قال الله تعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} سورة هود - الآية 88.
29/08/2010
في ليلة القدر
20/08/2010
في بدء صيام اليوم ونهايته
18/09/2009
تهانينا .. تهانينا
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أيها الأحبة في الله .. كل عام وأنتم بخير.. تقبل الله منا ومنكم
من هذا المقبول الذي أعين على الصيام والقيام؟
وعلى إصلاح وظائف الأعمال من الصلوات المكتوبات والجمعات؟
من هذا المقبول الذي أعين على وظيفة الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن؟
وختم له رمضان بالسداد في الأعمال الصالحات ؟
من هذا المقبول فنهنيه ؟
مقتضيات القبول
أولا : الانكسار لعظمة الله :
وتهنئتنا له وتهانينا إليه بفضل الله عز وجل الذي آتاه، وأن ذلك يعني منه مزيد انكسار لعظمة الله ، وعرفان بنعمة الله عز وجل ، ومزيد سعي لشكران تلك النعم .
فعن أبي عمران الشيباني : قال موسى يوم الطور : يا رب .. إن أنا صليت فمن قبلك ، وإن أنا تصدقت فمن قبلك ، وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك ، فكيف أشكرك ؟
فقال الله تعالى لموسى : الآن شكرتني .
فهذا قول الكليم .. كليم الله عز وجل .. وهو قول العارف بفضل الله المقر بإحسانه ، قال : يا رب ، إن أنا صليت فمن قبلك ، لا من سعي من نفسي ، ولا من تحصيلها ، فلو وكلت إلى نفسي ، ولو وكلت النفس إلى ما فيها ، لما كان من العبد إلا العجز والتقصير ، والتواني والذنب ، والخطيئة والسيئات .
يا رب .. إن أنا صليت فمن قبلك ، وإن أنا تصدقت فمن قبلك ، فكذلك ليس المال من تحصيلي ، بل هو من رزقك وفضلك وعطائك ، ولو شئت لم أكتسب شيئا من ذلك المال ، وقد أحضرت الأنفس الشح ، وجبلت على الإمساك والبخل ، فلولا أن تجود علي بمباعدة شح نفسي ، ما كان مني صدقة ولا إنفاق .
فيا رب ، إن أنا تصدقت فمن قبلك ، فليس لي من ذلك العمل أي شيء أنسبه لنفسي .
ويا رب ، إن بلغت رسالاتك فمن قبلك ، فليس ذلك البيان ، ولا الشفقة على المكلفين ، ولا الإعانة على البلاغ، ولا إيصال ذلك إلى قلوب المكلفين ، ولا حركة المكلفين بموجب ذلك ، وليس شيء من ذلك من سعي العبد ولا من تحصيله ؛ بل كل ذلك بفضل الله عز وجل وإحسانه .
وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك ؛ فكيف أشكرك ؟
فلو كانت الصلاة شكرا ، فما هي من سعي ، والشكر فعل ينسب إلى العبد لا إلى صاحب الإنعام والإكرام .
وإن كانت الصدقة شكرا ، فهي كذلك من فضل ؛ فليس ينسب إلى العبد شيء من ذلك .
وإن كان البيان عن الله والبلاغ لرسالته شمرا ، فهو كذلك من الله عز وجل لا من المخلوقين .
ذهبت حيل السعاة في شكر الله ، وعجزوا عن شكر الله عز وجل على نعمه ، فأصبح إقرارهم بالعجز هو إعلانهم بالشكر لله عز وجل على نعمائه .
فكان جواب الكريم للكليم : الآن شكرتني .
إقرارك بعجزك عن الشكر هو حقيقة ذلك الشكر ، فإن شكر نعمة الله عز وجل يكون بنعمة أخرى من الله عز وجل وفضل وإحسان ، يستوجب شكرا آخر ، حتى يكون الشكر الآخر نعمة أخرى تستوجب شكرا آخر ، وهكذا .
فيفضي الحال إلى الإقرار بالعجز ، والإعلان بالقصور ، وأن شكر نعمة الله عز وجل هو الإعلان بالعجز عن شكره.
