17‏/10‏/2009

الرد المبين على من قال أن النقاب ليس من الدين

عجبتُ للهجوم الشديد هذه الأيام على النقاب، وزَعْم بعض أعضاء المؤسسة الدينية الرسمية ممثلةً في الأزهر ووزارة الأوقاف- وعلى رأسهم شيخ الأزهر ووزير الأوقاف- على أن النقاب ليس من الدين وأن هذا إجماع العلماء، وتابعهم في ذلك الكثير من الكُتاب وقليلي العلم. ولا أعلم حقيقةً كيف يجرؤ هؤلاء على هذا القول الباطل.

ومِن المعلوم أن مشروعية النقاب من المسائل المستقرة عند المسلمين منذ أكثر من ألف عام، ولم يقل أحدٌ قط من أهل العلم أن النقاب ليس من الدين وأنه عادة وليس عبادة. بل الخلاف المشهور بين الفقهاء عبر العصور في مسألة تغطية المرأة المسلمة وجهها ينحصر في فريقين؛ فريق يرى أن الوجه والكفين للمرأة ليسا بعورة وأن سترهما مستحب وليس بواجب في حالة أمن الفتنة، والفريق الآخر يرى أن جميع بدن المرأة عورة ويجب عليها ستر الوجه والكفين. وكل من الفريقين له أدلته المعتبرة والخلاف بينهما سائغ ويجب احترام قول كل فريق منهما وعدم إنكار أي من الفريقين على الآخر.

ومن المعروف عند علماء الأصول أن الوجوب والاستحباب من الأحكام التكليفية الخمسة، وأن أمور العبادات إما أن تكون واجبة؛ أي أن الشارع طلب فعلها على سبيل الجزم فيؤجر فاعلها ويأثم تاركها، وإما أن تكون مستحبة، أي لم يطلب الشارع فعلها على سبيل الجزم فيؤجر فاعلها ولا يأثم تاركها. ومن أمور العبادات ما قد يكون ممنوعاً محظوراً كالبدع المحدثة في الدين التي لم يرد بها دليل شرعي، وفي هذه الحالة لا يصح نسبتها إلى الدين أو الاعتقاد بأنها من العبادات، وفي هذه الحالة يأثم فاعلها. إذن فتغطية المرأة وجهها أمر مشروع ومِن الدين عند الفريقين، وتُؤْجَر بإذن الله على فعله المرأة المسلمة في كلتا الحالتين ولا تأثم عليه.

وهذا يُعَّد إجماعاً على مشروعية النقاب وأنه ليس بعادة. ويتبين من هذا أن الخلاف بين العلماء ينحصر في الوجوب أو الاستحباب فقط ولم يقل بغير هذا أحد من أهل العلم من قبل.

وهذه بعض أقوال أهل العلم في تفسير الآية 59 من سورة الأحزاب، التي يُستدل بها على أن النقاب مشروع، أي من الدين:

قال الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة الأحزاب - الآية 59]

· قال الإمام بن جرير الطبري: "فقال بعضهم: هو أن يُغطين وجوههن ورؤوسهن، فلا يُبدين منهن إلا عيناً واحدة" ثم نقل أدلة من قال ذلك كعبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن سيرين، ثم قال رحمه الله: "وقال آخرون: بل أُمِرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن" ونقل أيضاً أدلة من قال ذلك كقتادة ومجاهد.

"جامع البيان عن تأويل آي القرآن" ج22 ص45-47.

· قال الإمام أبي بكر الجصاص (وهو من أئمة الحنفية): في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.

"أحكام القرآن" ج3 ص371-372.

· قال الزمخشري: يغَُطِين وُجُوهَهُن وأعطافهن.

"الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" ج3 ص274.

· قال القاضي أبو بكر بن العربي (وهو من أئمة المالكية): قيل معناه تُغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل تُغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى.

"أحكام القرآن" ج3 ص1585-1587.

· قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي: قال ابن قُتيبة: يلبس الأردية، وقال غيره: يُغطين رؤوسهن ووجوههن ليُعلم أنهن حرائر.

"زاد المسير في علم التفسير" ج6 ص422.

· قال الإمام فخر الرازي: يمكن أن يقال: المراد أنهن لا يزنين، لأن من تستر وجهها – مع أنه ليس بعورة لا يُطمع فيها أنها تكشف عورتها، فيُعرفن أنهن مستورات، لا يمكن طلب الزنا منهن.

"مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)" ج6 ص591.

· قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: الجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنه الرداء، وقد قيل إنه القناع، والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. وقال أيضاً: وقد قيل إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والإماء.

"الجامع لأحكام القرآن" ج14 ص423-244.

· قال الإمام القاضي البيضاوي (وهو من أئمة الشافعية): يُغطين وجوههن وأبدانهن بملافحهن إذا برزن لحاجة.

"أنوار التنزيل وأسرار التأويل" ج2 ص280.

· قال الإمام عبد الله النسفي (وهو من أئمة الحنفية): يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن.

"مدارك التنزيل وحقائق التأويل" ج3 ص79.

· قال الحافظ جلال الدين السيوطي:جلابيبهن جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عيناً واحدة.

"تفسير الجلالين" لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي ص457.

· ونقل القول بالوجوب أيضاً في تفسير هذه الآية: الإمام البغوي في تفسيره "معالم التنزيل"، والخازن في "لُباب التأويل في معالم التنزيل"، وغيرهم.

وغيرها كثير من أقول أهل العلم في تفسير هذه الآية وغيرها من الآيات (كالآية 31 من سورة النور فارجع إليها).

وقال الشيخ عبد الرحمن الجزيري في كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة" ج1 ص155-156، مبحث ستر العورة خارج الصلاة، كتاب الصلاة: أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو إمرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة. ثم قال: الشافعية قالوا إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي، أما بالنسبة للكافرة فإنهما ليسا بعورة.

وأنا لا أعلم كيف يتم إخفاء أقوال هؤلاء الأئمة والتغاضي عنها وتجاهلها كأنها غير موجودة وكأن النقاب بدعة محدثة نشأت مؤخراً. هل نُحسِن الظن بمن يدَّعوا أن النقاب بدعة ونقول أنهم جهلاء ولم يقرأوا أياً من كتب الفقه أو التفسير وبالتالي لم يعلموا بمشروعية النقاب؟ أم أنهم علموا الحكم الشرعي ولكنهم لسبب ما في أنفسهم لم ينقلوا تلك الأقوال وتجاهلوها وجاءوا بقولٍ جديد مخترع لم يسبقهم إليه أحد وهو أن النقاب ليس من الدين؟ فإما الجهل وإما غياب الأمانة العلمية والتلبيس على الناس، وفي كلتا الحالتين لا ينبغي أن يُسمح لهؤلاء بالتكلم باسم الدين.

بل ومن العجيب أن د. محمد سيد طنطاوي نقل مشروعية تغطية المرأة وجهها في تفسير سورة النور الآية 31 وتفسير سورة الأحزاب الآية 59، وذلك في تفسيره المسمى بـ"التفسير الوسيط".

ومن العجيب أن حُكم مشروعية النقاب موجود في كتب التفسير والفقه التي تدرس حالياً بالأزهر الشريف.

وقَوْل شيخ الأزهر، أو غيره، ليس بحُجة ولا يجوز الأخذ به إن خالف قوله النصوص الشرعية وإجماع علماء المسلمين عبر العصور، والمنصب لا يعصم صاحبه من الخطأ ولا الزلل، وإنما كل إنسان يؤخذ من قوله ويُرَد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل إن الأئمة الأربعة وغيرهم نهوا عن الأخذ بأقوالهم إن تبين لأحد من بعدهم مخالفة أقوالهم للدليل.

وأنا أريد أن أسأل بعض الأسئلة:

لمصلحة من الهجوم على النقاب ومحاربة من تريد الالتزام بتعاليم دينها؟ سواء كانت المرأة المسلمة تأخذ بقول من يرى الوجوب أو أخذت بقول من يرى الاستحباب.

ولمصلحة من إثارة الشبهات وزعزة ثقة المسلمين في ثوابت دينهم المستقرة عند علماء الأمة منذ زمن طويل؟

ولمصلحة من التلبيس على الناس وإخفاء أقوال جُل أئمة المسلمين في مسألة مشروعية النقاب؟

أليس من الأولى لشيخ الأزهر ووزارة الأوقاف ومن جرى على قولهم الالتفات إلى المشاكل المستعصية التي تواجه واقع المسلمين اليوم في كل مكان؟

أليس من الأولى مواجهة السفور والعُري الذي انتشر في شوارعنا وجامعتنا والقرى السياحية، وعلى شاشات الفضائيات؟ بدلاً من إنفاق الملايين على كتاب لمحاربة النقاب؟

أليس من الأولى محاربة الخرافات والبدع والشركيات التي تنتشر في الموالد وعند الأضرحة والقبور؟

أليس من الأولى مواجهة الهجمات الشرسة على الإسلام، خارجياً من الغرب وداخلياً من العلمانيين؟

أليس من واجب شيخ الأزهر إصلاح الأزهر، ذلك الحصن المنيع، الذي فقد، وللأسف الشديد، الكثير من دوره وهييبته؟

أسأل الله أن يعيد للأزهر مجده وأن يجعله غصة في حلق أعداء الإسلام.

وأنا أخشى أن يأتي اليوم وتصبح بلادنا الحبيبة كتونس وتركيا، حيث يحارب الحجاب وتُحارَب حتى من تغطي شعرها. فعلى سبيل المثال يقول وزير الشئون الدينية التونسي بأن الحجاب زي طائفي دخيل على التقاليد التونسية، وأنه صورة من صور النشاز!!، فهذا كلام أكبر مسؤول عن الشئون الدينية هناك. وإنكار مشروعية النقاب هي خطوة عملية نحو هذا الطريق المظلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتنقضن عُرى الإسلام عُروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، و أخرهن الصلاة". رواه أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الجامع – 5075.

فعلى كل من يهاجم النقاب أن يتقي الله ويعلم أنه ملاقيه وسيسأله الله عن كل ما قال وعمل يوم لا ينفع مال ولا سلطان ولا منصب ولا جاه.

وأخيراً: أنا أرجو ممن يقرأ هذا المقال أن يُبين ما عَلِم من الحق ولا يكتمه، فالأمر جد خطير ومسؤلية هذا الدين في أعناقنا جميعاً.

قال الله تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ" [سورة آل عِمران – الآية 187].

الهم بلغت الهم فاشهد.

الهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

كتبه: حاتم الحاجري

13‏/10‏/2009

حُسْن الشهادة للحق

قد يكونُ الحقُّ مَعَنَا لكننا لا نُحسِنُ أن نَشْهَدَ لهذا الحق على أرض الواقع بأخلاقنا، وقد يكونُ الحقُّ مَعَنَا لكننا لا نُحسِنُ أن نَشْهَدَ لهذا الحق بِعَرضِهِ على الآخرين بالحِكْمةِ البالِغَةِ والموعظةِ الحسنة.

