عقود الزواج سراً، فعُلِم أمره وحُكِم عليه بالإعدام.

 وفي سجنه أحب ابنة السجَّان ولكنه لم يستطع الزواج منها لحرمة ذلك على الرهبان في شريعتهم، فكانت تزوره ومعها وردة حمراء لإهدائه إياها.

وعرض عليه الإمبراطور أنْ يعفو عنه على أنْ يترك النصرانية ليعبد آلهة الرومان ويكون لديه من المقربين ويجعله صهراً له.

رفض فالنتاين هذا العرض وآثر النصرانية فنُفِّذ فيه حكم الإعدام يوم 14 فبراير عام 270 ليلة 15 فبراير فاتخذ هذا التاريخ عيداً عندهم وسُمِّي باسمه.



أما المسلمون فليس عندهم إمبراطور يُحرم الزواج وليس في مشايخهم رهبان لا يتزوجون بل دينهم يحض على النكاح، فَلِم نحتفل بفالنتاين هذا وبِعيده؟



وقيل: أُحدث هذا العيد في وقت كانت الوثنية هي السائدة عند الرومان وقد أَعْدَمت دولتهم أيام وثنيتها القديس فالنتين الذي اعتنق النصرانية بعد أنْ كان وثنياً.

فلما تنصروا جعلوا يوم إعدامه مناسبةً للاحتفال بشهداء الحب.

وقيل إنَّ فالنتاين كان من المشهورين بمغامراته العاطفية ومات بسبب عشقه فصار رمزاً للمحبين.

وقيل إنَّ فالنتين هذا توفي في روما إثر تعذيب بعض القادة الرومانيين له وبُنِيَت كنيسة في روما في المكان الذي توفي فيه عام 350م تخليداً لذِكْره.



ولابد لنا أنْ نعلم أنَّ أساطير الرومان الوثنيين ورثها عنهم النصارى، وعيد الحب النصراني هذا كان تعبيراً في المفهوم الوثني الروماني عن الحب الإلهي.

فلما اعتنق الرومان النصرانية أبقوا على الاحتفال بعيد الحب لكن نقلوه من مفهومه الوثني إلى مفهوم آخر مُمَثَّلاً في فالنتين الداعية إلى الحب والسلام.

وكان من اعتقاداتهم الباطلة في هذا العيد أنْ تُكتب أسماء الفتيات اللاتي في سن الزواج في لفافات صغيرة من الورق وتوضع في طبق على منضدة.

ويُدعى الشبان الذين يرغبون في الزواج ليُخْرِج كل منهم ورقة فيضع نفسه في خدمة صاحبة الاسم المكتوب لمدة عام يختبر كل منهما خُلُق الآخر ثم يتزوجان.

وثار رجال الدين على هذا التقليد واعتبروه مُفسداً لأخلاق الشباب والشابات فتم إبطاله في إيطاليا التي كان مشهوراً فيها ثم تم إحياؤه في القرنين 19،18.



والغربيون من الأمريكيين والأوربيين يجعلون من هذا العيد مناسبة نادرة لممارسة الجنس على أوسع نطاق وتتهيأ المدارس الثانوية والجامعات لهذا اليوم.

فتقوم بتوفير الأكياس الواقية التي تستعمل عادةً للوقاية من العدوى بين الجنسين عند ممارسة الفاحشة وتُجعل هذه الأكياس في دورات المياه وغيرها.

فماذا كان بعد ذلك؟ شيوع الفاحشة، حفلات نهارية، سهرات ليلية، مناسبات مختلطة راقصة، ورود، صناديق شيكولاتة تُرسل إلى الصديقات والعشيقات.



والعجب أنَّ الهندوس في بلاد الهند يمنعون بيع الزهور في يوم عيد الحب ويحرقون المحلات التي تبيعه لأنَّ ذلك ليس من الهندوسية ويحارب الثقافة الهندية.



وهكذا يمضي بعض المسلمين مع الأسف خلف هؤلاء الأوباش الذي حرَّفوا دينهم وكفروا برسول ربهم يتشبهون بهم ويفرحون بأعيادهم أعظم من فرحهم بأعياد المسلمين.