ثانيا : شهود منة الله :
فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه على فضل الله الذي آتاه ؟
وأن ذلك يقتضي الإعلان بشكر نعمة الله ، والإعلان بالعجز عن القيام بذلك ، وأن ذلك يقتضي مع تلك التهنئة الالتفات للعمل والنظر إليه ، حتى يشهد منة الله عز وجل فيما كان ، وحتى يرى تقصير نفسه في كل عبادة يرى فيها أوجه عجزه وأبواب قصوره وضعفه وتوانيه وتباطئه مع فضل الله عز وجل السابق ، وإحسان الله تعالى الغالب عليه .
ثالثا : مطالعة عيب النفس والعمل :
وتهنئة المقبولين تعني التفاتاً إلى نعمة رب العالمين ، وتعني رجوعا إلى هذه الأعمال التي كانت ، بالنظر إليها ، والتفتيش في أوجه القصور والنقص فيها ، وأنه كان ينبغي أن تكون هذه الأعمال أفضل مما تأدت ، وأن حق الله عز وجل أعظم من ذلك ، وأن حق خطايا هؤلاء المقبولين وسيئاتهم يقتضي عملا أكثر ، فما يزيل أدران قلوبهم أضعاف أضعاف ما قدموا ، بل إن هذه السيئات والعيوب تقتضي منهم سعيا موصولا وعبادة غير منقطعة وشغلا دءوبا بذكر الله عز وجل ومحبته إلى الممات ، لا يقوم حق الله عز وجل بدون ذلك .
فليت شعري من المقبول ؟ ، حتى يستحق تلك التهاني ، وينال مع تلك التعاني تنبيهات على سعيه .
رابعا : استقامة القلب :
ليت شعري من هذا المقبول فتهنيه ؟ ، حتى تكون تهنئتنا له على ما نال قبله من ذل لله عز وجل وتعظيم لأمره ، وانكسار من ذلك القلب ، ورقة على الخلق ليستديم ذلك الحال ، وليتحول إلى شخص آخر بعد منحة الله عز وجل له في رمضان ، وعطائه إليه وإحسانه .
خامسا : الثبات على العمل الصالح :
ليت شعري من المقبول فنهنيه ؟ ، بأن يرجو موسم رمضان آخر بينهما عبادة موصولة ، وشغل بالله عز وجل وطاعته وخدمته ومحبته ، شغل دائم غير منقطع .
ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ؟ حتى تكون تهنئتنا له سببا لثباته على ما وفقه الله عز وجل له من العمل الصالح .
فما ينقضي مع انقضاء رمضان صيامه ..
وما يذهب مع ذهاب ليالي رمضان قيامه ..
وما يعود إلى ما كان منه من وحشة بينه وبين مصحفه وورد قرآنه ..
ليتحول إلى شخص مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عمله ديمة
وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل " [متفق عليه]، فأحب العمل أدومه وإن قل ، فيكون تهنئتنا للمقبولين سبباً لدوامهم على ما آتاهم الله عز وجل من أسباب التوفيق ، فيقتدون في ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا ) [ الأحزاب : 21]
تهانينا .. تهانينا
أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن لا تغتر ، إنما قبلت بتوفيق الله ، وتسديد الله ، وفضل الله ورحمته ، وليس منك ، فليتعلق قلبك بالله شكرا لله .
أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن لا تفرح بعملك ؛ فإن الله يستحق أكثر من ذلك .
أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن احرس قلبك حتى لا تضيع لذة الطاعة التى حصلتها في رمضان .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر المشي والقعود مع البطالين والاغترار بهم .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن علامة القبول الازدياد كل يوم من الطاعة .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل قوة الاندفاع للعبادة ضعفت عند أم لا ؟
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن هل لو مت الآن ستجد الله راضيا عنك ؟
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل عملي يبلغني أعلى الجنان أم يكفي لمجرد نجاتي من النار ؟
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر الفتور والقعود عن طاعة الله .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن إذا لعبت أو لهوت بعد رمضان فهذه علامة الخسران .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن يعود قلبك لقساوته بعد أن أنجلي في رمضان .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تهدم ما بنيته ، وتعبت فيه وسهرت من أجله .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تكون رمضانيا ، تتعامل مع الله شهرا وتتركه أحد عشر .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تزوغ بقلبك بعد أن ذقت وعرفت ، حتى لا تثبت على نفسك الحجة يوم القيامة .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن واجب الشكر لله يحتم عليك أن تشكر نعمة الطاعة التى وفقك الله إليها وأعانك عليها بالعمل ، قال تعالى : { اعملوا ءال داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13]
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن لا تهن نفسك بعد أن أكرمك الله بالعبودية له وحده .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تعصى ربك وتهجر كلامه .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر جمود العين وسوء الأخلاق .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر تضيع الأوقات ، فكما كنت حريصا على الوقت في رمضان حافظ عليه بعده.