وقد يكونُ الباطلُ مَعَ غيرِنا لكنه يُحسِنُ أن يُلبِسَ الباطلَ ثوبَ الحقِ ويُحسِنُ أن يَصِلَ بالباطلِ إلى حَيْثُ ينبغي أن يَصِلَ الحق.

وهنا ينزوي حَقُّنَا ويَضْعُفُ كأنه مغلوب وينتفخُ الباطلُ ويَنْتَفِشُ كأنه غالب، فنُعَبِّر عن أَلَمِنَا هذا بِصورة من صورتين لا ثالث لهما؛ إما أن نُعَبِّر عن أَلَمِنَا بِصورة سلبية مهزومة فنزداد عُزلة عن المجتمع والعالم، وإما أن نُعَبِّر عن أَلَمِنَا بصورة متشنجة منفعلة، بل صاخبة، بل دموية، فنخسر الحق مرة بعد مرة، لأن أهل الأرض سيزدادون حينئذٍ بُغْضاً للحق الذي معنا وإصراراً على الباطل الذي معهم.

فاشهد الآن شهادة للحق بتحويلك لهذا الحق في أرض الواقع إلى حقٍ يتألقَ سمواً وعظمةً وخُلُقاً وسلوكاً ورِقةً وأدباً وعَمَلاً وبناءً.

فضيلة الشيخ محمد حسان

من خطبة عيد الفطر سنة 1425 هـ

http://www.mohamedhassan.org

09‏/10‏/2009

الفرق بين الشريعة والفقه

بين الشريعة والفقه فرقاً مهماً؛ وهو أن الشريعة هي الدين المُنَزَّل من عند الله تعالى، أما الفقه فهو فهم المجتهدين لتلك الشريعة، فإذا أصاب العلماء الحق في فهمهم كان الفقه موافقاً للشريعة من هذه الحيثية، وإذا أخطأوا لم يخرج اجتهادهم عن الفقه وإن كان ليس من الشريعة حتماً. انظر "تاريخ الفقه الإسلامي" لـ د. عمر سليمان الأشقر.

ويمكن حصر الفرق بين الفقه بمعناه الاصطلاحي عند المتأخرين وبين الشريعة بمعناها الاصطلاحي العام في النقاط التالية:

1. بين الشريعة والفقه عموم وخصوص من وجه؛ حيث تشتمل الشريعة على الأحكام العملية والعقدية والأخلاق، بينما يختص الفقه بالأحكام العملية فقط. ويشمل الفقه اجتهاد العلماء سواء فيما أصابوا فيه أو أخطأوا، ولا يُعَد من الشرع إلا ما أصاب فيه المجتهدون فقط.

2. الشريعة أكمل من الفقه، وهي المقصودة بقوله تعالى {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً } [سورة المائدة – الآية 3]. ولذلك تتناول الشريعة القواعد والأصول العامة، أما الفقه فهو استنباط المجتهدين من الكتاب والسُنَّة اعتماداً على هذه القواعد وتلك الأصول.

3. أحكام الشريعة صواب لا خطأ فيها، وأحكام الفقه التي استنبطها الفقهاء قد يدخلها الخطأ الناتج من فهمهم. ولكن ينبغي التحذير من الدعوى الخطيرة – التي تولى كِبرها بعض الكُتاب المُعاصرين – والتي ترمي إلى نزع الصفة التشريعية عن الاجتهادات الفقهية تمهيداً لنزع القداسة عن الشريعة نفسها، حيث يَعتبِر أصحاب هذه الدعوى الشريعة آراء رجال أكثر من أن تكون أحكاماً إلهية. وهذا خطأ بَيِّن؛ فإن الشريعة أحكام إلهية، والفقه مأخوذ من تلك الشريعة الإلهية، واستنباط العلماء صائب في معظم الأحيان ومُعَبِّر عن هذه الأحكام التشريعية، وإنما الخطأ الصادر – أحياناً – يكون فقط من فهمهم الشخصي لبعض النصوص والأدلة. انظر "تاريخ الفقه الإسلامي" لـ د. عمر سليمان الأشقر و"النظام التشريعي في الإسلام" لـ د. محمود محمد عبد الرحيم.

فالفقه – بلا ريب – علمٌ شرعي، لأنه من العلوم المبنية على الوحي الإلهي، وعمل العقل في استنباط الأحكام ليس مطلقاً من كل قيد، بل هو مُقَيَّد بالأصول الشرعية في الاستدلال. انظر "مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" لـ د. يوسف القرضاوي.

4. الشريعة عامة بخلاف الفقه. قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [سورة الأنبياء – الآية 17]. وهذا العموم ملموس من واقع الشريعة ومقاصدها ونصوصها التي تُخاطب البشر كافة.

5. الشريعة الإسلامية مُلْزِمة للبشرية كافة، فكل إنسان إذا توفرت فيه شروط التكليف مُلْزَم بكل ما جاءت به عقيدة وعبادة وخُلُقاً وسُلوكاً، بخلاف الفقه المًستَنبَط من الأدلة الشرعية عن طريق اجتهاد المجتهدين؛ فرأي أي مجتهد لا يُلزِم مجتهداً آخر. والفقه قد يُعالج مشكلات المجتمع في زمان أو مكان بعلاج يُمكن ألا يَصْلُح لمشكلات زمان أو مكان آخر، بخلاف الشريعة الكاملة لكل زمان ومكان.

من كتاب "تاريخ التشريع" إعداد لجنة من الباحثين بمركز البحوث وإعداد المناهج بالجامعة الأميركية المفتوحة بالقاهرة، إشراف ومتابعة د. محمد يسري

http://www.aou-egypt.com

04‏/10‏/2009

يرى مقعده في الجنة !!

شاب .. بلغ من عمره ستة عشر عاماً .. كان في المسجد يتلو القرآن .. وينتظر إقامة صلاة الفجر ..

فلما أقيمت الصلاة .. رد المصحف إلى مكانه .. ثم نهض ليقف في الصف ..

فإذا به يقع على الأرض فجأة مغمى عليه ..

حمله بعض المصلين إلى المستشفى ..

فحدثني الدكتور الجبير الذي عاين حالته .. قال :

أُتي إلينا بهذا الشاب محمولاً كالجنازة .. فلما كشفت عليه فإذا هو مصاب بجلطة في القلب .. لو أصيب بها جمل لأردته ميتاً ..

نظرت إلى الشاب فإذا هو يصارع الموت .. ويودع أنفاس الحياة ..

سارعنا إلى نجدته وتنشيط قلبه ..

أوقفت عنده طبيب الإسعاف يراقب حالته .. وذهبت لإحضار بعض الأجهزة لمعالجته ..

فلما أقبلت إليه مسرعاً .. فإذا الشاب متعلق بيد طبيب الإسعاف ..

والطبيب قد الصق أذنه بفم الشاب .. والشاب يهمس في أذنه بكلمات.. فوقفت أنظر إليهما .. لحظات..

وفجأة أطلق الشاب يد الطبيب .. وحاول جاهداً أن يلتفت لجانبه الأيمن ..

ثم قال بلسان ثقيل : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. وأخذ يكررها .. ونبضه يتلاشى .. وضربات القلب تختفي.. ونحن نحاول إنقاذه.. ولكن قضاء الله كان أقوى..

ومات الشاب..

عندها انفجر طبيب الإسعاف باكياً.. حتى لم يستطع الوقوف على قدميه..

فعجبنا وقلنا له : يا فلان !.. ما لك تبكي !!.. ليست هذه أول مرة ترى فيها ميتاً..

لكن الطبيب استمر في بكائه ونحيبه..

فلما خف عنه البكاء .. سألناه : ماذا كان يقول لك الفتى ؟

فقال : لما رآك يا دكتور .. تذهب وتجيء .. وتأمر وتنهى.. علم أنك الطبيب المختص به .. فقال لي :

يا دكتور .. قل لصاحبك طبيب القلب.. لا يتعب نفسه.. لا يتعب.. أنا ميت لا محالة .. والله إني أرى مقعدي من الجنة الآن ..

كتبه: د.محمد بن عبد الرحمن العريفي

مِن كِتاب: في بَطْنِ الحُوْتِ ..

http://www.alarefe.com

30‏/09‏/2009

حاجة القُرآن إلى بيان النبي صلى الله عليه وسلم

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به". رواه أبو داود وابن ماجة.

علق الشيخ الألباني على الحديث بقوله:
فيه إشارة لطيفة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يُبَيِن للصحابة ما نزل عليه من القرآن، وأنه هو وحده الذي يعرف تأويله وتفسيره حق المعرفة، وأن غيره - حتى من الصحابة - لا يُمكنه الاستغناء عن بيانه صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم في هذه الحَجَّة - كغيرها من العبادات - يتتبعون خُطاه، فما عمِل به من شيء عملوا به، ففيه رد ظاهر على فريقين من الناس:
1. الصوفية الذين يستغني أحدهم عن سُنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهديه وبيانه بما يزعمونه من العِلم اللدني الذي يرمز إليه بعضهم بقوله: "حدثني قلبي عن ربي"! بل زعم الشعراني في "الطبقات الكبرى" أن أحد شيوخه (المجذوبين) والذي يترضى هو عنهم! كان يقرأ قرآناً غير قرآننا ويهدي ثواب تلاوته لأموات المسلمين!!.
2. طائفة يسمون أنفسهم بـ"القرآنيين" والقرآن منهم بريء، يزعمون أن لا حاجة بهم لفهم القرآن إلى سُنة النبي عليه الصلاة والسلام ويكفي في ذلك المعرفة باللغة العربية وآدابها. مع أن هذا لم يكف جابراً وأصحابه كما عرفت، لا سيَما وهم عرب أقحاح نزل القرآن بلغتهم، بينما هم هذه الطائفة كلهم أو جلهم من الأعاجم، وكان من نتيجة زعمهم المذكور أن خرجوا عن الإسلام وجاؤوا بدين جديد، فصلاتهم غير صلاتنا وحجهم غير حجنا وصومهم غير صومنا، ولا أدري لعل توحيدهم غير توحيدنا، وقد نبغ هؤلاء في الهند، ثم سرت فتنتهم إلى مصر وسورية، وكنت قرأت لهم كتاباً باسم "الدين" ليس عليه اسم مؤلفه من قرأه عرف منه ضلالهم وخروجهم من الدين، كفى الله المسلمين شر الفريقين.

مِن كتاب: حَجَّة النبي صلى الله عليه وسلم كما رواها عنه جابر رضي الله عنه.

لفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله.

25‏/09‏/2009

في إتْبَاع رمضان بِصيام ستة أيامٍ من شوال

خَرَّج مُسلِم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من صامَ رمضانَ، ثم أتبعَهُ سِتَّاً مِن شوالِ، كانَ كصيامِ الدهر". أخرجه مسلم (3/169) (1164)، وأحمد (5/417-419)، وأبو داود (2433)، والترمذي (759)، وابن ماجة (1716).

وقد اختُلِفَ في هذا الحديث، ثم في العمل به، فمنهم من صححه، ومنهم من قال هو موقوف؛ قاله ابن عُيَيْنة وغيره، وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده.

وأما العمل به، فاستحبَّ صيامَ سِتة أيام من شوال أكثرُ العلماء. رُوِيَ ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وطاوس، والشعبيِّ، وميمون بن مهران، وهو قولُ ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق؛ وأنكر ذلك آخرون.

