14‏/03‏/2011

البيان الخامس للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وآله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد..

فإنَّ الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح بمصر بعد تأكيدها على حماية مكتسبات الثورة المباركة، وحثها للأمة على المضي قدمًا في بلوغ الغاية المنشودة من تحقيق الحريات والحقوق المشروعة والإصلاح الشامل للمجتمع المصري، ترى أنه مِن غير المستغرب –  وقد بدأت معركة التطهير من الفساد ومحاكمة المفسدين – أنْ تسعى قِلة مأجورة لضرب استقرار البلاد عبر مخططات تَعْرِف الأمة مقاصدها المغرضة، ومراميها المفسدة، وانطلاقًا مِن هذه الحقيقة ومما يجري اليوم على أرض مصر الطيبة الآمنة تتوجه الهيئة إلى الأمة بالبيان التالي:

أولاً: استنادًا إلى قول الحق تبارك وتعالى {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191]، تُحذر الهيئة مِن مثيري الفِتن بين مواطني مصر: المسلمين والنصارى، وتؤكد على حقائق الشريعة والتاريخ مِن احترام حقوق الإنسان المشروعة.

ثانيًا: تُنادي الهيئةُ القائمين على أمن البلاد بالضرب بِيَدٍ مِن حديد على مَن يتولى كِبَر إثارة الفِتَن، وتحريك المحن، سواء أكانوا مِن فلول النظام السابق وجلاوزته، أم كانوا ممن يغرِّرون بالأقلية النصرانية.

ثالثًا: تُذَكِّر الهيئةُ نصارى مصر بعمق العلاقات والروابط الإنسانية والاجتماعية وقِيَم العدل والبر وحسن الجوار، ووشائج القربى والمصاهرة مع المسلمين على مر العصور، بما يمتنع أنْ تؤثر فيه الحوادث الفردية أو القضايا الجُزئية الطارئة.

رابعًا: بخصوص الأحداث الجارية فإنَّ الهيئة الشرعية تناشد المسلمين أنْ يَكُفُّوا أيديهم وتدعوهم إلى الصبر على استفزازات قِلة مأجورة؛ سواء أكانت مِن المسلمين أم النصارى؛ حتى تُفَوِّت الفرصة على مَن يريدون جر بلادنا إلى مستنقع الفوضى والحرب الطائفية.

خامسًا: تَطْمَئِن الهيئة إلى قضاء مصر النزيه وتنتظر حُكمه في قضية المسلمة: «كاميليا شحاتة» وأخواتها، وتناشد جموع المسلمين بضبط النفس إلى أنْ يرفع الظلم ويتحقق العدل.

سادسًا: تُنبِّه الهيئة طوائف الدعاة إلى أهمية الوحدة والاعتصام بحبل الله وهُداه، والارتفاع على الحظوظ الشخصية والخلافات الحزبية، وعلى الجميع رعاية مصالح الأُمة الكُلِّية وتقديمها على المصالح الفئوية.

سابعًا: على مختلف الدعاة التنبه إلى خطورة الكلمة وأهمية ضبطها، والحذر مِن الانزلاق في تصريحات إعلامية يستغلُّها مروِّجو الفتن، وعملاء الفساد ضد مصلحة الأمة.

ثامنًا: ترى الهيئة أنَّ التعديلات الدستورية الجديدة مقبولة في الجملة، والتصويت عليها بالموافقة يمهد لقيام مناخ سياسي أفضل وحُريات وحقوق أكمل.

تاسعًا: مع التأكيد على الحق في المطالبات المشروعة إلا أن الاعتصامات والإضرابات الفئوية التي تُعيق الحياة، وتُعَطِّل مصالح المواطنين، وتُكَبد الدولة خسائر فادحة، وتُجهض مكاسب الثورة - هي محرمة، ولا تجوز على هذا النحو بحال.

وفَّق الله مساعي المُخْلِصين، وحَفِظ ثورة المصريين، ووقى البلاد الفتن ما ظهر منها وما بطن.

والحمد لله رب العالمين.


التاريخ: السبت 7 ربيع الثاني 1432هـ / الموافق: 12 مارس 2011م


رئيس الهيئة الشرعية
أ.د. نصر فريد واصل

نائب رئيس الهيئة
أ.د. على أحمد السالوس

الأمين العام
د. محمد يسري إبراهيم

10‏/03‏/2011

شيخ الأزهر يؤم الأمة في الدفاع عن المادة الثانية ولا عزاء للروبيضات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالدعوة السلفية لا تحب أن تتصدر المشهد لا السياسي ولا الدعوي؛ وإنما نشارك من باب: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2).