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن حافظ على الشحنة الإيمانية الكبيرة التى معك وزد عليها ولا تنقص .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن هل أنت حزين بانتهاء الشهر أم فرحان ؟
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن أريدك أن تقارن بين قلبين : قلبك في رمضان ، وقلبك بعد رمضان .. انظر وتأمل.
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل أنا بعد رمضان مقبل على الدنيا بقلبي وعقلي أم أن الآخرة مازالت أكبر همي ؟
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن ينتهي الصيام بانتهاء رمضان .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن السعيد من استعد ليوم الوعيد .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر من الاعتماد على ما قدمت ؛ فإن من يحب مولاه يواصل السير إليه .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر الالتفات والمكر ؛ فالله معك يسمعك ويراك .
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن الحقيقة ، حقيقة القلب لا الظاهر فحسب ، قال تعالى : { ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } [الإسراء : 25].
أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر ضياع التقوى التى حصلتها .
أيها المقبول تهانينا ؛ ولكن احذر أن يقال لك : تعازينا ..
وليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟
حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا ، وأن الضر الذي يكون في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله ، وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا، فحق جبرانها وتعويضها مضمون ، وأما مصيبة الدين فحظه من الله عز وجل قد ذهب ، وحظه من الآخرة قد ولى .
مقتضيات الحرمان
فليت شعري كيف يستدرك ذلك ، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه ؟
أولا : الإقرار بظلمه لنفسه :
ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، وكلنا ذلك المحروم ، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته ، وأن ذلك مع إحسان الله عز وجل وفضله غير لائق منه ، وغير مناسب لعقله وإيمانه ، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئا ، ولكن ظلم نفسه .
قال سبحانه في الحديث القدسي " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [مسلم]
ثانيا : التنبيه لشؤم السيئات :
ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ليعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاج سابق السيئات والتفريطات ، وأن جزاء الحسنة التوفيق لحسنة بعدها ، وأن عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئة تتلوها وتكون بعدها .
ثالثا : لزوم الوقوف بالباب :
ليت شعري من هذا المحروم حتى نعزيه ؟ ، ليكون عزاؤنا أن فضل الله عز وجل الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب ، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله ، فلا يزال من الله عز وجل الكرم والجود ، وإن كان من العبد البخل والإمساك ، ولا يزال من الله عز وجل الإحسان والعطاء ، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل .
رابعا : لزوم التوبة :
ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، ليعلم أن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس في مغربها ، ويعلم أن باب الله عز وجل لا يزال مفتوحا ، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب " لله عز وجل أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " [متفق عليه].
فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك ، فمتى أمدك الله عز وجل وأفسح في أجلك فلا تزال مدة تراجعك قائمة ، لا يزال أمر توبتك لازما غير معفي أنت منه .
خامسا : إصلاح العمل :
ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يعلم أنه لابد له من أن يصلح عمله ؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين ..
وحتى يكون عمله ذلك وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وحتى يكون عمله ذلك خاليا من آفة الغرور وآفة العجب ، فلا يرى عملا يعجب به ، بل يرى فضل الله يستوجب انكساره وذله لربه ، وإعلانه بالعجز عن شكره ، ولا يرى نفسه التي تأدي منها العمل ، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى .
سادسا : إنما يتقبل الله من المتقين :
قال علي رضي الله عنه: " كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتماما بالعمل ، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول : { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وقال بعضهم : لأن أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبة من خردل أحب الي من الدنيا وما فيها ، لأن الله عز وجل يقول : { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وقال بعضهم : كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان .
كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه لم ينقص، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلايزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعدما وقع منهم العمل ، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا؟ وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه ، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله عز وجل ، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات .
بل إذا ذهبت مواسم الطاعات ؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات ، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها . والتفتيش في آفاتها ، والحذر من إفشائها ؛ حتى تكون أبعد عن الرياء .
تعازينا .. تعازينا
أيها المحروم .. تعازينا ؛ أيها المحروم جبر الله مصيبتك ؛ ولكن لم تنته الدنيا بانتهاء رمضان ومازال في العمر بقية ، ومازال ربنا جل جلاله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، فتب وقد تاب الله عليك .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تيأس : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } [النور : 22] ، إذا كان في الصوم دعوة مستجابة ؛ ففي كل ليلة ربك يقول في الثلث الآخر : " هل من سائل فأعطيه " ، ما زالت أمامك تفرصة لم تنته ، القضية أنك لن تخلد في جهنم مادمت موحدا ، مازالت أمام فرص .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن قف لتنظر من أين أتيت ، لم خذلت ، بم انتكست ، لا شك أنه من عند نفسك ، { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت:46] ، الفرص كانت أمامك متاحة وأنت خذلت نفسك ، أنت أوكست نفسك ، { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } [ الزخرف : 76 ] ؛ فلذلك قف لتتخلص من النفس الأمارة بالسوء، قف لتتأمل كيف ضاع منك رمضان كما ضاع سنين، قف فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن إن كان قد ضاع منك رمضان ؛ فإن الله الحي باق معك على الدوام ، يدعوك للإقبال عليه والإنابة إليه ؛ فأقبل تقبل .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أعلم أن أبواب الرحمات مفتوحة طوال العام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل توبة العبد مالم تطلع الشمس من مغربها " [مسلم].
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لازلت حياً تستطيع أن تستدرك ما فاتك ؛ بالتوبة والعزم على استغلال رمضان القادم ؛ فاستعد من الآن.
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أعلم أن مواسم الطاعة متنوعة وكثيرة ، ومن فضل الله علينا أنها في كل شهر ، فبعد رمضان ست من شوال ، ثم عشر من ذى الحجة ، ثم الحج ، ثم شهر المحرم ، وهكذا مواسم وطاعات طوال العام .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أمامك صيام الاثنين والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وقيام إحدى عشرة ركعة يوميا ، والصدقة ، وقراءة القرآن وغير ذلك ، فهي أبواب للخير في رمضان وغيره ؛ فأقبل ولا تحزن .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن حاول أن تقوم بعمرة في الفترة القادمة ؛ لتعوض ما فاتك وتجبره .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تخف ولا تحزن ؛ فالكريم سبحانه شكور يشكر على القليل ، ثم ينميه ، ولكن بشرط الإخلاص .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن اقتنص كل فرصة بعد ذلك تأتيك في طاعة الله .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، وتعلم من أخطائك حتى تتقدم بعد ذلك .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن في لحظة تستطيع أن تكون وليا حقا .. تقيا حقا، بالتوبة والإقبال على الله، والندم على ما فات ، والعزم على الإصلاح .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تيأس ؛ فإنه { لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون } [يوسف : 87 ].
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن معك سلاح قوي تستطيع أن تفتح به كل مغلق وهو الدعاء ، فالزم التضرع والافتقار .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن ندمك على ما فاتك يرضي الله عنك فيرحمك ، فأبشر مادمت نادما عازما .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر فأنت مسلم موحد تصلي وتذكر الله وتحب نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فيرجى لك ومنك الخير .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن حاول مرة أخرى ، وتأس بالنمل ، المخلوق الضعيف الذي يحاول مرات ومرات ؛ حتى يسلك الطريق الذي يريده .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر ؛ فإن لك ربا هو الله ، الغني القوي الحنان المنان الملك الرحمن الرحيم الودود اللطيف يقول : " من تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا " .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر بجنة عرضها السماوات والأرض إن استقمت وعدت إلى الله .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لازالت معك الجوهرة العظيمة ، والمعجزة الخالدة ، تراها وتمسك بيدك : القرآن الكريم ، فأسعد به واتله ليلا ونهارا .
أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر تفاءل بندمك وتوبتك وتحسرك على ما فات منك ، فتلك علامة ثحة قلبك ، وادع الله أن يبلغك الخير .
أيها المحروم ، تعازينا ؛ ولكن انتظر أن نقول لك : تهانينا .؟
ليت شعري من المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يحبس نفسه على طاعة الله ويمنعها من مألوفاتها ومحبوباتها وشهواتها ، ويعلم أنم ذلك الحرمان إنما أصابه لاستغراقه في تحصيل شهواته ، ولتركه سنن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قعدت به عاداته ومألوفاته عن فوز عظيم . يا حسرة على ما فاته !!..
من صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن لا يعصي الله تعالى ؛ فإنه مقبول بغير حساب ولا عذاب ، ومن صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن يعصي الله تعالى ، فصومه مردود عليه ، وعمله غير مقبول منه .
فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يكون عزاؤنا له إلزاما له ببداية توبته واستكمال استقامته ، ويحذره من أن لا يأتيه رمضان آخر ، حتى يكون ذلك تحذيرا له من أن يأتيه الموت بغتة ، { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك ءاياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } [الزمر : 56-59]
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم
اللهم اجعلنا من المقبولين ، ولا تجعلنا من المحرومين
اللهم اجبرنا وارحمنا
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
كتبه: فضيلة الشيخ محمد حُسين يعقوب
21/08/2009
رمضان... المجاهدة أو الاستبدال
ها قد جاءت تلك الأيام التي ينتظرها المشتاقون إلى مغفرة الله تعالى ورحمته والعتق من النار، أتى رمضان، أتى موسم المغفرة الذي طالما فَرَّطَ المؤمنون فيه وتكاسلوا وانشغلوا عن الله تعالى.
فبعد هذه الأيام والليالي الطويلة في البُعد والانتكاس والتقهقر عن باب الله تعالى، بعد هذه الليالي الطويلة والأيام الطويلة في الغفلة والشهوة ونسيان الآخرة، بعد هذه الأيام الطويلة في ترك الاستعداد للرحيل إلى الله تبارك وتعالى، وتأخير التوبة وطول الأمل في هذه الحياة الدنيا الزائلة، وعدم الاعتبار بما كان، وأنه يمكن أن يكون من أهل الآخرة، فيستفتح يوماً لا يُكمِلُه، أو يستفتح ليلة لا يُتِمَّها، فيكون في غَدِهِ عند الله تعالى، كما قال تعالى {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [سورة الحشر – الآية 18]، بعد هذا كله أتى موسم المغفرة الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان فقال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِن ذنبه" مُتفقٌ عليه: البخاري (38) ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِن ذنبه" مُتفقٌ عليه: البخاري (2009) ومسلم (759) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر" قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجة (1644) وإسناده حسن. وزاد: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِن ذنبه" مُتفقٌ عليه: البخاري (2014) ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فلما كانت هذه الأيام على هذا القدر من الأهمية كان ينبغي على أهل الإيمان أن يستعدوا لها الاستعداد اللائق بقدرها وأن يخرجوا من حالة التبلد وعدم التأثر بالموعظة وعدم المسارعة إلى العمل الصالح وعدم الشعور بعِظَمِ المسؤلية الملقاة على عاتقهم لأن دخول أهل الإيمان هذه الأيام على حال التقاعس والتكاسل والغفلة يُنذر بالحِرمان والاستبدال.
فبعد أن اجتباك الله تعالى واصطفاك لتكون أهلاً للفضل، فإذا بك تَتَفَلَّت منه، وتَتَحَجَّج بالحجج لكي لا تقوم بهذه الطاعات وتلك القربات، لكي لا تكون أهلاً لهذا الشرف العظيم الذي يوليك إياه!! فإذا به يقول: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [سورة محمد – الآية 38].