رُوِي عن الحسن أنه كان إذا ذُكِرَ عنده صيام هذه السِتة، قال: "لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها". ولعله إنما أنكر ذلك على من اعتقدَ وجوبَ صيامها وأنه لا يكتفي بصيام رمضان عنها في الوجوب. وظاهر كلامِه يدلُّ على هذا.

وكَرِهها الثوريُّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسُفَ، وعَلَّلَ أصحابُهما ذلك بمشابهة أهل الكِتاب، يعنون في الزيادة في صيامهم المفروض عليهم ما ليس منه. وأكثر المُتأخرين من مشايخهم قالوا: لا بأس به، وعلَّلوا بأنَّ الفصل قد حصلَ بفِطر يومِ العيد، حكى ذلك صاحبُ "الكافي" منهم.

وكان ابن مهدي يكرهُها ولا ينهَى عنها. وكرِهَها أيضاً مالِكٌ، وذكر في "الموطأ" أنه لم ير أحداً من أهل العِلم والفقه يصومها، قال: "ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السَّلف، وأن أهل العِلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة لو رأوا أحداً من أهل العِلم يفعلُ ذلك". وقد قيل: إنَّه كان يصومها في نفسه، وإنما كرِهَها على وجهٍ يُخشى منه أن يُعتَقَدَ فريضتها؛ لئلا يُزاد في رمضان ما ليس منه.

وأمَّا الذين استحبُّوا صيامها، فاختلفوا في صِفة صيامها، على ثلاثة أقوال:

أحدُها: أنه يُستحبُّ صيامُها مِن أوَّل الشهر مُتتابِعَة، وهو قول الشافعي وابن المبارك، وقد رُوِيَ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: "مَن صامَ سِتة أيام بَعد الفِطر مُتتابِعَة، فكأنما صام السَّنَة". أخرجه الطبراني في الأوسط (7607) وذكره المنذري في "الرغيب والترهيب"، وقال: "في إسناده نظر". وراجِع "ضعيف الترغيب والترهيب" للألباني (607) و"مجمع الزوائد" (3/183). خرجه الطبراني وغيرُه مِن طُرُقٍ ضعيفة. ورُوِيَ موقوفاً، ورُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنه مِن قولِه بمعناه، بإسناد ضعيف أيضاً.

والثاني: أنَّه لا فرقَ بين أن يُتابِعَها أو يُفرِّقَها من الشهر كُلِّه، وهُما سواءٌ، وهو قولُ وكيعٍ وأحمد.

والثالث: أنه لا يُصامُ عُقيب يوم الفِطر؛ فإنَّها أيام أكلٍ وشُربٍٍ، ولكن يُصام ثلاثة أيامٍ قبل أيامِ البيض أو بعدها. وهذا قولُ مَعْمَر وعبد الرَّزَّاق. ويُروى عن عطاءٍٍ، حتى رُوِيَ عنه أنَّه كَرِهَ لِمن عليه صيامٌ من قضاءِ رمضانَ أن يصومَه، ثم يَصِلَهُ بصيام تَطوُّعٍ. وأمر بالفصل بينهما؛ وهو قولٌ شاذ.

وأكثَرُ العلماء على أنه لا يُكْرَهُ صيامُ ثاني يومِ الفِطر، وقد دَلَّ عليه حديث عِمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لرجل: "إذا أفطرتَ فَصُمْ".

وقد سَرَد طائفةٌ من الصَّحابة والتابعين الصَّوْمَ إلا يوم الفِطر والأضحى. وقد رُوِيَ عن أُم سلمَةَ أنها كانت تقول لأهلها: "مَن كان عليه قضاء من رمضان فَلْيَصُمه الغَدَ من يَوْمِ الفِطر، فمَنْ صامَ الغدَ من يوم الفِطر فكأنما صام رمضان". وفي إسناده ضعف. وعن الشعبي، قال: "لأن أصومَ يوماً بعد رمضان أحبُّ إلي من أن أصومَ الدَّهْرَ كُلَّه". ويُروى بإسنادٍ ضعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: "من صامَ بعد الفِطر يوماً فكأنما صام السَّنة". وبإسناد ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: "الصائم بَعْدَ رمضان كالكارِّ بعد الفارِّ". أخرجه البيهقي في "شُعب الإيمان" (3737).

من كتاب "لَطَائِف المعَارِف فِيمَا لِمَواسِمِ العامِ مِنَ الوَظَائِف" للعلامة الحافِظ ابن رجب الحنبلي، رحمه الله – حققه وعلق عليه فضيلة الشيخ طارق بن عوض الله.

18‏/09‏/2009

تهانينا .. تهانينا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أيها الأحبة في الله .. كل عام وأنتم بخير.. تقبل الله منا ومنكم

من هذا المقبول الذي أعين على الصيام والقيام؟

وعلى إصلاح وظائف الأعمال من الصلوات المكتوبات والجمعات؟

من هذا المقبول الذي أعين على وظيفة الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن؟

وختم له رمضان بالسداد في الأعمال الصالحات ؟

من هذا المقبول فنهنيه ؟

مقتضيات القبول

أولا : الانكسار لعظمة الله :

وتهنئتنا له وتهانينا إليه بفضل الله عز وجل الذي آتاه، وأن ذلك يعني منه مزيد انكسار لعظمة الله ، وعرفان بنعمة الله عز وجل ، ومزيد سعي لشكران تلك النعم .

فعن أبي عمران الشيباني : قال موسى يوم الطور : يا رب .. إن أنا صليت فمن قبلك ، وإن أنا تصدقت فمن قبلك ، وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك ، فكيف أشكرك ؟

فقال الله تعالى لموسى : الآن شكرتني .

فهذا قول الكليم .. كليم الله عز وجل .. وهو قول العارف بفضل الله المقر بإحسانه ، قال : يا رب ، إن أنا صليت فمن قبلك ، لا من سعي من نفسي ، ولا من تحصيلها ، فلو وكلت إلى نفسي ، ولو وكلت النفس إلى ما فيها ، لما كان من العبد إلا العجز والتقصير ، والتواني والذنب ، والخطيئة والسيئات .

يا رب .. إن أنا صليت فمن قبلك ، وإن أنا تصدقت فمن قبلك ، فكذلك ليس المال من تحصيلي ، بل هو من رزقك وفضلك وعطائك ، ولو شئت لم أكتسب شيئا من ذلك المال ، وقد أحضرت الأنفس الشح ، وجبلت على الإمساك والبخل ، فلولا أن تجود علي بمباعدة شح نفسي ، ما كان مني صدقة ولا إنفاق .

فيا رب ، إن أنا تصدقت فمن قبلك ، فليس لي من ذلك العمل أي شيء أنسبه لنفسي .

ويا رب ، إن بلغت رسالاتك فمن قبلك ، فليس ذلك البيان ، ولا الشفقة على المكلفين ، ولا الإعانة على البلاغ، ولا إيصال ذلك إلى قلوب المكلفين ، ولا حركة المكلفين بموجب ذلك ، وليس شيء من ذلك من سعي العبد ولا من تحصيله ؛ بل كل ذلك بفضل الله عز وجل وإحسانه .

وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك ؛ فكيف أشكرك ؟

فلو كانت الصلاة شكرا ، فما هي من سعي ، والشكر فعل ينسب إلى العبد لا إلى صاحب الإنعام والإكرام .

وإن كانت الصدقة شكرا ، فهي كذلك من فضل ؛ فليس ينسب إلى العبد شيء من ذلك .

وإن كان البيان عن الله والبلاغ لرسالته شمرا ، فهو كذلك من الله عز وجل لا من المخلوقين .

ذهبت حيل السعاة في شكر الله ، وعجزوا عن شكر الله عز وجل على نعمه ، فأصبح إقرارهم بالعجز هو إعلانهم بالشكر لله عز وجل على نعمائه .

فكان جواب الكريم للكليم : الآن شكرتني .

إقرارك بعجزك عن الشكر هو حقيقة ذلك الشكر ، فإن شكر نعمة الله عز وجل يكون بنعمة أخرى من الله عز وجل وفضل وإحسان ، يستوجب شكرا آخر ، حتى يكون الشكر الآخر نعمة أخرى تستوجب شكرا آخر ، وهكذا .

فيفضي الحال إلى الإقرار بالعجز ، والإعلان بالقصور ، وأن شكر نعمة الله عز وجل هو الإعلان بالعجز عن شكره.

ثانيا : شهود منة الله :

فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه على فضل الله الذي آتاه ؟

وأن ذلك يقتضي الإعلان بشكر نعمة الله ، والإعلان بالعجز عن القيام بذلك ، وأن ذلك يقتضي مع تلك التهنئة الالتفات للعمل والنظر إليه ، حتى يشهد منة الله عز وجل فيما كان ، وحتى يرى تقصير نفسه في كل عبادة يرى فيها أوجه عجزه وأبواب قصوره وضعفه وتوانيه وتباطئه مع فضل الله عز وجل السابق ، وإحسان الله تعالى الغالب عليه .

ثالثا : مطالعة عيب النفس والعمل :

وتهنئة المقبولين تعني التفاتاً إلى نعمة رب العالمين ، وتعني رجوعا إلى هذه الأعمال التي كانت ، بالنظر إليها ، والتفتيش في أوجه القصور والنقص فيها ، وأنه كان ينبغي أن تكون هذه الأعمال أفضل مما تأدت ، وأن حق الله عز وجل أعظم من ذلك ، وأن حق خطايا هؤلاء المقبولين وسيئاتهم يقتضي عملا أكثر ، فما يزيل أدران قلوبهم أضعاف أضعاف ما قدموا ، بل إن هذه السيئات والعيوب تقتضي منهم سعيا موصولا وعبادة غير منقطعة وشغلا دءوبا بذكر الله عز وجل ومحبته إلى الممات ، لا يقوم حق الله عز وجل بدون ذلك .

فليت شعري من المقبول ؟ ، حتى يستحق تلك التهاني ، وينال مع تلك التعاني تنبيهات على سعيه .

رابعا : استقامة القلب :

ليت شعري من هذا المقبول فتهنيه ؟ ، حتى تكون تهنئتنا له على ما نال قبله من ذل لله عز وجل وتعظيم لأمره ، وانكسار من ذلك القلب ، ورقة على الخلق ليستديم ذلك الحال ، وليتحول إلى شخص آخر بعد منحة الله عز وجل له في رمضان ، وعطائه إليه وإحسانه .

خامسا : الثبات على العمل الصالح :

ليت شعري من المقبول فنهنيه ؟ ، بأن يرجو موسم رمضان آخر بينهما عبادة موصولة ، وشغل بالله عز وجل وطاعته وخدمته ومحبته ، شغل دائم غير منقطع .

ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ؟ حتى تكون تهنئتنا له سببا لثباته على ما وفقه الله عز وجل له من العمل الصالح .

فما ينقضي مع انقضاء رمضان صيامه ..

وما يذهب مع ذهاب ليالي رمضان قيامه ..

وما يعود إلى ما كان منه من وحشة بينه وبين مصحفه وورد قرآنه ..

ليتحول إلى شخص مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عمله ديمة

وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل " [متفق عليه]، فأحب العمل أدومه وإن قل ، فيكون تهنئتنا للمقبولين سبباً لدوامهم على ما آتاهم الله عز وجل من أسباب التوفيق ، فيقتدون في ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا ) [ الأحزاب : 21]

تهانينا .. تهانينا

أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن لا تغتر ، إنما قبلت بتوفيق الله ، وتسديد الله ، وفضل الله ورحمته ، وليس منك ، فليتعلق قلبك بالله شكرا لله .

أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن لا تفرح بعملك ؛ فإن الله يستحق أكثر من ذلك .

أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن احرس قلبك حتى لا تضيع لذة الطاعة التى حصلتها في رمضان .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر المشي والقعود مع البطالين والاغترار بهم .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن علامة القبول الازدياد كل يوم من الطاعة .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل قوة الاندفاع للعبادة ضعفت عند أم لا ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن هل لو مت الآن ستجد الله راضيا عنك ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل عملي يبلغني أعلى الجنان أم يكفي لمجرد نجاتي من النار ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر الفتور والقعود عن طاعة الله .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن إذا لعبت أو لهوت بعد رمضان فهذه علامة الخسران .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن يعود قلبك لقساوته بعد أن أنجلي في رمضان .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تهدم ما بنيته ، وتعبت فيه وسهرت من أجله .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تكون رمضانيا ، تتعامل مع الله شهرا وتتركه أحد عشر .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تزوغ بقلبك بعد أن ذقت وعرفت ، حتى لا تثبت على نفسك الحجة يوم القيامة .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن واجب الشكر لله يحتم عليك أن تشكر نعمة الطاعة التى وفقك الله إليها وأعانك عليها بالعمل ، قال تعالى : { اعملوا ءال داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13]

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن لا تهن نفسك بعد أن أكرمك الله بالعبودية له وحده .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تعصى ربك وتهجر كلامه .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر جمود العين وسوء الأخلاق .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر تضيع الأوقات ، فكما كنت حريصا على الوقت في رمضان حافظ عليه بعده.

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن حافظ على الشحنة الإيمانية الكبيرة التى معك وزد عليها ولا تنقص .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن هل أنت حزين بانتهاء الشهر أم فرحان ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن أريدك أن تقارن بين قلبين : قلبك في رمضان ، وقلبك بعد رمضان .. انظر وتأمل.

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل أنا بعد رمضان مقبل على الدنيا بقلبي وعقلي أم أن الآخرة مازالت أكبر همي ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن ينتهي الصيام بانتهاء رمضان .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن السعيد من استعد ليوم الوعيد .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر من الاعتماد على ما قدمت ؛ فإن من يحب مولاه يواصل السير إليه .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر الالتفات والمكر ؛ فالله معك يسمعك ويراك .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن الحقيقة ، حقيقة القلب لا الظاهر فحسب ، قال تعالى : { ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } [الإسراء : 25].

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر ضياع التقوى التى حصلتها .

أيها المقبول تهانينا ؛ ولكن احذر أن يقال لك : تعازينا ..

وليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟

حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا ، وأن الضر الذي يكون في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله ، وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا، فحق جبرانها وتعويضها مضمون ، وأما مصيبة الدين فحظه من الله عز وجل قد ذهب ، وحظه من الآخرة قد ولى .

مقتضيات الحرمان

فليت شعري كيف يستدرك ذلك ، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه ؟

أولا : الإقرار بظلمه لنفسه :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، وكلنا ذلك المحروم ، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته ، وأن ذلك مع إحسان الله عز وجل وفضله غير لائق منه ، وغير مناسب لعقله وإيمانه ، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئا ، ولكن ظلم نفسه .

قال سبحانه في الحديث القدسي " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [مسلم]

ثانيا : التنبيه لشؤم السيئات :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ليعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاج سابق السيئات والتفريطات ، وأن جزاء الحسنة التوفيق لحسنة بعدها ، وأن عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئة تتلوها وتكون بعدها .

ثالثا : لزوم الوقوف بالباب :

ليت شعري من هذا المحروم حتى نعزيه ؟ ، ليكون عزاؤنا أن فضل الله عز وجل الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب ، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله ، فلا يزال من الله عز وجل الكرم والجود ، وإن كان من العبد البخل والإمساك ، ولا يزال من الله عز وجل الإحسان والعطاء ، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل .

رابعا : لزوم التوبة :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، ليعلم أن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس في مغربها ، ويعلم أن باب الله عز وجل لا يزال مفتوحا ، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب " لله عز وجل أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " [متفق عليه].

فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك ، فمتى أمدك الله عز وجل وأفسح في أجلك فلا تزال مدة تراجعك قائمة ، لا يزال أمر توبتك لازما غير معفي أنت منه .

خامسا : إصلاح العمل :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يعلم أنه لابد له من أن يصلح عمله ؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين ..

وحتى يكون عمله ذلك وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وحتى يكون عمله ذلك خاليا من آفة الغرور وآفة العجب ، فلا يرى عملا يعجب به ، بل يرى فضل الله يستوجب انكساره وذله لربه ، وإعلانه بالعجز عن شكره ، ولا يرى نفسه التي تأدي منها العمل ، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى .

سادسا : إنما يتقبل الله من المتقين :

قال علي رضي الله عنه: " كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتماما بالعمل ، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول : { إنما يتقبل الله من المتقين } .

وقال بعضهم : لأن أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبة من خردل أحب الي من الدنيا وما فيها ، لأن الله عز وجل يقول : { إنما يتقبل الله من المتقين } .

وقال بعضهم : كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان .

كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه لم ينقص، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلايزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعدما وقع منهم العمل ، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا؟ وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه ، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله عز وجل ، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات .

بل إذا ذهبت مواسم الطاعات ؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات ، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها . والتفتيش في آفاتها ، والحذر من إفشائها ؛ حتى تكون أبعد عن الرياء .

تعازينا .. تعازينا

أيها المحروم .. تعازينا ؛ أيها المحروم جبر الله مصيبتك ؛ ولكن لم تنته الدنيا بانتهاء رمضان ومازال في العمر بقية ، ومازال ربنا جل جلاله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، فتب وقد تاب الله عليك .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تيأس : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } [النور : 22] ، إذا كان في الصوم دعوة مستجابة ؛ ففي كل ليلة ربك يقول في الثلث الآخر : " هل من سائل فأعطيه " ، ما زالت أمامك تفرصة لم تنته ، القضية أنك لن تخلد في جهنم مادمت موحدا ، مازالت أمام فرص .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن قف لتنظر من أين أتيت ، لم خذلت ، بم انتكست ، لا شك أنه من عند نفسك ، { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت:46] ، الفرص كانت أمامك متاحة وأنت خذلت نفسك ، أنت أوكست نفسك ، { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } [ الزخرف : 76 ] ؛ فلذلك قف لتتخلص من النفس الأمارة بالسوء، قف لتتأمل كيف ضاع منك رمضان كما ضاع سنين، قف فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن إن كان قد ضاع منك رمضان ؛ فإن الله الحي باق معك على الدوام ، يدعوك للإقبال عليه والإنابة إليه ؛ فأقبل تقبل .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أعلم أن أبواب الرحمات مفتوحة طوال العام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل توبة العبد مالم تطلع الشمس من مغربها " [مسلم].

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لازلت حياً تستطيع أن تستدرك ما فاتك ؛ بالتوبة والعزم على استغلال رمضان القادم ؛ فاستعد من الآن.

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أعلم أن مواسم الطاعة متنوعة وكثيرة ، ومن فضل الله علينا أنها في كل شهر ، فبعد رمضان ست من شوال ، ثم عشر من ذى الحجة ، ثم الحج ، ثم شهر المحرم ، وهكذا مواسم وطاعات طوال العام .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أمامك صيام الاثنين والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وقيام إحدى عشرة ركعة يوميا ، والصدقة ، وقراءة القرآن وغير ذلك ، فهي أبواب للخير في رمضان وغيره ؛ فأقبل ولا تحزن .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن حاول أن تقوم بعمرة في الفترة القادمة ؛ لتعوض ما فاتك وتجبره .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تخف ولا تحزن ؛ فالكريم سبحانه شكور يشكر على القليل ، ثم ينميه ، ولكن بشرط الإخلاص .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن اقتنص كل فرصة بعد ذلك تأتيك في طاعة الله .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، وتعلم من أخطائك حتى تتقدم بعد ذلك .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن في لحظة تستطيع أن تكون وليا حقا .. تقيا حقا، بالتوبة والإقبال على الله، والندم على ما فات ، والعزم على الإصلاح .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تيأس ؛ فإنه { لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون } [يوسف : 87 ].

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن معك سلاح قوي تستطيع أن تفتح به كل مغلق وهو الدعاء ، فالزم التضرع والافتقار .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن ندمك على ما فاتك يرضي الله عنك فيرحمك ، فأبشر مادمت نادما عازما .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر فأنت مسلم موحد تصلي وتذكر الله وتحب نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فيرجى لك ومنك الخير .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن حاول مرة أخرى ، وتأس بالنمل ، المخلوق الضعيف الذي يحاول مرات ومرات ؛ حتى يسلك الطريق الذي يريده .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر ؛ فإن لك ربا هو الله ، الغني القوي الحنان المنان الملك الرحمن الرحيم الودود اللطيف يقول : " من تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا " .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر بجنة عرضها السماوات والأرض إن استقمت وعدت إلى الله .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لازالت معك الجوهرة العظيمة ، والمعجزة الخالدة ، تراها وتمسك بيدك : القرآن الكريم ، فأسعد به واتله ليلا ونهارا .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر تفاءل بندمك وتوبتك وتحسرك على ما فات منك ، فتلك علامة ثحة قلبك ، وادع الله أن يبلغك الخير .

أيها المحروم ، تعازينا ؛ ولكن انتظر أن نقول لك : تهانينا .؟

ليت شعري من المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يحبس نفسه على طاعة الله ويمنعها من مألوفاتها ومحبوباتها وشهواتها ، ويعلم أنم ذلك الحرمان إنما أصابه لاستغراقه في تحصيل شهواته ، ولتركه سنن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قعدت به عاداته ومألوفاته عن فوز عظيم . يا حسرة على ما فاته !!..

من صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن لا يعصي الله تعالى ؛ فإنه مقبول بغير حساب ولا عذاب ، ومن صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن يعصي الله تعالى ، فصومه مردود عليه ، وعمله غير مقبول منه .

فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يكون عزاؤنا له إلزاما له ببداية توبته واستكمال استقامته ، ويحذره من أن لا يأتيه رمضان آخر ، حتى يكون ذلك تحذيرا له من أن يأتيه الموت بغتة ، { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك ءاياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } [الزمر : 56-59]

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

اللهم اجعلنا من المقبولين ، ولا تجعلنا من المحرومين

اللهم اجبرنا وارحمنا

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبه: فضيلة الشيخ محمد حُسين يعقوب

http://www.yaqob.com