ومن منطلق شعورنا بالمسئولية تجاه الحفاظ على هوية الأمة، والدفاع عن الجزء المعبر عنه فيها من خلال المادة الثانية من الدستور الحالي، ولأننا شعرنا بوجود تحركات مريبة من بعض الناقمين على الأمة والرافضين لهويتها؛ فقد بادرت الدعوة وقبل تنحي الرئيس السابق وبعدما بدت رائحة أن هناك مَن يعد العدة للقفز على الثورة.
تلك الثورة التي خرج فيها شباب يمثلون شعب مصر، معظمهم من الشباب المسلم الواعي الذي خرج ضيقًا رغم تحفظ "الأزهر" وتحفظ "الدعوة السلفية" على الخروج، وهو الموقف الذي يأتي توضيحه في ثنايا هذا المقال.
ولكن هؤلاء الشباب استجابوا لآراء شيوخ أزاهرة آخرون منهم المتحدث باسم الأزهر الأستاذ "الطهطاوي"، واستجابة لآراء دعاة سلفيين آخرين، بالإضافة إلى تواجد "الإخوان" بكامل طاقاتهم منذ تحولت المظاهرات إلى ثورة.
ووُجد مع هؤلاء بعض شباب النصارى، وهم مِن جملة النصارى العقلاء الذين يدركون أن مصلحتهم في الاندماج في المجتمع، وأن السياسيين يتلاعبون بهم؛ بينما متى وُجِد مع ذوي الديانة كان حقه عندهم ليس منة منهم؛ بل واجبًا دينيًا يمليه عليه دينهم.
وقد لجأ بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية إلى الشريعة الإسلامية ليحمي نفسه من طغيان العالمانية التي أرادت أن تفرض عليه قانونًا يخالف ما يراه تشريعًا دينيًا عنده -بغض النظر عما نراه نحن في هذه القضية-.
إذن فالشباب المصري بأغلبيته المسلمة ومَن شارك معهم مِن النصارى خرج ليرفع الظلم عن الشعب، لا لكي يستبدله بظلمٍ آخر أشد مِن استبداد طائفة قليلة مِن الأمة ممن انبهر أو بُهر بالنموذج الغربي، ويريدون أن يفرضوه على الأمة وعلى شبابها.

ولذلك فقد حرص الدكتور "محمد يسري" الذي يدير تكوين "الجبهة الشرعية للحفاظ على الحريات" أن تكون الصدارة لعلماء أجلاء مِن الأزهر على رأسهم الشيخ "نصر فريد واصل" مفتى الديار الأسبق، وانضم إلى هذه الحملة جمع كبير من رموز السلفية منهم الشيخ "محمد إسماعيل" والشيخ "سعيد عبد العظيم" والشيخ "أحمد فريد" والشيخ "ياسر برهامى".

وأما الآن وقد تكلم "شيخ الأزهر" بكل ما يحمله هذا المنصب من قوة وتأثير؛ فنحن في قمة السعادة والفرح، ونحن نطير بتصريحاته، ونكون جنودًا مخلصين في نقلها وإلى أقصى الآفاق؛ ليعلم الجميع أنه إذا تعلق الأمر بالهوية الإسلامية فالأمة كلها يد واحدة، و"الأزهر" وشيخه في الصدارة.
وجاءت تصريحاته عن المادة الثانية في الدستور لجريدة "اليوم السابع" في غاية القوة والوضوح، حيث أكَّد -حفظه الله-: "أن المادة الثانية من الدستور ليست مطروحة للتغيير أو التحديث، والاقتراب منها بمثابة محاولة لنشر الفتنة، فالمادة الثانية من الدستور هي من ثوابت الدولة والأمة، والحديث في تلك المادة هو مصادرة للديمقراطية التي نأمل الوصول إليها، ومصادرة على الحريات".
كما أن "شيخ الأزهر" ملك الشجاعة الكافية ليعترف أنه نهى عن المظاهرات لما غلب على ظنه من مفاسدها، ولكنه في ذات الوقت يحيي الشباب الذي ضحى بنفسه في سيبل إزالة المظالم، حيث قال:
"فالموضوع كان غامضًا، وإننا في الأزهر نقول ما يمليه علينا الحق والشرع، وما قلته يوم الجمعة من أن الخروج للمظاهرات حرام، فقد بدا لي أن الشباب مستمرون، وأن النظام سيتم ضبطه بتدخل الجيش، وأن خروج أعداد متزايدة للوقوف بجانب الشباب سيؤدي إلى وجود دماء، فكان الخلق يحتم علىَّ قول ذلك".
وهذا يوافق إلى حد كبير موقف الدعوة السلفية بالإسكندرية، إلا أننا لم نفت بتحريمها، ولم نلزم أحدًا بعدم الخروج، ولم نخوِّن أحدًا منهم خرج؛ بل طالبنا السلطات علنًا ودومًا بالحفاظ على الدماء والأموال والأعراض.