فعاقبة هذا التبلد وعدم التأثر بالموعظة، عاقبة هذا الضِيق والتململ وعدم الانشراح لأوامر الله، والإقبال عليه ومحبته، وأن يبذُل له وقته وجهده وماله، وأن يبذُل كل شيء له، عاقبة ذلك أن يستبدل به غيره، كما مل هو من ربه، الله تعالى يمَل منه، وكما ترك ربه، الله تعالى يتركه، ويأتي بغيره أفضل وأحب إلى الله، أكثر محبة وإقبالاً، أكثر بذلاً وإنفاقاً، ليكون محلاً لهذه الرحمات والبركات من الله تعالى، ليكون أهلاً لهذه المغفرة من الله تعالى، والنعم من الله تعالى، والرزق من الله تعالى، والفتح من الله تعالى.
فليعلم إذاً أهل الإيمان أنه ليس هناك طريق أمامهم في هذه الأيام إلا طريق المجاهدة وأن يعزموا العزم الأكيد على أن تكون هذه الأيام فاصلاً بين عهد الضعف والتكاسل الذي هم فيه وبين ما ينبغي أن يكونوا عليه من المجاهدة وطلب الآخرة، كما قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [سورة الحج – الآية 78]، وأن يعلموا أن هذه المجاهدة هي الطريق الموصلة للمغفرة والعتق من النار، هي الطريق الموصلة للجنة، هي الطريق الموصلة لنصرة الدين ورفعة رايته.
فكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "حُفَّتِ الجنةِ بالمكارهِ و حُفَّتِ النارُ بالشهوات" رواه البخاري (6487) كتاب الرقاق، باب حجبت النار بالشهوات، ورواه مسلم (2823) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. ولا تنقطع هذه الشهوات وهذه المكاره إلا بالمجاهدة على تحمل المكاره ليصل إلى الجنة، وبالمجاهدة على منع الشهوات حتى يحتجب عن النار، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
كتبه: فضيلة الشيخ محمد الدبيسي
من كتاب "حال المؤمنين في رمضان".
16/08/2009
نبذ البطالة والمُبطلين ومصاحبة ذوي الهِمم
ليس هناك أشأم على السائر إلى الله من البطالة وصحبة البطالين، فالصاحب ساحب والقرين بالمقارَن يقتدي.
"والبرهان الذي يعطيه السالكون علامة لصدقهم أنهم يأبون إلا الهجرة والانضمام إلى القافلة، ويذَرون كل رفيق يُثَبِّطهم ويُزَيِن لهم إيثار السلامة. ينتفضون ويهجرون كل قاعد، ويهاجرون مع المهاجرين إلى الله، ويطرحون أغلال الشهوات وحب المال عن قلوبهم." من كتاب الرقائق للراشد ص140.
ولما أراد قاتل المائة أن يتوب حقاً قيل له: "اترك أرضك فإنها أرض سوء، واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم". متفقٌ عليه.
فلابد لمن أراد تحصيل المغفرة من شهر رمضان أن يترك المخْلِدين إلى الأرض ويزامل ذوي الهمم العالية كما قال الجُنَيد: "سيروا مع الهمم العالية". وقد أمر الله خير الخلق صلى الله عليه وسلم بصحبة المُجِدِّين في السير إلى الله وترك الغافلين فقال عز من قائل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سورة الكهف – الآية 28]، وقال عز وجل: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [سورة لقمان – الآية 15]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة – الآية 119].
فلو حَسِب الإنسان أن قيام ساعة من الليل إنجاز باهر فهو مغبون لن يعدو قدره، بل سيظل راضياً عن نفسه مانَّاً على ربه بتلك الدقائق التي أجهد نفسه فيها، ولكنه لو رأى الأوتاد من حوله تقف الساعات الطوال في تهجد وتبتل وبكاء – وهم مُتَقَالُّونها – فأقل أحواله أن يظل حسيراً كسيراً على تقصيره مُردداً:
أنا العبد المُخلَّفُ عن أُناسٍ
حوَوْا من كل معروفٍ نصيباً
ونبذ البطالة هجيري الناسك في كل زمان، وقد قيل الراحة للرجال غفلة.
وقال شُعبة بن الحجاج البصري أمير المؤمنين في الحديث: "لا تقعدوا فُراغاً فإن الموت يطلبكم".
وقال الشافعي: "طلب الراحة في الدنيا لا يصلح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان".