كتبه: محمد صالح المنجد

16‏/09‏/2011

فضائل صوم ست من شوال


الحمد لله المتفضِّل بالنِّعم، وكاشف الضرَّاء والنِّقم، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وآله وأصحابه أنصار الدين. وبعد:

أخي المسلم: لا شك أن المسلم مطالب بالمداومة على الطاعات، والاستمرار في الحرص على تزكية النفس.
ومن أجل هذه التزكية شُرعت العبادات والطاعات، وبقدر نصيب العبد من الطاعات تكون تزكيته لنفسه، وبقدر تفريطه يكون بُعده عن التزكية.
لذا كان أهل الطاعات أرق قلوباً، وأكثر صلاحاً، وأهل المعاصي أغلظ قلوباً، وأشد فساداً.

والصوم من تلك العبادات التي تطهِّر القلوب من أدرانها، وتشفيها من أمراضها.. لذلك فإن شهر رمضان موسماً للمراجعة، وأيامه طهارة للقلوب.
وتلك فائدة عظيمة يجنيها الصائم من صومه، ليخرج من صومه بقلب جديد، وحالة أخرى.

وصيام الستة من شوال بعد رمضان، فرصة من تلك الفرص الغالية، بحيث يقف الصائم على أعتاب طاعة أخرى، بعد أن فرغ من صيام رمضان.

وقد أرشد أمته إلى فضل الست من شوال، وحثهم بأسلوب يرغِّب في صيام هذه الأيام..

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) [رواه مسلم وغيره].
قال الإمام النووي - رحمه الله -: قال العلماء: (وإنما كان كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين.. ).
ونقل الحافظ ابن رجب عن ابن المبارك: (قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضاً).

أخي المسلم: صيام هذه الست بعض رمضان دليل على شكر الصائم لربه - تعالى -على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير، كما أن صيامها دليل على حب الطاعات، ورغبة في المواصلة في طريق الصالحات.
قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: (فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدل نعمة الله كفراً).

أخي المسلم: ليس للطاعات موسماً معيناً، ثم إذا انقضى هذا الموسم عاد الإنسان إلى المعاصي!
بل إن موسم الطاعات يستمر مع العبد في حياته كلها، ولا ينقضي حتى يدخل العبد قبره..
قيل لبشر الحافي - رحمه الله -: إن قوماً يتعبدون ويجتهدون في رمضان. فقال: (بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقاً إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها).

أخي المسلم: في مواصلة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة، يجد بركتها أولئك الصائمين لهذه الست من شوال.

وإليك هذه الفوائد أسوقها إليك من كلام الحافظ ابن رجب - رحمه الله -:
·      إن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله.
·      إن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة.. وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره من الأعمال.
·      إن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله - تعالى -إذا تقبل عمل عبد، وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.
·      إن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، كما سبق ذكره، وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، كان النبي يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟! فبقول: أفلا أكون عبداً شكورا.

وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان، وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكراً عقيب ذلك.
كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام.
وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه.

كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبداً فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم. وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر.

إن الأعمال التي كان العبد يتقرب يها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بإنقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً..

كان النبي عمله ديمة.. وسئلت عائشة - رضي الله عنها -: هل كان النبي يخص يوماً من الأيام؟ فقالت: لا كان عمله ديمة. وقالت: كان النبي لا يزيد في رمضان و لا غيره على إحدى عشرة ركعة، وقد كان النبي يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، ثم قضاه في شوال، فاعتكف العشر الأول منه.


فتاوى تتعلق بالست من شوال:
·      سُئِل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله -: هل يجوز صيام ستة من شوال قبل صيام ما علينا من قضاء رمضان؟
الجواب: (قد اختلف العلماء في ذلك، والصواب أن المشروع تقديم القضاء على صوم الست، وغيرها من صيام النفل، لقول النبي: من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر. [خرجه مسلم في صحيحه]. ومن قدم الست على القضاء لم يتبعها رمضان، وإنما أتبعها بعض رمضان، ولأن القضاء فرض، وصيام الست تطوع، والفرض أولى بالاهتمام). [مجموع فتاوى الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز: 5/273].
·      وسُئِلت اللجنة الدائمة للإفتاء: هل صيام الأيام الستة تلزم بعد شهر رمضان عقب يوم العيد مباشرة، أو يجوز بعد العيد بعدة أيام متتالية في شهر شوال أو لا؟
الجواب: (لا يلزمه أن يصومها بعد عيد الفطر مباشرة، بل يجوز أن يبدأ صومها بعد العيد بيوم أو أيام، وأن يصومها متتالية أو متفرقة في شهر شوال حسب ما تيسر له، والأمر في ذلك واسع، وليست فريضة بل هي سنة). [فتاوى اللجنة الدائمة: 10/391 فتوى رقم: 3475].
·      وسُئِل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: بدأت في صيام الست من شوال، ولكنني لم أستطع إكمالها بسبب بعض الظروف والأعمال، حيث بقي عليّ منها يومان، فماذا أعمل يا سماحة الشيخ، هل أقضيها وهل عليّ إثم في ذلك؟
الجواب: (صيام الأيام الستة من شوال عبادة مستحبة غير واجبة، فلك أجر ما صمت منها، ويرجى لك أجرها كاملة إذا كان المانع لك من إكمالها عذراً شرعياً، لقول النبي: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً. [رواه البخاري في صحيحه]، وليس عليك قضاء لما تركت منها. والله الموفق) [مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: 5/270].

أخي المسلم: تلك بعض الفتاوى التي تتعلق بصيام الست من شوال، فعلى المسلم أن يستزيد من الأعمال الصالحة، التي تقربه من الله - تعالى -، والتي ينال بها العبد رضا الله - تعالى -..

وكما مرّ معك من كلام الحافظ ابن رجب بعض الفوائد التي يجنيها المسلم من صيام الست من شوال، والمسلم حريص على ما ينفعه في أمر دينه ودنياه..

وهذه المواسم تمرّ سريعاً، فعلى المسلم أن يغتنمها فيما يعود عليه بالثواب الجزيل، وليسأل الله - تعالى -أن يوفقه لطاعته..

والله ولي من استعان به، واعتصم بدينه..

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلِّم..

29‏/12‏/2010

لتَتَّبِعُن سَنَن مَن كان قَبْلَكُم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كُنْتُ في زيارة دعوية لأمريكا منذ سبعة عشر عامًا تقريبًا في مثل هذه الأيام مِن السنة، فرأيت تمثال القس "نويل"، وهو شخصية وهمية يريد النصارى أن يُعَلِّق الأطفال قلوبهم بها كأنَّ الهدايا تأتي مِن عنده.
رأيتُ هذه التماثيل على البيوت، والمحال التجارية، وهذا لا يستغرب مِن هؤلاء النصارى الذين قال الله -عز وجل- فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة:113)، ولكن العجيب الغريب ما يحدث في بلاد المسلمين مِن تعليق هذه التماثيل القبيحة للقس "نويل" على المحلات التجارية التي يملكها مسلمون، وصَدَق النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ). قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فَمَنْ؟) (متفق عليه)، فهذا عَلَمٌ مِن أعلام النبوة.
أين عزة الإسلام؟! أين الهوية الإسلامية؟! أين ما ينبغي أن يتربى عليه أطفال المسلمين وشبابهم مِن وجوب تعلق قلوبهم بالله -عز وجل-، واعتقاد أنَّ النعم كلها مِن عند الله كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل:53)؟!
وقد أعجبني تربية أحد إخواننا لابنه كلما أتى له بثَوْبٍ جديد أو لعبة يقول له: "هذه من عند الله"! حتى يعلق قلب الطفل بالله -عز وجل-، ويطالب نفسه بواجب الشكر.
أُحِبُ أنْ أُنَبِّه أيضًا على أنْ الأعياد مِن شعائر الدين؛ فلا يجوز تهنئة اليهودي والنصراني بِعِيدِه؛ لأنَّ هذا إقرارٌ له على الباطل وتمييع لقضية التوحيد، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران:19)، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85)، فالإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله -عز وجل- للبشرية إلى أنْ يَرِث اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها كما قال الله -تعالى-: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة:3).
رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- مع عمر -رضي الله عنه- ورقة مِن التوراة فَتَمَعَر وجهه -صلى الله عليه وسلم- وقال: (أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (أخرجه أحمد، وحسنه الألباني).
وعيسى -عليه السلام- إذا نَزَلَ في آخِر الزمان لا يَتَعَبَّد بشريعته؛ لأنَّ شريعته منسوخة، بل يتعبد بشريعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويُصَلي خلف المهدي ويقول: "إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ" (رواه مسلم).
فعلى المسلمين معرفة قَدْرَ دينِهم وشَرَف نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء:10)، أي: فيه ارتفاع شأنكم وعزكم.
وقال عمر -رضي الله عنه-: "كنا أذل الناس فأعزنا الله برسوله -صلى الله عليه وسلم- فمهما طلبنا العزة بغيره أذلنا الله -عز وجل-".
نسأل الله -تعالى- أنْ يعزنا بالإسلام، وأنْ يعز الإسلام بنا، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

كتبه: أحمد فريد

07‏/12‏/2010

سوء الخاتمة وختامُ العام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فإن الأيام تُطوى، والأهِلة تتوالى، والأكفان تُنسج، والأعمال تُدَوَّن، والموعد يقترب.
أجيال تفِد إلى الدنيا كل يوم، وأجيال ترحل عنها. والغفلة تستحكم على كثيرٍ مِن القلوب؛ حتى غدا أكثر بني آدم يبنون دنياهم ويهدمون أخراهم.
ها هي جموع المسلمين لا تتمعر وجوههم إذا انتهكت محارمُ الله؛ لكنهم يغضبون إذا انتُقص شيءٌ مِن دنياهم، إلا من رحم الله، وقليلٌ ما هم.
فالتاجرُ منهم ينظر إلى الربح ولا ينظر إلى طريقة التحصيل أحرامٌ هي أم حلال!
والموظف يستيقظ فزعاً لعمل الدنيا لكنه ينام عن عمل الآخرة!
والمرأة تخلت عن كثيرٍ مِن حجابها، وارتكبت كثيراً مما يسخط ربها!
والأسرةُ المسلمة هَمُّها أن لا ينتقص شيءٌ مِن وسائل عَيشها الكريم، ولا أنْ تمُسَّ رفاهيتها بسوء.
وأما همُّ الإسلام وهمُّ الآخرة فليس في الحسبان إلا عند قليل ممن لم تأخذهم دوامة المادية المعاصرة. وبعضٌ مما نرى مِن أعمال الخير ما كانت لأجل الله والدار الآخرة؛ وإنما هي لأجل الدنيا. ومِن الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
وقليل ثم قليل أولئك المخلصون الصادقون.

مَن يَعتبِر؟!

ينقضي هذا العامُ وكأنَّ أيامه لم تكن شيئاً مذكوراً.
اثنا عشر شهراً، بدأ هلالُ الواحدِ منها ضعيفاً ثم أخذ يكبر حتى صار بدراً، ثم أخذ في الضعف حتى تلاشى، ثم تبعته الشهور الأخرى حتى تم ميقاتها، وانقضى أجلها، وتمت السنة!!

الله أكبر، ما أسرع الأيام!
وما أكثر العصيان!
وما أقل الاعتبار!
والإنسان يمضي في هذه الدنيا كما مضت تلك الشهور.

لو سألت الشيخ الكبير عن شبابه وطفولته لحدثك عنها، وأخبرك أنها مرت سريعاً، وتجد أن أمله لا يزال طويلاً.
والشاب نسي طفولته وأمّل في مزيد من العيش، وإن طال به العمر ليَبْكِيَنَّ شبابه. وهكذا الدنيا.. ولكن أين العقلاء والمعتبِرون؟!

هل يكفي طول العمر؟

إن العبرة ليست بطول العمر، وإنما هي بحُسن العمل.
هل صَحِب الجاهُ أهلَ الجاهِ إلى قبورهم؟
وهل كان المالُ مع أهلِ المال في لُحودهم؟!

يالفوز مَن صَلُح ظاهره وباطنه، فخُتِم له بحُسن عمله.
ويالخسارة مَن فَسَد باطنه فخُتم له بالسوء.
ذلك أن مَن مات على شيء بُعِث عليه كما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يُبْعَث كل عبدٍ على ما مات عليه ) [رواه مسلم 2878].
وفي قصة الرجل الذي سقط عن راحلته في عرفة أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبِّياً، وأخبر أن الشهيد يُبْعَث يوم القيامة وجرحه يُدمى: اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
وما كان موت الفجأة مذموماً إلا لأنه يَفْجَأ صاحبه قبل التوبة مِن المعاصي.