إذن "الأزهر" لم يسع إلى اختطاف الثورة.
و"الدعوة" لم تسع إلى اختطاف الثورة.
ولم نغير كلامنا بعد نجاحها؛ بل ما زالنا نُعَلِّم الأمة ضرورة قياس المصالح والمفاسد بِغَض النظر عن نجاح تجربةٍ ما، سارت على خلاف ما حسب لها الجميع رحمة من الله -عز وجل-.

ولكن مَن يريد أن يختطف الثورة بالفعل:
بعض الصحافيين الذين كانوا -هم أو الجرائد التي يعملون فيها على الأقل- خط الدفاع الأول عن الفساد، وكانوا يرون أن مصر تعيش أزهى عصور الحرية، وكانوا يرون أن "أحمد عز" يمثل نموذج لـ "رجل الأعمال الشريف" و"السياسي المحنك"، وأن فشل المعارضة و"الإخوان" في انتخابات "مجلس الشعب" السابقة راجع إلى حب الناس للرئيس، ولنجل الرئيس، ولنظام الحكم عمومًا!
ثم لما خرج الشباب لم يقولوا لهم: "نخاف عليكم من بطش الظالمين" كما قلنا نحن بمنتهى الوضوح، وكما قال "الأزهر" أيضًا، ولكن قالوا لهم: "يا عديمي الأدب ومنعدمي الضمير، كيف تعيثون في الأرض فسادًا وتفسدون واحة الديموقراطية؟".
ثم لما نجحت الحركة غيَّروا الدفة 180 درجة ليتكلموا عن الأبطال الذين حرَّروا مصر من عصابة الأشرار، ومع ذلك أعرض عنهم الجميع لأنهم لا يتسأهلون الرد.

حتى خرج علينا أحدهم يحذر مِن أنَّ السلفيين سوف يسرقون الثورة لمجرد أنهم قالوا "لا مساس بهوية الأمة" "ولا مساس بمادة الشريعة في الدستور تلك المادة التي تؤمن بها الأغلبية الساحقة من المتظاهرين".
وبفرض أن هؤلاء القوم يظنون أن الأغلبية معهم؛ فما الذي يزعجهم أن ينظم فريق من الناس مؤتمرًا علميًّا سلميًّا هادئًا يوضحون فيه رؤيتهم، ويكسبون الأنصار لفكرتهم -إذا افترضنا أنها خاصة بهم-، أليست هذه هي حرية الرأي التي يزعمون أنهم يؤمنون بها؟ أم أنهم ما زالوا متوهمين أنَّ حرية الرأي مرادفة لحرية الطعن في الدين، وأما الدفاع عنه فلا مجال فيه إلا للبلاغات الأمنية؟!
نعم هذا هو الأسلوب الذي يجيده بعض مَن يزعمون التحرر والتنور، لا يجيدون إلا الاستغاثة بالأجهزة الأمنية؛ لأنهم أعجز مِن أن يناقشوا قضية الانتماء إلى الدين والالتزام بأحكامه.

ولكن لما كانت الحالة الأمنية لا تحتمل الآن الاستغاثة بالأمن وجَّه الصحفي "أشرف صادق" في جريدة الأهرام -الصادرة بتاريخ13 من ربيع الأول 1432 هـ - 16 فبراير 2011م- نداءه إلى الجيش لكي يتدخل، وكأن الغزو الإسرائيلي قد حل بالبلاد، وهذه الجريدة وهذا الكاتب لم نسمع منهما استغاثة بالجيش لما هاجم البلطجية الشباب المعتصمين في التحرير، ولكننا -بفضل الله- كنا فيمن ناشد الجيش أنه لا يصح التزام الحياد بين فريقين أحدهما أعزل و الآخر مدجج بالسلاح ومجهز بالخيل والجمال، وقد كان بفضل الله.
ويا أيها المستغيث بالجيش: لقد رأى رجال القوات المسلحة بأنفسهم السلفيين وهم يحمون المجتمع بأسره من مسلمين ونصارى.
والجيش لم يجد أفضل من إرسال رسائل قصيرة على المحمول يشكر إخواننا السلفيين في العريش لصدهم هجومًا استهدف كنيسة.
الجيش الذي تسلم الأسلحة والمسروقات بالتعاون مع السلفيين -الذين وفقهم الله لاسترجاعها من أيدي العابثين- يدرك أن السلفيين يريدون مصلحة البلاد والعباد.
ترى هل يضم هذا الكاتب "شيخ الأزهر" إلى بيانه التحريض؟ أم يعتذر عنه؟ أم يسكت أبد الدهر؟
أم يستمر مغردًا خارج السرب؟ فلا "الأزهر" سيتراجع، ولا السلفيون سيتوقفون، ولا الجيش سيوجه سلاحه إلى الشعب لا سيما مَن لمس منهم حرصًا حقيقيًا على مصلحة العباد، ولا الشعب سوف يسمع لمن يدعوه بمثل هذه الدعوات، وقبل هذا وبعده.. فإن الله من ورائهم محيط.