وقيل لأحد الزهاد: "كيف السبيل ليكون المرء من صفوة الله؟ فقال: إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة".
وقيل للإمام أحمد: "متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة".
أما البحث عن أصحاب الهمم والمروءات وأصحاب السر مع الله فهي بُغية كل مخلص في سيره إلى الله، قال زين العابدين: "إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه".
وقال الحسن البصري: "إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة".
قال الشاعر:
لَعُمرك ما مالُ الفتى بذخيرةٍ
ولكن إخوان الثقات الذخائرُ
وكان من وصايا السلف انتقاء الصحبة، قال الحسن البصري: "إن لك من خليلك نصيباً، وإن لك نصيباً من ذِكر من أحببت، فاتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس".
فاجتهد أيها الأريب باحثاً عن أعوان المسير أصحاب الهمم العالية، ابحث عنهم في المساجد بالضرورة، اسأل عنهم في مجالس التقاة، لا تستبعد المفاوز لتصل إليهم، ولو اقتدى الأمر أن تعلن في الصحف السيارة: مطلوب مُعينٌ على الخير في شهر رمضان. يا له من إعلان.
ومع هذه الصحبة تتحاثون على تدارك الثواني والدقائق، تحاسبون أنفسكم على الزفرات والأوقات الغاليات، لو فرط أحدكم في صلاة الجماعة وجد من يستحثه على عقاب نفسه، كما كان يفعل ابن عمر.
ترى البطالين يصلون التراويح سُوَيعة ثم يسهرون ويسمرون ويسمدون وتضيع عليهم صلاة الفجر {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [سورة الكهف – الآية 104].
لا أيها الرشيد، تعال أخبرك بحال من اجتمعوا على السير إلى الله: أوقاتهم بالذِكر وقراءة القرآن معمورة، مساجدهم تهتز بضجيج البكاء من خشية الله، تراهم ذابلين من خوف الآخرة، وعند العبادة تراهم رواسي شامخات كأنهم ما خُلقوا إلا للطاعة، ليس في قاموسهم: فاتتني صلاة الجماعة – دع عنك أصل الصلاة -، تراهم في قيامهم وقعودهم مطأطئين على حياء من الله يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
ليلهم، وما أدراك ما ليلهم؟ نحيب الثكالى يتوارى عند نشيجهم {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [سورة الأنفال – الآية 6]، صلاتهم في ظلام تُجلل بأنوار الكرامة، فهم في حُللها يتبخترون، وببهاء مناجاتهم لربهم يتيهون، محا استغفار الأسحار سخائم قلوبهم، فهم في نعيم الأنس يتقلبون، وبلذيذ الخطاب يستمتعون. وهذا الحفظي يخبرنا:
والجنيد يقول طاحت
كل عِلم وإشارة
ورسومات تلاشت
وانمحت تلك العبارة
وركيعات توالت
سحراً فيها البشارة
ورأينا في المآل
ذلك الكنز الدفينا
فاز من قام الليالي
بصلاة الخاشعينا
واعلم أيها النبيه أن من تمام سعيك لتحصيل المغفرة من شهر رمضان أن تبحث لك عن شيخ مُربٍ أريب، قد يكون ظاهراً أو خفياً، قد يكون عالماً أو طالب علم، ولكنك من لحظه ولفظه تعلم أنه صاحب سر مع الله، ومثل هؤلاء يشتهر أمرهم غالباً بين الناس، وإن بالغوا في التخفي فلن تعدم من يدلك عليهم إذا أكثرت التسآل عنهم.
وشرط انتفاعك بهم أن يكونوا من أهل السُنَّة والنسك السلفي، فهؤلاء هم أمنة الأمة وهداتها.
ومثل هؤلاء تنتفع بهديهم ودلهم وسمتهم، وبفعالهم قبل أقوالهم، تراهم في الصلاة نموذجاً للرهبوت والتبتل والتنسك، تكبيرتهم في الصلاة وإن خفتت بها أصواتهم فكأنها صرخة في مجرات الكون بحقيقة أكبرية الله.
الهم إنا نسألك صحبة الصالحين، وألحقنا بهم في جنات النعيم.
كتبه: فضيلة الشيخ رضا بن أحمد صمدي
من كتاب: القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان