18‏/09‏/2009

تهانينا .. تهانينا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أيها الأحبة في الله .. كل عام وأنتم بخير.. تقبل الله منا ومنكم

من هذا المقبول الذي أعين على الصيام والقيام؟

وعلى إصلاح وظائف الأعمال من الصلوات المكتوبات والجمعات؟

من هذا المقبول الذي أعين على وظيفة الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن؟

وختم له رمضان بالسداد في الأعمال الصالحات ؟

من هذا المقبول فنهنيه ؟

مقتضيات القبول

أولا : الانكسار لعظمة الله :

وتهنئتنا له وتهانينا إليه بفضل الله عز وجل الذي آتاه، وأن ذلك يعني منه مزيد انكسار لعظمة الله ، وعرفان بنعمة الله عز وجل ، ومزيد سعي لشكران تلك النعم .

فعن أبي عمران الشيباني : قال موسى يوم الطور : يا رب .. إن أنا صليت فمن قبلك ، وإن أنا تصدقت فمن قبلك ، وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك ، فكيف أشكرك ؟

فقال الله تعالى لموسى : الآن شكرتني .

فهذا قول الكليم .. كليم الله عز وجل .. وهو قول العارف بفضل الله المقر بإحسانه ، قال : يا رب ، إن أنا صليت فمن قبلك ، لا من سعي من نفسي ، ولا من تحصيلها ، فلو وكلت إلى نفسي ، ولو وكلت النفس إلى ما فيها ، لما كان من العبد إلا العجز والتقصير ، والتواني والذنب ، والخطيئة والسيئات .

يا رب .. إن أنا صليت فمن قبلك ، وإن أنا تصدقت فمن قبلك ، فكذلك ليس المال من تحصيلي ، بل هو من رزقك وفضلك وعطائك ، ولو شئت لم أكتسب شيئا من ذلك المال ، وقد أحضرت الأنفس الشح ، وجبلت على الإمساك والبخل ، فلولا أن تجود علي بمباعدة شح نفسي ، ما كان مني صدقة ولا إنفاق .

فيا رب ، إن أنا تصدقت فمن قبلك ، فليس لي من ذلك العمل أي شيء أنسبه لنفسي .

ويا رب ، إن بلغت رسالاتك فمن قبلك ، فليس ذلك البيان ، ولا الشفقة على المكلفين ، ولا الإعانة على البلاغ، ولا إيصال ذلك إلى قلوب المكلفين ، ولا حركة المكلفين بموجب ذلك ، وليس شيء من ذلك من سعي العبد ولا من تحصيله ؛ بل كل ذلك بفضل الله عز وجل وإحسانه .

وإن أنا بلغت رسالاتك فمن قبلك ؛ فكيف أشكرك ؟

فلو كانت الصلاة شكرا ، فما هي من سعي ، والشكر فعل ينسب إلى العبد لا إلى صاحب الإنعام والإكرام .

وإن كانت الصدقة شكرا ، فهي كذلك من فضل ؛ فليس ينسب إلى العبد شيء من ذلك .

وإن كان البيان عن الله والبلاغ لرسالته شمرا ، فهو كذلك من الله عز وجل لا من المخلوقين .

ذهبت حيل السعاة في شكر الله ، وعجزوا عن شكر الله عز وجل على نعمه ، فأصبح إقرارهم بالعجز هو إعلانهم بالشكر لله عز وجل على نعمائه .

فكان جواب الكريم للكليم : الآن شكرتني .

إقرارك بعجزك عن الشكر هو حقيقة ذلك الشكر ، فإن شكر نعمة الله عز وجل يكون بنعمة أخرى من الله عز وجل وفضل وإحسان ، يستوجب شكرا آخر ، حتى يكون الشكر الآخر نعمة أخرى تستوجب شكرا آخر ، وهكذا .

فيفضي الحال إلى الإقرار بالعجز ، والإعلان بالقصور ، وأن شكر نعمة الله عز وجل هو الإعلان بالعجز عن شكره.

ثانيا : شهود منة الله :

فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه على فضل الله الذي آتاه ؟

وأن ذلك يقتضي الإعلان بشكر نعمة الله ، والإعلان بالعجز عن القيام بذلك ، وأن ذلك يقتضي مع تلك التهنئة الالتفات للعمل والنظر إليه ، حتى يشهد منة الله عز وجل فيما كان ، وحتى يرى تقصير نفسه في كل عبادة يرى فيها أوجه عجزه وأبواب قصوره وضعفه وتوانيه وتباطئه مع فضل الله عز وجل السابق ، وإحسان الله تعالى الغالب عليه .

ثالثا : مطالعة عيب النفس والعمل :

وتهنئة المقبولين تعني التفاتاً إلى نعمة رب العالمين ، وتعني رجوعا إلى هذه الأعمال التي كانت ، بالنظر إليها ، والتفتيش في أوجه القصور والنقص فيها ، وأنه كان ينبغي أن تكون هذه الأعمال أفضل مما تأدت ، وأن حق الله عز وجل أعظم من ذلك ، وأن حق خطايا هؤلاء المقبولين وسيئاتهم يقتضي عملا أكثر ، فما يزيل أدران قلوبهم أضعاف أضعاف ما قدموا ، بل إن هذه السيئات والعيوب تقتضي منهم سعيا موصولا وعبادة غير منقطعة وشغلا دءوبا بذكر الله عز وجل ومحبته إلى الممات ، لا يقوم حق الله عز وجل بدون ذلك .