كتبه/ عبد المنعم الشحات
14-ربيع أول-1432هـ   17-فبراير-2011

06‏/03‏/2011

دِفاعاً عنْ أهلِ العِلْم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين،
وبعد،

يؤلمني، كما يؤلم كلَّ غيورٍ على دينِ الله، فُشُو ظاهرة التطاولِ على أهلِ العِلم، فكَثُرَ ((مَن يتتبعون عثرات العلماء ويتصيدون زلاتهم، ويفرحون بها ويستثمرونها في تأثيمهم والتشهير بهم والتشنيع عليهم، لإهدار قدرهم وإسقاط منزلتهم وإحباط محاسنهم وجحود فضائلهم، بدافع التعصب الأعمى أو التحزب الجاهلي، أو التآمر لتحطيم قِمم الإسلام ورموز نهضته)) [الإعلام بحُرمةِ أهل العِلم والإسلام – محمد إسماعيل المقدم (ص368)].
فقد يتطاول الجاهلُ على العلماء لفتوى لهم خالفت هواه، أو موقفٍ منهم استعصى عليه فهمه لقِلة علمه، أو لبُغضٍ مفضوح لدينِ الله والذي يمثله هؤلاء العلماء. ومِن العجيب أنَّ هذا الداء لم يقتصر على أعداء الدينِ ولا حتى عَوَام الناس، بل أصابت العدوى بعض مَن ينتسبون زوراً لطلب العِلم، والعِلم منهم براء.
ولا أجدُ لتلك الظاهرةِ تفسيراً إلا نقصِ العِلْمِ وانتشار الجهلِ بين المسلمين، فَقَلَّ الآن مَن يوَقِّر العالِمَ ويُنزِله مَنزلته التي يستحقها، وإنَّا لله وإنَّ إليه راجعون.

ولهذا كانت هذه الكلمات اليسيرة، نُصحاً للأُمَّة، ورداً لغيبة علمائنا ودفاعاً عن أعراضهم، عرفاناً بالجميل الذي طَوَّقوا به أعناقنا.

§      مكانة العِلم والعلماء
قال سفيان الثَوْري: ((لا أعلم مِن العبادة شيئاً أفضل مِن أنْ تُعلِّم الناس العِلم)) [جامع بيان العِلم وفضله- عُمَر بن عبد البَّر (ج1/ص211)].
ولقد حَثَّ الإسلامُ على طلبِ العِلم، وأثنى على العلماءِ ومَدَحَهم، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة – الآية 11]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُكم مَن تَعَلَّم القُرآنَ وعَلَّمَه)) [صحيح البخاري – (5027)].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر – الآية 28]، قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: ((وهذا دليلٌ على فضيلة العِلم، فإنه داعٍ إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته)).
وفَرَّقَ الإسلام بين العلماء وبين غيرهم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر – الآية 9]،
و العلماء هُم مَن أراد اللهُ بهم الخير؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن يُرِد اللهُ به خيراً يُفَقِّهه في الدِّين)) [صحيح البخاري - 71].
والعِلم طريقٌ إلى الجنة، وهو إرث الأنبياء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سلك طريقاً يلتمس فيه عِلماً سَهَّل الله له طريقاً إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها رِضاً لطالب العلم، وإنَّ طالب العلم يستغفر له مَن في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضلِ القمر على سائر الكواكب، إنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يوَرِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثوا العِلم فمَن أخذه أخذ بحظٍ وافر)) [صحيح ابن ماجة - الألباني (183)].
والعِلم ينفع المسلم بعد موته؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا مِن ثلاثة؛ إلا مِن صدقةٍ جاريةٍ، أو عِلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) [صحيح مسلم - 1631].
ومَثَل العلماء في الأمة كمَثَل النجوم في السماء الحالكة، فهم منارات على سبيل الهدى، ووظيفتهم النُّصح للأمة ورفع الجهل عنها وتذكيرها بالله؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل – الآية 43]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة – الآية 122].

§      التأدب مع أهل العِلم وتوقيرهم
مِن الأدب مع العلماء إنزالهم المنزِلة التي يستحقونها، فحِفظ منازل الكِرام مِن شِيَم النبلاء، ولا يبخس حقَّهم إلا الجهلاء.
ومِن الأدب معهم الإقرار بفضلهم، قال الشاعر:
((إذا أفادك إنسانٌ بفائدةٍ             مِن العلوم فأدْمِن شكرَه أبداً
وقُل فُلانٌ جزاه الله صالحةً            أفادنيها وألقِ الكِبْر والحسد))
[ذيل طبقات الحنابلة (ج2/ص87)].
ومِن الأدب معهم كثرة مخالطتهم، والانتفاع بعِلمهم وسَمتهم، والاقتداء بهَدْيهم؛ قال الشاعر:
((فخالِط رواة العِلم واصحب        خيارَهم فصحبتهم زين وخلطتهم غنم
ولا تَعْدُوَنَّ عيناك عنهم فإنهم          نجومٌ إذا ما غاب نجمٌ بدا نجم))
[جامع بيان العِلم وفضله - عُمَر بن عبد البر (ج1/ص220)].
ومِن الأدب معهم حفظ حُرمتهم ورد غيبتهم، وهذا حقُّ الأُخُوَّة، وأهل العِلم أولى به.
ومِن الأدب معهم حُسْن الظن بهم، والتماس الأعذار لهم، والنُّصحِ لهم بلا تجريح ولا تشهير.

§      شؤم الإساءة لأهل العِلم
اعلم رحمك الله أنَّ لحوم العلماءِ مسمومة، وأنَّ لأهلِ العِلم حُرمةٌ لا ينبغي انتهاكها.
واعلم أننا مسؤلون عن كل ما نقول، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق – الآية 18].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ العبد ليتكلم بالكلمة مِن رضوان الله، لا يلقي لها بالاً، يرفع الله بها درجات، وإنَّ العبد ليتكلم بالكلمة مِن سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم)) [صحيح البخاري - 6478].
واعلم أيضاً أن الطعن في العلماء طعنٌ في الدين، قال مالِك بن دينار: ((كفى بالمرءِ شراً أنْ لا يكون صالحاً، وهو يقعُ في الصالحين)) [شُعَب الإيمان - البيهقي (ج5/ص316)].
وقال عبد الله بن المبارك: ((مَن اسْتَخَفَ بالعلماء ذهبت آخرته))، [سِيَر أعلام النبلاء - الذهبي (ج8/ص408)].
وقال ابن الأذرعي: ((الوقيعة في أهل العِلم ولا سيما أكابرهم مِن أكابر الذنوب))، [الرد الوافر (ص197)].

§      أدب الخلاف
يجب التفريق بين مسائل الاختلاف ومسائل الافتراق، وبين ما يسوغ فيه الخلاف وما لا يسوغ فيه، وينبغي معرفة فِقه الإنكار على المخالِف.
فكثيرٌ مِن المسائلِ تَقْبَلُ الاجتهاد وتَعَدُّد  الآراء، بخلاف المسائلِ الثابتةِ بنصٍ قاطِعٍ فلا يُقْبلُ فيها أكثر مِن قَوْل.
والخَلْط بين تلك الأمور والجهل بها يُعَدُّ مِن أهم أسباب الخلل والشطط.
وإنْ أخطأ العالِم الثقة المشهود له بالصَّلاح والديانة في مسألةٍ ما، فلا يُترَك ما عنده مِن خيرٍ وعِلمٍ بسسب زلته، بل يُقتدى به فيما أصاب فيه ويُطرح ما سواه، مع حِفْظ ما لذلك العالِم مِن قَدْر وحشمة.

§      نصيحة أخيرة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلْيَقُلْ خيراً أو لِيَصْمُتْ))، [صحيح البخاري - 6136].
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض مِن شيء أحوج إلى طول سِجن مِن لسان)) [رواه الإمام أحمد في الزُهد - 162].
فإمساك اللسان عن السوء نجاة للمؤمنين، وأهلُ العِلم والفضل أولى بإمساك ألسنتنا عنهم.
وينبغي التثبت مِن الأخبار وعدم نَقْل كل ما يُسمَع، فلا يورِثُ ذلك إلا الندامة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة الحُجُرات – الآية 6].

وأختِمُ بتلك الأبيات التي نُسِبَت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:
((ما لفَضْلٍ إلا لأهلِ العِلم إنهم           على الهُدى لمن استهدى أدِلاء
وقَدْر كل امريء ما كان يُحسنه         وللرجال على الأفعال أسماء
وضد كل امريء ما كان يجهله           والجاهلون لأهل العِلم أعداء))
[جامع بيان العِلم وفضله - عمر بن عبد البر (ج1/ص218-219)].

وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه:
أبو إسماعيل حاتم الحاجري، عفا الله عنه

03‏/03‏/2011

المادة الثانية من الدستور بين التفعيل والتعطيل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنحاول في هذا المقال مناقشة المادة الثانية مِن الدستور المصري، وخطورة التعرض لها بإلغاء أو تعديل إلى صيغة أضعف مما هي عليه الآن.
وفي هذا السياق نحتاج إلى التذكير السريع بعدة نقاط موجزة قبل الشروع في المقصود، ونرجو مِن الله أن نتمكن مِن تفصيل هذه النقاط المجملة في مقالات قادمة -بإذن الله-.

1- عَرِف الغرب في تاريخه عدة نظم للحكم كان أبرزها:
أ- الدولة الدينية: والتي يحكم فيها أفراد يزعمون استمرار نزول الوحي عليهم بنظرية التفويض أو الإلهام، ومِن ثمَّ ففي كل ما يحدث مِن حوادث لا يجوز لمَن يؤمن بهذه الدولة ودينها أنْ يخالف رأي هذه الطائفة، وهو مذهب أوروبا في العصور الوسطى.
ب- نظام الحكم العالماني: الذي عرفته أوروبا قبل النصرانية، ثم عادت إليها بعد أن اكتوت بنيران الطغيان الكنسي، ويتكون في صورته الأكثر قبولاً الآن مِن النموذج الديمقراطي الذي يجعل الشعب هو مصدر السلطات، ويُقسِّم السلطة إلى ثلاث سلطات: تشريعية، وقضائية، وتنفيذية.

2- نظام الحكم الإسلامي يخالف كلاً مِن النظامين الغربيين خلافًا جذريًا؛ فالشريعة فيه حاكمة على كل أحد، وحق التشريع فيه حق خالص لله -عز وجل-، (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ) (الأنعام:57).
والرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلِّغ: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (النجم:3).
والمجتهدون مستنبطون: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83).
والقضاة مثلهم مثل القضاة في أي نظام؛ يطبقون التشريع الذي يأتيهم مِن المشرِّع.

3- يحلو للمطالبين بتطبيق نظام الحكم العالماني في بلادنا أن يُسموه: "نظامًا مدنيًا"؛ هروبًا مِن الظلال السيئة لكلمة: "العالمانية"؛ ولأن كلمة: "مدنية" قد تُظن أنها ضد العسكرية أو ضد الهمجية مما يضفي عليها قبولاً، بينما يريدون بها: "الدولة العالمانية" التي تفصل الدين عن الحياة؛ لا سيما وأنَّ معظمهم يُظهِر تدينًا في الجزء الذي تسمح به العالمانية "العلاقة الخاصة بين العبد والمعبود الذي يختاره"!

4- لا يجوز لنا بحال مِن الأحوال أن نخفض سقف آمالنا ومطالبنا العادلة في أن نعيش الإسلام كما شرعه الله لنا؛ "منهج حياة":(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).
نريد أن نعيش والإسلام هو مصدر نُظُم مجتمعنا، كما أنه مصدر عقيدتنا وعبادتنا، ولكن حتى تأتي هذه اللحظة لابد لنا مِن تقليل الشر والفساد.
ومِن ثمَّ فمتى عشنا في دولة مدنية فيجب علينا أن نحاول قدر الإمكان أسلمة ما يمكن منها دون التنازل عن توضيح الصورة الواجبة المطلوبة، وإلا فلو حصلنا على بعض إصلاحات فوصفناها بأنها هي المطلوب شرعًا؛ فسيكون هذا تحريفًا للدين وخيانة للأجيال القادمة.

5- الدولة المصرية الحديثة في مصر أسسها "محمد علي" وأبناؤه كانت ذات توجه عالماني ساهم في تكريسه الاحتلال الفرنسي ثم الإنجليزي لمصر، والذي حرص على إقامة دولة عالمانية في مصر؛ لقطع الطريق عليها في إعادة الاندماج في دولة الخلافة، أو أن تكون هي عاصمة الخلافة الجديدة بعد سقوط الخلافة في تركيا، وقد ولدت الدولة المصرية مستكملة لأركان الدولة المدنية الحديثة في وقت مبكر جدًا.

6- الذي يعنينا في هذا الشأن هو الكلام على الجانب التشريعي الذي حرص الاحتلال على تكريس العالمانية فيه عن طريق: وضع دستور مكتوب، ثم قانون مدني مكتوب يُكرِّس لمبادئ العالمانية، والتي استطاعت الصحوة الاسلامية أن تنتزع تحسينات جوهرية عليه لا يجوز بحال التفريط فيها، وتمثلت في شلِّ التوجه العالماني في النظام التشريعي عن طريق ذكر مرجعية الشريعة في الدستور.

7- في ظل التحرش بالمادة الثانية مِن الدستور الآن: نريد أن نعرف بعض الخلفيات القانونية، والتاريخية.. يأتي بيانها في النقاط التالية:

8- ما هو الدستور؟
السلطة التشريعية هي: إحدى السلطات الثلاث التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة المدنية، وهو أخطرها على الاطلاق.
والنظام الديمقراطي يجعل الشعب هو مصدر هذه السلطات؛ ومن ثَمَّ فقد جرى العمل على أن تُصاغ تطلعات الأمة وتوجهاتها العامة في شكل قواعد محددة تمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطات الثلاث، وتبين كيفية إفراز هذه السلطات، و يصطلح على تسميتها بالدستور، وهو أشبه ما يكون في علومنا الشرعية بعلم: "القواعد الفقهية".
إذن فالدستور هو: "أبو القوانين" المهيمن عليها، بل هو الموجه الرئيسي لأداء السلطة التنفيذية، ويُعرِّفه القانونيون بأنه هو: "القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة "بسيطة أم مركبة؟"، ونظام الحكم "ملكي أم جمهوري؟"، وشكل الحكومة "رئاسية أم برلمانية؟"، وينظم السلطات العامة فيها مِن حيث التكوين والاختصاص، والعلاقات التي بين السلطات، وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لها تجاه السلطة".

9- وضع أول دستور مصري عام 1882، وكان عالمانيًا قحًا، ولم يكن فيه أدنى إشارة إلى هوية الأُمة وتميزها عن أُمة الاحتلال.

10- وكردِّ فِعْلٍ للمَد الثَوْري في مصر تم وضع دستور 1923، والذي لم يختلف كثيرًا عن سابقه في احتقار هوية الأمة، وهو شيء طبيعي لدستور كُتِب في ظل الاحتلال.
وتمثل هذا في:
- خلو الدستور من أي ذِكْر للشريعة الاسلامية.
- وضع المادة الخاصة بدين الدولة ولغتها في ترتيب متأخر جدًا في الباب السادس مِن الدستور المعنون بعنوان: "أحكام عامة" وبرقم: 149.
فهل يمكن بعد ذلك لمسلم أن يعطي صوته لمرشح لمنصب الرئاسة ينادي بالعودة إلى دستور 1923؟!

11- ظهرت الشريعة على استحياء في القانون المدني المصري لعام 1949، والذي تضمن خطابين: أحدهما: للسلطة التشريعية، والثاني: للسلطة القضائية، ووضع الشريعة في المرتبة الثالثة لكل منهما.
فأما السلطة التشريعية: فقد خاطبها باستمداد الأحكام مِن:
1- أحكام القانون المدني السابق، والذي صدر عام 1883 في ظل دستور 1882.
2- القوانين اللاتينية لا سيما الفرنسي.
3- ثم جاءت الشريعة الإسلامية في المرتبة الثالثة.
وأما القاضي فخاطبه أن يحكم:
1- بالمنصوص عليه في القانون.
2- فإن لم يجد فبالعرف.
3- فإن لم يجد حَكَمَ بالشريعة الإسلامية.

12- قامت ثورة يوليو 52، وألغت العمل بدستور 1923، وأصدرت بعده عدة بيانات دستورية لا ترقى إلى أن تكون دستورًا.

13- بعد نكسة يونيو 67 ظهرت الروح الإسلامية قوية، وعرفت الأمة أنها لا عِز لها إلا في الاسلام.

14- ظهر هذا جليًا في الدستور الدائم لمصر عام 1971، والذي اعتنى بهوية الأمة؛ فكان نص المادة الثانية منه -والتي تقع في الباب الأول الذي يتكلم عن شكل الدولة-: "دين الدولة الرسمي الإسلام، ولغتها العربية، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيها".

15- كان مِن نتاج ذلك أنْ وافقت الأمة على الدستور، وانطلقت عجلة الإصلاح التي كان مِن نتاجها صور البطولة النادرة التي أظهرها الجنود في حرب العاشر مِن رمضان، والتي استعمل الجيش فيها العمليات الاستشهادية لتفجير حقول الألغام، وسد فوهات الدبابات برؤوسهم وأجسادهم.

16- بعد الحرب بدأت عجلة القوانين المخالفة للشريعة تدور، وبالطعن عليها أمام المحكمة الدستورية العليا كان التفسير: "إنَّ وجود مصدر رئيسي لا يعني عدم وجود مصادر فرعية"؛ مما يعني أن المادة عديمة الفائدة.

17- وفي عام 1980، وعندما أراد الرئيس المصري آنذاك أن يفتح مُدَد إعادة الترشيح للرئاسة، وحتى يَقبل الناس ذلك في الاستفتاء أدخل معها تعديلاً على المادة الثانية باضافة "ال" إلى كلمة مصدر؛ لتصبح: "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي مِن مصادر التشريع".

18- عند الطعن بعدم دستورية بعض الأحكام المخالفة للشريعة قررت المحكمة الدستورية العليا ثلاث نقاط في غاية الأهمية:
الأولى: أنَّ المادة بهذه الصياغة تمنع مِن سَن قوانين جديدة مخالفة للشريعة.
الثانية: أنَّ المادة تخاطب السلطة التشريعية لا القضائية، ومِن ثمَّ فلا يجوز للقاضي أنْ يترك القانون الصادر عن السلطة التشريعية بحال، ومهما كان مخالفًا للشريعة.
الثالثة: أنَّ القوانين التي سبق سنها قبل هذا التعديل الدستوري اكتسبت حصانة دستورية، ولا يمكن إسقاطها إلا بنص صريح مِن السلطة التشريعية.
وبناء عليه: فإننا نطالب بتفعيل المادة الثانية مِن الدستور على كل القوانين السابقة على هذا التعديل؛ لتكون كل القوانين موافقة للشريعة.

19- سؤال: هل حمت "المادة الثانية" مصر مِن فساد الجهات التنفيذية؟ وهل أفادتها تشريعيًا؟
الجواب: إنَّ التشريع حتى إن كان شرعيًا مائة بالمائة لا يمكن أن يمنع فساد التنفيذ، وإنما مَنْع فساد التنفيذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم ترك الظلم ينمو حتى يصير أمرًا واقعًا، وأما تشريعيًا فنحن بحاجة إلى تفعيل المادة حول القوانين القديمة.
وأما الحديث منها: فقد وقفت هذه المادة أمام القوانين الكارثية التي طالبت مؤتمرات السكان بها -على سبيل المثال-: من إباحة الشذوذ، والاجهاض، وغيرها مِن القوانين.. ولم يمر إلا ما وجد له بعض العلماء -أصلحهم الله- مخرجًا: كرفع سن الرشد إلى ثمانية عشر عامًا استنادًا لمذهب منسوب إلى أبي حنيفة -رحمه الله-، ولكنهم طبقوه على غير وجهه، ويكفي أنْ تعرف أنَّ ثمانية عشر عامًا قمرية تعادل نحو ستة عشر عامًا ونصف العام شمسية، ومع هذا فهذا العور كاف في الطعن بعدم دستورية ذلك القانون.

20- مع الأخذ في الاعتبار أنَّ هذه المادة لها أثر كبير في شكل العلاقة بين المواطنين ونظام الحكم، وفي حذفها توهين شديد لها.

21- الحاصل: يجب على جميع الأمة:
1- الرفض القاطع لأي استفتاء يجرى على حذف هذه المادة، مهما وضع في هذا الاستفتاء مِن محفزات أخرى تغري بالموافقة.
2- الرفض القاطع لأي تعديل لنصها، لا سيما التعديل الخبيث المتوقع بحذف "ال".
3- رفض إلغاء الدستور الحالي، بل تعديل كل المواد المطلوب تعديلها منه مع بقائه؛ ضمانًا لبقاء هذه المادة.
4- وفي حالة إلغاء الدستور وعمل أي دستور جديد لا يتضمن هذه المادة لا يصوَّت عليه بالموافقة؛ مهما كان مدغدغًا للعواطف بدون هذه المادة.
نحن ورثنا وضعًا ما، إما أنْ نُصلحه، أو على الأقل نحافظ عليه.
وأما أنْ نزيده سوءًا؛ فلا.. وألف لا..
وفقنا الله لما يحب ويرضى.

كتبه: عبد المنعم الشحات
11-ربيع أول-1432هـ   14-فبراير-2011