خوف السلف مِن سوء الخاتمة

لقد كان خوف السلف مِن سوء الخاتمة عظيماً.

بكى سفيان الثوريُ ليلةً إلى الصباح، فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟
فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون مِن هذه؟ إنما أبكي خوف الخاتمة. [ العاقبة في ذكر الموت والآخرة للأشبيلي 175 ].

وقال عطاء الخفاف: ما لقيت سفيانَ إلا باكياً فقلت: ما شأنك؟
وقال: أتخوف أن أكون في أم الكتاب شقياً [ السِيَر7/266].

وقال سهل التستري: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة وعند كل حركة وهم الذين وصفهم الله إذ قال ( وقلوبهم وجلة ).

أسباب سوء الخاتمة

أعظم سبب لسوء الخاتمة فسادُ القلب بفساد الاعتقاد حتى ولو صَلَح الظاهر، وأقبح ذلك التلبسُ بالشرك أو شيء منه أو الاستمرار على البدعة.
والشركُ مَنَعَ عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب أن يشهد شهادة الحق حالَ احتضاره، وكم من مبتدع خُتِم له بالسوء.

ومقارفة الكبائر، والإصرارً على الذنوب مفسدٌ للقلب، مؤذنٌ بشؤم العاقبة، وسوء الخاتمة.
والمحتضر يردد حال احتضاره ما كان يكثر من قولٍ وعمل خيراً كان أم شراً.
وواقع المحتضرين يدل على ذلك؛ فأهل الصلاح يختم لهم في الغالب بصالح أعمالهم، وأهل الفساد يختم لهم بفسادهم.
وكم مِن عاصٍ مات وهو يُغَنَِي أو وهو يشرب الخمر أو انعقد لسانه عن شهادة الحق فلم يستطع نطقها عوذاً بالله مِن ذلك.

قال مجاهد رحمه الله تعالى: ما مِن ميت يموت إلا مُثِّل له جلساؤه الذين كان يجالسهم [ الكبائر للذهبي 100 ].

وقد ذكر العلماء أن سوء الخاتمة على رتبتين إحداهما أعظم من الأخرى:
1 - فأما الرتبة العظيمة الهائلة فهي أن يَغلبَ على القلب عند سكرات الموت وظهور أهواله إما الشكُ وإما الجحود؛ فتُقْبَض الروح على تلك الحالة فتكون حجاباً بينه وبين الله تعالى أبداً، وذلك يقتضي البٌعدَ الدائم والعذاب المخلد.

2 - والثانيةُ وهي دونها: أن يغلِبَ على القلب عند الموت حبُ أمَْر مٍن أمور الدنيا أو شهوة من شهواتها، فيتمثلُ ذلك في قلبه ويستغرقه حتى لا يبقى في تلك الحالة متسعٌ لغيره.
فمهما اتفق قبضُ الروح في حالة غلبة حب الدنيا فالأمر مخطر؛ لأن المرء يموت على ما عاش عليه وعند ذلك تعظم الحسرة [ انظر: إحياء علوم الدين 4/162]

فيا ترى: كم مقدارُ الدنيا في قلوبنا؟! وماذا قدمنا لآخرتنا؟!

إن عملَ كثيرين منا ولهاثهم خلف المتاع والمال لَيَدُل على أنَّ الدنيا استمكنت مِن قلوب الكثيرين، أو على الأقل غلبت على قلوبهم فأفسدتها وصدتها عن الآخرة؛ حتى أصبحوا لا يجدون لذة العبادة. بل لذتهم وسعادتهم في منصب يبلغونه، أو مالٍ يكسبونه، أو مجدٍ يحققونه، ولو كان بعيداً عن ذكر الله وشكره وحسن عبادته.
ومن أعظم الشؤم وأسوأ العاقبة، أن يعملَ العبدُ في الصالحات وقد كُتِبَ في أم الكتاب مِن الأشقياء. يراه الناسُ فيغبطونه على صالح عمله؛ لكنهم لا يعلمون فساد نيته، وخبث طويته، ومراءاته في عمله، وما اطلعوا على أسراره وخفاياه؛ بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ لا يدع شاذَّةً إلا اتَّبَعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أما إنه من أهل النار ) فقال رجل مِن القوم: أنا صاحبهُ أبداً، قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجلُ جُرحاً شديداً؛ فاستعجل الموت فوضع نَصْل سيفه بالأرض وذُبَابَه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه؛ فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرتَ آنفاً مِن أهل النار؛ فأعظَمَ الناسُ ذلك. فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جُرِح جُرحاً شديداً؛ فاستعجل الموت، فوضع نَصْل سيفه بالأرض وذُبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ( إنَّ الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو مِن أهل النار، وإنَّ الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو مِن أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم ) رواه مسلم 112.

أهمية صلاح القلوب والأعمال

مكانُ الدفن، وساعةُ الموت، وكثرةُ المشيعين، ليست تزيد في الحسنات أو تنقصُ السيئات.
وقد يكون منها ما هو علامةُ خير، ودليلُ فوز؛ كشهادة الصالحين للعبد بالخير، فهُم شهداء الله في أرضه؛ بيد أن العبرةَ بصلاح القلوب، وقبولِ الأعمال.

والناس يحكُمون بمقتضى الظاهر، وأما القلوب فلا يعلم مكنونها إلا الله تعالى.
وقد مرَّ بعض الصالحين بيهودي ميتٍ قد أوصى أن يُدفن ببيت المقدس، فقال: أيُكابر هؤلاء الأقدار؟ أما علِموا أنهم لو دُفِنوا في الفردوس الأعلى لجاءت لظى بأنكالها حتى تأخذه إليها، وتنطلق به معها [ العاقبة 178 ].

وقال آخر: مَن حُكِم له بالسعادة لا يشقى أبداً، وإنْ ألحَّ غاويه، وكَثُر معاديه، وأُحيط به مِن جميع نواحيه.
ومَن حُكِم له بالشقاوة لا يسعد أبداً، وإن عُمِّر ناديه، وأُخْصِب واديه، وحَسُنَت أواخره ومباديه.

كم مِن عابِدٍ ظهرت عليه أنوارُ العبادة، وآثار الإرادة، وبدت منه مخايل السعادة، وارتفع صيته، وانتشر في الآفاق ذكره، وعظم في الناس شأنه جمحت به الأقدار جمحة ردته على عقبيه فختم له بالسوء [ تنظر: العاقبة 178].

ومِن المعلوم أنَّ سوء الخاتمة لا تكون لمن استقام ظاهره، وصَلُح باطنه. وإنما تكون لمن كان عنده فسادٌ في القلب، وإصرار على الكبائر؛
فربما غَلَبَ ذلك عليه حتى ينزِل به الموتُ قبل التوبة، ويثِبَ عليه قبل الإنابة.
وربما غَلَبَ على الإنسان ضربٌ مِن الخطيئة، ونوعٌ مِن المعصية، وجانبٌ مِن الإعراض، ونصيب مِن الافتراء؛ فمَلَكَ قلبَه، وسبى عقله؛ فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة؛ فيتخبطُه الشيطانُ عند موته، ويسلبُه إيمانه.

والعبد المؤمن مأمور بأنْ يجتهد في إصلاح قلبه، ويسارع في مرضاة ربه، وأنْ يسأل الله الثبات إلى الممات؛ فإن القلوب بين إصبعين مِن أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

وفي ختام هذا العام، هل نعتبر بما مضى مِن الأيام؟!
هل نخاف مِن سوء الختام؟!
هل يبادر العاصي منا إلى ربه فيتوب من معصيته، ويسارع إلى طاعته؟!
فلعل الله يقْبَل توبتَه ويكتبُ له بها سعادةً لا يشقى بعدها أبداً.

أسأل الله تعالى أنْ يُصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يحسن خواتمنا، وأن يجعلنا ممن قبله ورضى عنه إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

كتبه: إبراهيم بن محمد الحقيل
منقول مِن مطوية بعنوان: سوء الخاتمة وختامُ العام
دار ابن خزيمة