فليت شعري من المقبول ؟ ، حتى يستحق تلك التهاني ، وينال مع تلك التعاني تنبيهات على سعيه .

رابعا : استقامة القلب :

ليت شعري من هذا المقبول فتهنيه ؟ ، حتى تكون تهنئتنا له على ما نال قبله من ذل لله عز وجل وتعظيم لأمره ، وانكسار من ذلك القلب ، ورقة على الخلق ليستديم ذلك الحال ، وليتحول إلى شخص آخر بعد منحة الله عز وجل له في رمضان ، وعطائه إليه وإحسانه .

خامسا : الثبات على العمل الصالح :

ليت شعري من المقبول فنهنيه ؟ ، بأن يرجو موسم رمضان آخر بينهما عبادة موصولة ، وشغل بالله عز وجل وطاعته وخدمته ومحبته ، شغل دائم غير منقطع .

ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ؟ حتى تكون تهنئتنا له سببا لثباته على ما وفقه الله عز وجل له من العمل الصالح .

فما ينقضي مع انقضاء رمضان صيامه ..

وما يذهب مع ذهاب ليالي رمضان قيامه ..

وما يعود إلى ما كان منه من وحشة بينه وبين مصحفه وورد قرآنه ..

ليتحول إلى شخص مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان عمله ديمة

وقال صلى الله عليه وسلم: " إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل " [متفق عليه]، فأحب العمل أدومه وإن قل ، فيكون تهنئتنا للمقبولين سبباً لدوامهم على ما آتاهم الله عز وجل من أسباب التوفيق ، فيقتدون في ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ؛{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا ) [ الأحزاب : 21]

تهانينا .. تهانينا

أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن لا تغتر ، إنما قبلت بتوفيق الله ، وتسديد الله ، وفضل الله ورحمته ، وليس منك ، فليتعلق قلبك بالله شكرا لله .

أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن لا تفرح بعملك ؛ فإن الله يستحق أكثر من ذلك .

أيها المقبول .. تهانينا ؛ ولكن احرس قلبك حتى لا تضيع لذة الطاعة التى حصلتها في رمضان .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر المشي والقعود مع البطالين والاغترار بهم .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن علامة القبول الازدياد كل يوم من الطاعة .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل قوة الاندفاع للعبادة ضعفت عند أم لا ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن هل لو مت الآن ستجد الله راضيا عنك ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل عملي يبلغني أعلى الجنان أم يكفي لمجرد نجاتي من النار ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر الفتور والقعود عن طاعة الله .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن إذا لعبت أو لهوت بعد رمضان فهذه علامة الخسران .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن يعود قلبك لقساوته بعد أن أنجلي في رمضان .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تهدم ما بنيته ، وتعبت فيه وسهرت من أجله .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تكون رمضانيا ، تتعامل مع الله شهرا وتتركه أحد عشر .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تزوغ بقلبك بعد أن ذقت وعرفت ، حتى لا تثبت على نفسك الحجة يوم القيامة .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن واجب الشكر لله يحتم عليك أن تشكر نعمة الطاعة التى وفقك الله إليها وأعانك عليها بالعمل ، قال تعالى : { اعملوا ءال داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13]

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن لا تهن نفسك بعد أن أكرمك الله بالعبودية له وحده .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن تعصى ربك وتهجر كلامه .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر جمود العين وسوء الأخلاق .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر تضيع الأوقات ، فكما كنت حريصا على الوقت في رمضان حافظ عليه بعده.

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن حافظ على الشحنة الإيمانية الكبيرة التى معك وزد عليها ولا تنقص .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن هل أنت حزين بانتهاء الشهر أم فرحان ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن أريدك أن تقارن بين قلبين : قلبك في رمضان ، وقلبك بعد رمضان .. انظر وتأمل.

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن سل نفسك : هل أنا بعد رمضان مقبل على الدنيا بقلبي وعقلي أم أن الآخرة مازالت أكبر همي ؟

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر أن ينتهي الصيام بانتهاء رمضان .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن السعيد من استعد ليوم الوعيد .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر من الاعتماد على ما قدمت ؛ فإن من يحب مولاه يواصل السير إليه .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر الالتفات والمكر ؛ فالله معك يسمعك ويراك .

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن اعلم أن الحقيقة ، حقيقة القلب لا الظاهر فحسب ، قال تعالى : { ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } [الإسراء : 25].

أيها المقبول .. تهانينا؛ ولكن احذر ضياع التقوى التى حصلتها .

أيها المقبول تهانينا ؛ ولكن احذر أن يقال لك : تعازينا ..

وليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟

حتى يرى أن مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا ، وأن الضر الذي يكون في عمله الصالح ينبغي أن يكون أشد عليه من ضره في بدنه أو ماله ، وأنه مهما أصابه من مصائب الدنيا، فحق جبرانها وتعويضها مضمون ، وأما مصيبة الدين فحظه من الله عز وجل قد ذهب ، وحظه من الآخرة قد ولى .

مقتضيات الحرمان

فليت شعري كيف يستدرك ذلك ، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه ؟

أولا : الإقرار بظلمه لنفسه :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، وكلنا ذلك المحروم ، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته ، وأن ذلك مع إحسان الله عز وجل وفضله غير لائق منه ، وغير مناسب لعقله وإيمانه ، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئا ، ولكن ظلم نفسه .

قال سبحانه في الحديث القدسي " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" [مسلم]

ثانيا : التنبيه لشؤم السيئات :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ليعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاج سابق السيئات والتفريطات ، وأن جزاء الحسنة التوفيق لحسنة بعدها ، وأن عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئة تتلوها وتكون بعدها .

ثالثا : لزوم الوقوف بالباب :

ليت شعري من هذا المحروم حتى نعزيه ؟ ، ليكون عزاؤنا أن فضل الله عز وجل الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب ، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله ، فلا يزال من الله عز وجل الكرم والجود ، وإن كان من العبد البخل والإمساك ، ولا يزال من الله عز وجل الإحسان والعطاء ، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل .

رابعا : لزوم التوبة :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، ليعلم أن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس في مغربها ، ويعلم أن باب الله عز وجل لا يزال مفتوحا ، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب " لله عز وجل أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " [متفق عليه].

فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك ، فمتى أمدك الله عز وجل وأفسح في أجلك فلا تزال مدة تراجعك قائمة ، لا يزال أمر توبتك لازما غير معفي أنت منه .

خامسا : إصلاح العمل :

ليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يعلم أنه لابد له من أن يصلح عمله ؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين ..

وحتى يكون عمله ذلك وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وحتى يكون عمله ذلك خاليا من آفة الغرور وآفة العجب ، فلا يرى عملا يعجب به ، بل يرى فضل الله يستوجب انكساره وذله لربه ، وإعلانه بالعجز عن شكره ، ولا يرى نفسه التي تأدي منها العمل ، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى .

سادسا : إنما يتقبل الله من المتقين :

قال علي رضي الله عنه: " كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتماما بالعمل ، ألم تسمعوا الله عز وجل يقول : { إنما يتقبل الله من المتقين } .

وقال بعضهم : لأن أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبة من خردل أحب الي من الدنيا وما فيها ، لأن الله عز وجل يقول : { إنما يتقبل الله من المتقين } .

وقال بعضهم : كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان .

كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه لم ينقص، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلايزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعدما وقع منهم العمل ، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا؟ وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه ، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله عز وجل ، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات .

بل إذا ذهبت مواسم الطاعات ؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات ، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها . والتفتيش في آفاتها ، والحذر من إفشائها ؛ حتى تكون أبعد عن الرياء .

تعازينا .. تعازينا

أيها المحروم .. تعازينا ؛ أيها المحروم جبر الله مصيبتك ؛ ولكن لم تنته الدنيا بانتهاء رمضان ومازال في العمر بقية ، ومازال ربنا جل جلاله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، فتب وقد تاب الله عليك .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تيأس : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } [النور : 22] ، إذا كان في الصوم دعوة مستجابة ؛ ففي كل ليلة ربك يقول في الثلث الآخر : " هل من سائل فأعطيه " ، ما زالت أمامك تفرصة لم تنته ، القضية أنك لن تخلد في جهنم مادمت موحدا ، مازالت أمام فرص .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن قف لتنظر من أين أتيت ، لم خذلت ، بم انتكست ، لا شك أنه من عند نفسك ، { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت:46] ، الفرص كانت أمامك متاحة وأنت خذلت نفسك ، أنت أوكست نفسك ، { وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين } [ الزخرف : 76 ] ؛ فلذلك قف لتتخلص من النفس الأمارة بالسوء، قف لتتأمل كيف ضاع منك رمضان كما ضاع سنين، قف فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن إن كان قد ضاع منك رمضان ؛ فإن الله الحي باق معك على الدوام ، يدعوك للإقبال عليه والإنابة إليه ؛ فأقبل تقبل .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أعلم أن أبواب الرحمات مفتوحة طوال العام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقبل توبة العبد مالم تطلع الشمس من مغربها " [مسلم].

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لازلت حياً تستطيع أن تستدرك ما فاتك ؛ بالتوبة والعزم على استغلال رمضان القادم ؛ فاستعد من الآن.

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أعلم أن مواسم الطاعة متنوعة وكثيرة ، ومن فضل الله علينا أنها في كل شهر ، فبعد رمضان ست من شوال ، ثم عشر من ذى الحجة ، ثم الحج ، ثم شهر المحرم ، وهكذا مواسم وطاعات طوال العام .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أمامك صيام الاثنين والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وقيام إحدى عشرة ركعة يوميا ، والصدقة ، وقراءة القرآن وغير ذلك ، فهي أبواب للخير في رمضان وغيره ؛ فأقبل ولا تحزن .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن حاول أن تقوم بعمرة في الفترة القادمة ؛ لتعوض ما فاتك وتجبره .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تخف ولا تحزن ؛ فالكريم سبحانه شكور يشكر على القليل ، ثم ينميه ، ولكن بشرط الإخلاص .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن اقتنص كل فرصة بعد ذلك تأتيك في طاعة الله .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، وتعلم من أخطائك حتى تتقدم بعد ذلك .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن في لحظة تستطيع أن تكون وليا حقا .. تقيا حقا، بالتوبة والإقبال على الله، والندم على ما فات ، والعزم على الإصلاح .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لا تيأس ؛ فإنه { لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون } [يوسف : 87 ].

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن معك سلاح قوي تستطيع أن تفتح به كل مغلق وهو الدعاء ، فالزم التضرع والافتقار .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن ندمك على ما فاتك يرضي الله عنك فيرحمك ، فأبشر مادمت نادما عازما .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر فأنت مسلم موحد تصلي وتذكر الله وتحب نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فيرجى لك ومنك الخير .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن حاول مرة أخرى ، وتأس بالنمل ، المخلوق الضعيف الذي يحاول مرات ومرات ؛ حتى يسلك الطريق الذي يريده .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر ؛ فإن لك ربا هو الله ، الغني القوي الحنان المنان الملك الرحمن الرحيم الودود اللطيف يقول : " من تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا " .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر بجنة عرضها السماوات والأرض إن استقمت وعدت إلى الله .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن لازالت معك الجوهرة العظيمة ، والمعجزة الخالدة ، تراها وتمسك بيدك : القرآن الكريم ، فأسعد به واتله ليلا ونهارا .

أيها المحروم .. تعازينا؛ ولكن أبشر تفاءل بندمك وتوبتك وتحسرك على ما فات منك ، فتلك علامة ثحة قلبك ، وادع الله أن يبلغك الخير .

أيها المحروم ، تعازينا ؛ ولكن انتظر أن نقول لك : تهانينا .؟

ليت شعري من المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يحبس نفسه على طاعة الله ويمنعها من مألوفاتها ومحبوباتها وشهواتها ، ويعلم أنم ذلك الحرمان إنما أصابه لاستغراقه في تحصيل شهواته ، ولتركه سنن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قعدت به عاداته ومألوفاته عن فوز عظيم . يا حسرة على ما فاته !!..

من صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن لا يعصي الله تعالى ؛ فإنه مقبول بغير حساب ولا عذاب ، ومن صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن يعصي الله تعالى ، فصومه مردود عليه ، وعمله غير مقبول منه .

فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه ؟ ، حتى يكون عزاؤنا له إلزاما له ببداية توبته واستكمال استقامته ، ويحذره من أن لا يأتيه رمضان آخر ، حتى يكون ذلك تحذيرا له من أن يأتيه الموت بغتة ، { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك ءاياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } [الزمر : 56-59]

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

اللهم اجعلنا من المقبولين ، ولا تجعلنا من المحرومين

اللهم اجبرنا وارحمنا

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبه: فضيلة الشيخ محمد حُسين يعقوب

http://www.yaqob.com

21‏/08‏/2009

رمضان... المجاهدة أو الاستبدال

ها قد جاءت تلك الأيام التي ينتظرها المشتاقون إلى مغفرة الله تعالى ورحمته والعتق من النار، أتى رمضان، أتى موسم المغفرة الذي طالما فَرَّطَ المؤمنون فيه وتكاسلوا وانشغلوا عن الله تعالى.

فبعد هذه الأيام والليالي الطويلة في البُعد والانتكاس والتقهقر عن باب الله تعالى، بعد هذه الليالي الطويلة والأيام الطويلة في الغفلة والشهوة ونسيان الآخرة، بعد هذه الأيام الطويلة في ترك الاستعداد للرحيل إلى الله تبارك وتعالى، وتأخير التوبة وطول الأمل في هذه الحياة الدنيا الزائلة، وعدم الاعتبار بما كان، وأنه يمكن أن يكون من أهل الآخرة، فيستفتح يوماً لا يُكمِلُه، أو يستفتح ليلة لا يُتِمَّها، فيكون في غَدِهِ عند الله تعالى، كما قال تعالى {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [سورة الحشر – الآية 18]، بعد هذا كله أتى موسم المغفرة الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان فقال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِن ذنبه" مُتفقٌ عليه: البخاري (38) ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِن ذنبه" مُتفقٌ عليه: البخاري (2009) ومسلم (759) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر" قال المنذري في الترغيب: رواه ابن ماجة (1644) وإسناده حسن. وزاد: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِن ذنبه" مُتفقٌ عليه: البخاري (2014) ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فلما كانت هذه الأيام على هذا القدر من الأهمية كان ينبغي على أهل الإيمان أن يستعدوا لها الاستعداد اللائق بقدرها وأن يخرجوا من حالة التبلد وعدم التأثر بالموعظة وعدم المسارعة إلى العمل الصالح وعدم الشعور بعِظَمِ المسؤلية الملقاة على عاتقهم لأن دخول أهل الإيمان هذه الأيام على حال التقاعس والتكاسل والغفلة يُنذر بالحِرمان والاستبدال.

فبعد أن اجتباك الله تعالى واصطفاك لتكون أهلاً للفضل، فإذا بك تَتَفَلَّت منه، وتَتَحَجَّج بالحجج لكي لا تقوم بهذه الطاعات وتلك القربات، لكي لا تكون أهلاً لهذا الشرف العظيم الذي يوليك إياه!! فإذا به يقول: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [سورة محمد – الآية 38].

فعاقبة هذا التبلد وعدم التأثر بالموعظة، عاقبة هذا الضِيق والتململ وعدم الانشراح لأوامر الله، والإقبال عليه ومحبته، وأن يبذُل له وقته وجهده وماله، وأن يبذُل كل شيء له، عاقبة ذلك أن يستبدل به غيره، كما مل هو من ربه، الله تعالى يمَل منه، وكما ترك ربه، الله تعالى يتركه، ويأتي بغيره أفضل وأحب إلى الله، أكثر محبة وإقبالاً، أكثر بذلاً وإنفاقاً، ليكون محلاً لهذه الرحمات والبركات من الله تعالى، ليكون أهلاً لهذه المغفرة من الله تعالى، والنعم من الله تعالى، والرزق من الله تعالى، والفتح من الله تعالى.

فليعلم إذاً أهل الإيمان أنه ليس هناك طريق أمامهم في هذه الأيام إلا طريق المجاهدة وأن يعزموا العزم الأكيد على أن تكون هذه الأيام فاصلاً بين عهد الضعف والتكاسل الذي هم فيه وبين ما ينبغي أن يكونوا عليه من المجاهدة وطلب الآخرة، كما قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [سورة الحج – الآية 78]، وأن يعلموا أن هذه المجاهدة هي الطريق الموصلة للمغفرة والعتق من النار، هي الطريق الموصلة للجنة، هي الطريق الموصلة لنصرة الدين ورفعة رايته.

فكما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "حُفَّتِ الجنةِ بالمكارهِ و حُفَّتِ النارُ بالشهوات" رواه البخاري (6487) كتاب الرقاق، باب حجبت النار بالشهوات، ورواه مسلم (2823) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. ولا تنقطع هذه الشهوات وهذه المكاره إلا بالمجاهدة على تحمل المكاره ليصل إلى الجنة، وبالمجاهدة على منع الشهوات حتى يحتجب عن النار، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

كتبه: فضيلة الشيخ محمد الدبيسي

من كتاب "حال المؤمنين في رمضان".

16‏/08‏/2009

نبذ البطالة والمُبطلين ومصاحبة ذوي الهِمم

ليس هناك أشأم على السائر إلى الله من البطالة وصحبة البطالين، فالصاحب ساحب والقرين بالمقارَن يقتدي.

"والبرهان الذي يعطيه السالكون علامة لصدقهم أنهم يأبون إلا الهجرة والانضمام إلى القافلة، ويذَرون كل رفيق يُثَبِّطهم ويُزَيِن لهم إيثار السلامة. ينتفضون ويهجرون كل قاعد، ويهاجرون مع المهاجرين إلى الله، ويطرحون أغلال الشهوات وحب المال عن قلوبهم." من كتاب الرقائق للراشد ص140.

ولما أراد قاتل المائة أن يتوب حقاً قيل له: "اترك أرضك فإنها أرض سوء، واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم". متفقٌ عليه.

فلابد لمن أراد تحصيل المغفرة من شهر رمضان أن يترك المخْلِدين إلى الأرض ويزامل ذوي الهمم العالية كما قال الجُنَيد: "سيروا مع الهمم العالية". وقد أمر الله خير الخلق صلى الله عليه وسلم بصحبة المُجِدِّين في السير إلى الله وترك الغافلين فقال عز من قائل: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سورة الكهف – الآية 28]، وقال عز وجل: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [سورة لقمان – الآية 15]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة – الآية 119].

فلو حَسِب الإنسان أن قيام ساعة من الليل إنجاز باهر فهو مغبون لن يعدو قدره، بل سيظل راضياً عن نفسه مانَّاً على ربه بتلك الدقائق التي أجهد نفسه فيها، ولكنه لو رأى الأوتاد من حوله تقف الساعات الطوال في تهجد وتبتل وبكاء – وهم مُتَقَالُّونها – فأقل أحواله أن يظل حسيراً كسيراً على تقصيره مُردداً:

أنا العبد المُخلَّفُ عن أُناسٍ

حوَوْا من كل معروفٍ نصيباً

ونبذ البطالة هجيري الناسك في كل زمان، وقد قيل الراحة للرجال غفلة.

وقال شُعبة بن الحجاج البصري أمير المؤمنين في الحديث: "لا تقعدوا فُراغاً فإن الموت يطلبكم".

وقال الشافعي: "طلب الراحة في الدنيا لا يصلح لأهل المروءات، فإن أحدهم لم يزل تعبان في كل زمان".

وقيل لأحد الزهاد: "كيف السبيل ليكون المرء من صفوة الله؟ فقال: إذا خلع الراحة وأعطى المجهود في الطاعة".

وقيل للإمام أحمد: "متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة".

أما البحث عن أصحاب الهمم والمروءات وأصحاب السر مع الله فهي بُغية كل مخلص في سيره إلى الله، قال زين العابدين: "إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه".

وقال الحسن البصري: "إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة".

قال الشاعر:

لَعُمرك ما مالُ الفتى بذخيرةٍ

ولكن إخوان الثقات الذخائرُ

وكان من وصايا السلف انتقاء الصحبة، قال الحسن البصري: "إن لك من خليلك نصيباً، وإن لك نصيباً من ذِكر من أحببت، فاتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس".

فاجتهد أيها الأريب باحثاً عن أعوان المسير أصحاب الهمم العالية، ابحث عنهم في المساجد بالضرورة، اسأل عنهم في مجالس التقاة، لا تستبعد المفاوز لتصل إليهم، ولو اقتدى الأمر أن تعلن في الصحف السيارة: مطلوب مُعينٌ على الخير في شهر رمضان. يا له من إعلان.

ومع هذه الصحبة تتحاثون على تدارك الثواني والدقائق، تحاسبون أنفسكم على الزفرات والأوقات الغاليات، لو فرط أحدكم في صلاة الجماعة وجد من يستحثه على عقاب نفسه، كما كان يفعل ابن عمر.

ترى البطالين يصلون التراويح سُوَيعة ثم يسهرون ويسمرون ويسمدون وتضيع عليهم صلاة الفجر {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [سورة الكهف – الآية 104].

لا أيها الرشيد، تعال أخبرك بحال من اجتمعوا على السير إلى الله: أوقاتهم بالذِكر وقراءة القرآن معمورة، مساجدهم تهتز بضجيج البكاء من خشية الله، تراهم ذابلين من خوف الآخرة، وعند العبادة تراهم رواسي شامخات كأنهم ما خُلقوا إلا للطاعة، ليس في قاموسهم: فاتتني صلاة الجماعة – دع عنك أصل الصلاة -، تراهم في قيامهم وقعودهم مطأطئين على حياء من الله يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

ليلهم، وما أدراك ما ليلهم؟ نحيب الثكالى يتوارى عند نشيجهم {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [سورة الأنفال – الآية 6]، صلاتهم في ظلام تُجلل بأنوار الكرامة، فهم في حُللها يتبخترون، وببهاء مناجاتهم لربهم يتيهون، محا استغفار الأسحار سخائم قلوبهم، فهم في نعيم الأنس يتقلبون، وبلذيذ الخطاب يستمتعون. وهذا الحفظي يخبرنا:

والجنيد يقول طاحت

كل عِلم وإشارة

ورسومات تلاشت

وانمحت تلك العبارة

وركيعات توالت

سحراً فيها البشارة

ورأينا في المآل

ذلك الكنز الدفينا

فاز من قام الليالي

بصلاة الخاشعينا

واعلم أيها النبيه أن من تمام سعيك لتحصيل المغفرة من شهر رمضان أن تبحث لك عن شيخ مُربٍ أريب، قد يكون ظاهراً أو خفياً، قد يكون عالماً أو طالب علم، ولكنك من لحظه ولفظه تعلم أنه صاحب سر مع الله، ومثل هؤلاء يشتهر أمرهم غالباً بين الناس، وإن بالغوا في التخفي فلن تعدم من يدلك عليهم إذا أكثرت التسآل عنهم.

وشرط انتفاعك بهم أن يكونوا من أهل السُنَّة والنسك السلفي، فهؤلاء هم أمنة الأمة وهداتها.

ومثل هؤلاء تنتفع بهديهم ودلهم وسمتهم، وبفعالهم قبل أقوالهم، تراهم في الصلاة نموذجاً للرهبوت والتبتل والتنسك، تكبيرتهم في الصلاة وإن خفتت بها أصواتهم فكأنها صرخة في مجرات الكون بحقيقة أكبرية الله.

الهم إنا نسألك صحبة الصالحين، وألحقنا بهم في جنات النعيم.

كتبه: فضيلة الشيخ رضا بن أحمد صمدي

من كتاب: القواعد الحسان في أسرار الطاعة والاستعداد لرمضان

12‏/08‏/2009

رمضان وتربية النفس

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

فالله -تعالى- خلق عباده فقراء محتاجين، وجعل فقرهم وحاجتهم إلى ما به قيامهم وحياتهم أمراً لا يختلف عليه اثنان من الحاجة إلى الطعام والشراب والشهوة والتفاهم مع الغير وتحصيل المنافع بالمال، فجعل الله -تعالى- في الإنسان رغبات لتحصيل هذه الحاجات وميلاً لها، لأنه لا يستطيع أن يحيا بغير هذه الأمور، ولكن ليست هي الغاية من وجوده، بل هي مسخرة له، وقد صارت هذه الشهوات سبباً لهلاك أكثر البشرية عندما صاروا يخدمونها، وصار أكثرهم يعيش ليأكل وليشرب وليتناسل وليتكاثر وليجمع الأموال ويولد له الأولاد؛ فلذلك شقيت القلوب وطغت النفوس.

والحقيقة أن الذي له غاية أخرى يعلم أن هذه الأشياء هي الوسيلة التي يتوصل بها إلى الغاية، فلا يحتاج إلى أكثر من كفايته في هذه الدنيا، ويستغني عن الزيادات التي هي في الحقيقة شغل شاغل عن تحصيل غايته المطلوبة، ولكن أكثر الناس عاشوا في هذه الدنيا بلا تفكير: لماذا خلقنا؟ وإلى أين يذهب بنا؟ وما الغاية المقصودة من وجودنا؟ وماذا يريد منا خالقنا؟ لم يفكروا في ذلك، بل وجدوا أنفسهم يجوعون فقالوا: نأكل، وجدوا أنفسهم يشتهون النساء فقالوا: نتناكح سواء كان بالزواج أو بالزنى أو بالفواحش، وجدوا أنفسهم يرغبون في المال فقالوا: نأخذه سواء بالحلال أو بالحرام، عند ذلك طغت النفوس وفسدت، وعاش الناس لأجل هذه الشهوات، فشقوا في الحقيقة وتعسوا.

والله -تعالى- أرحم الراحمين، شرع لهم أكمل الشرائع التي تهذب نفوسهم وتصلح قلوبهم، وتجعلهم يتذكرون حقيقة هذه الرغبات، وأنها جعلت فيهم لكي تكون معينة لهم على الوصول إلى الغايات المطلوبة، وشرع لهم الله -تعالى- ترك الفضول من كل هذه الشهوات حتى لا يشغل الإنسان نفسه بغير حاجته وقدر كفايته، ولو أن الناس رغبوا في ذلك لما شقوا في دنياهم، ولما تنافسوا عليها، واهتموا باكتنازها، هل يأكل الغني الذي جمع الملايين أكثر من ملء معدته؟ ولو زاد لكان ذلك تخمة مضرة عليه، وكذلك في الملابس وفي الأموال وفي كل الشهوات.

ولذلك نقول إن الله -تعالى- شرع لنا أكمل الشرائع التي تجعلنا نتحكم في شهواتنا، ونوجهها لا هي التي توجهنا، فكان شهر رمضان جامعًا لكل خصال الخير في تهذيب النفس، وأصل ذلك الصيام، وقد ذكر أهل العلم في مسالك التهذيب أنه لابد أن يتخلص الإنسان من فضول الطعام والشراب وفضول الكلام والخلطة ومن فضول المال ومن فضول الشهوة الجنسية، ومن فضول المنام، فهذه ستة أشياء انشغال الإنسان بها يجعله يضيع عمره فيما لا فائدة فيه.

وفي رمضان شرع الله لنا أن نتحكم في كل هذه الشهوات، فأنت لست تأكل حين تجوع بل لك وقت محدد تمنع نفسك فيه، وتهذبها وتحكمها، وهذا يجعلها طيعة منقادة لأمر الله-تعالى-؛ ولهذا يسهل على الإنسان في رمضان –وعمومًا أثناء الصيام- من العبادات والطاعات ما لا يقدر عليه في غيره، ييسر الله له غض بصره، وكف أذنه، وحبس لسانه، ييسر الله له القيام كما يسر له الصيام، شأن عجيب حقاً، لأن النفس تريد أن تنال رغباتها والعاقل يريد أن يحكمها ويكون هو الملك عليها، فإن الناس مع نفوسهم على مراتب، وأحوال القلوب مع النفوس الأمارة بالسوء الراغبة في الشهوات على درجات متفاوتة، فمن الناس من ملك قلبُه نفسَه فصار هو الذي يتحكم فيها ويقهرها، وبعد حين طويل من الحبس الطويل والتحكم فيها أزال ما بها من ضرر، وصار الحبس لها إصلاحاً، وصار منعها من رغباتها تهذيباً، فصارت وزير صدق لذلك الملك، ولابد أن يبدأ الأمر بذلك، ولا يمكن أن تكون النفس الإنسانية من البداية مطيعة منقادة محبة للطاعة كارهة للمعصية، بل بدايتها أمارة بالسوء متكاسلة عن الطاعة مائلة إلى المعصية والشهوة، فذلك القلب الذي غلب النفس يستطيع بعد حين أن يعلمها ويهذبها حتى تمتلئ إيماناً، بدلاً من أنه يرغم نفسه على قيام الليل وصيام النهار والإنفاق،فبعد تهذيبها يجدها هي السباقة إلى هذه الأعمال الصالحات، وقد صارت وزير صدق معاونة للقلب، وعندما يأتيها الوسواس الخناس ويقول لها: انظري إلى هذه الصورة المحرمة، أو اسمعي إلى هذه الأغنية والموسيقى. فتقول: أعوذ بالله. فصارت هذه النفس مطمئنة إلى ذكر الله، وأسعد شيء عندها هو الشوق إلى الله والتعبد والتقرب إليه سبحانه، كما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه (وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة).

وهناك من الناس من هو مع نفسه في صراع وفي معركة، قلبه الذي هو محل العلم والإيمان يغلب أحياناً وينتصر ويصبح هو صاحب الكلمة، وأحياناً تغلبه النفس، فمرة يطيع ومرة يعصي، فهو مع نفسه في صراع دائم يغلبها مرة وتغلبه مرة.

وهناك من الناس غلبتهم نفوسهم، غلبت القلب وأسرته ألقته في السجن، فيظل متحسراً على ما يرى ويعلم، ولا يستطيع إنفاذ هذا الأمر في أرجاء المملكة، القلب الذي هو محل العلم والإيمان أصبح أسيراً في السجن، ولذلك قالوا: المأسور من أسره هواه وحبس قلبه عن الله، وإذا تمكنت الدنيا من قلبه سجنت الإيمان فصار مجرد شيء في القلب لا يستطيع أن يخرج، ولا أن يسيطر على الجوارح، يعلم أن هذه أن هذه الأشياء محرمات وينهى الجوارح عنها ولكن الجوارح لا تطيعه، فالنفس الأمارة بالسوء تأمر وتنهى وتتحكم في المملكة، فتستجيب لها الجوارح، وهذا العبد يرى نفسه ويعلم أنه مقصر ويرتكب منكراً ومعصية، ومع ذلك هو عاجز قد أدمن المعاصي، فهو إذا قلت له: اتق الله، يقول لك: لا أستطيع أن أترك هذه المعصية، ونفسه تغلبه دائماً.

ثم مع طول الحبس ينقلب الحال من أنه كان يقاوم ويعرف الحق من الباطل، وكان -رغم أسره- رافضاً للهزيمة، يصبح بعد ذلك عنده المعروف منكرًا والمنكر معروفًاً، انتكس القلب، فصار كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- قلب المنافق (أسود مرباداً كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًاً، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه)، صار لا يرى الحق حقًا ولا الباطل باطلاً، بل انقلب الأمر إلى أن صار ما تأمر به النفس هو الحق، وهذا هو الخطر الحقيقي، لأن الانتكاس ليس بأن يرى الحق حقًاً ولو عجز عنه، فإنه يوشك أن تنهض همته إليه يومًا، ولكن إذا رآه باطلاً، إذا رأى أن الالتزام بالدين هو منكر من المنكرات ، وأن القراءة في المصحف وكتب العلم كل ذلك ضرر، فماذا عساه أن يفعل؟ هذا هو الضلال المبين وهذه هي الزندقة. حقًا هذه قلوب قد انتكست فصارت ترى الحق باطلاً والباطل حقاً، ترى الإباحية والتحلل حرية، وترى حكم غير الله ديموقراطية، وترى موالاة الكفار مصلحة ومنفعة، وترى الذل والانكسار لأعداء الله تحقيقًاً للمصلحة، هذه القلوب التي انتكست سببها أنها غلبت أولاً في المعركة التي بين القلب وبين النفس.

فهذه فرصة عظيمة شرعها الله في رمضان لكي نتحكم في نفوسنا، ولو سأل كل واحد نفسه: أين أنت من هذه الطبقات؟ هل أنت ممن تحكم في نفسه الأمارة بالسوء؟ هل وجدت لذة العبادة؟ أم مازلت تكره نفسك عليها؟ أم أنك في الحقيقة إذا قمت ليلة لم تقم عشرًا؟ وإذا صمت يومًا لم تصم شهرًا؟ فهكذا تغلبك نفسك دائماً على ذلك، فلا تنفق شيئاً في مرضاة الله، ولا تتعب بدنك في العمل لله تعلمًا وتعليمًا ودعوة وعبادة لله، وهكذا كل واحد منا بالتأكيد عرف نفسه في أي المراتب هو؟ ومن الغالب في المعركة؟

وأنت مقبل على فرصة عظيمة حتى تنتصر على نفسك، وتتحكم في هذه الشهوات كلها، شرع الله لنا الصيام الذي هو أنفع أنواع التهذيب، أن تمتنع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من الطعام والشراب والشهوة، وأحل الله لنا ذلك فيما بين المغرب إلى طلوع الفجر الصادق، وهذا هو الوسطية المطلوبة التي فقدها الرهبان الذين كانوا على الرهبانية المبتدعة، كما وصف لله -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد: من الآية27) حرموا على أنفسهم ما أحل الله، ولذا قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87)، فالواحد منهم يحرم على نفسه أكل اللحم ونكاح النساء والنوم بالليل أو على الفراش، وهذا كان موجوداً في بعض من غالى في العبادة في أول الإسلام أو في أوائل الصوفية وهؤلاء فقدوا الوسطية، ولذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، ولما قالوا له: إنك تواصل، قال: (إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)، ولذلك فأكثر أهل العلم على أن النهي عن الوصال، إما نهي تحريم -وهو الصحيح- وإما نهي تنزيه. والوصال هو ألا يأكل ولا يشرب يومين متتاليين، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوصال، وقال: (من أحب منكم أن يواصل فليواصل إلى السحر)، فأذن أن يواصل إلى السحر، ويأكل كل يوم أكلة واحدة في السحور. والحقيقة أن الوسطية هي الأمر المطلوب، أما أن يكون الإنسان يأكل كلما جاع ويشرب كلما عطش ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه طول السنة فهذا أمر مذموم، ولاشك أنه سوف تغلبه نفسه.

وقد شرع لنا القيام لترك فضول المنام، لم يكن من عادته -صلى الله عليه وسلم- أن يحيي الليل كله دون أن ينام جزءاً منه طول السنة إلا في العشر الأواخر من رمضان، وذلك السهر خير وأوسط أنواع السهر الذي لا يغلب على الإنسان فلا ينام بالكلية فيحصل له الخلل في فكره وشعوره، ولذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ولكني أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

ولم يحرم الجماع بالكلية، ولكن حدد له وقتًا معينًا وجعل الإنسان هو الذي يتحكم فيه، وفرض كفارة غليظة مشددة على من جامع عمدًا في نهار رمضان، بأن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكيناً، فهذا التشديد حتى يستطيع التحكم في نفسه.

وشرع لنا من ترك فضول الكلام ما لا حاجة إليه فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا كان يوم صوم أحكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل) لا يصخب: لا يصيح، لا يرفث: لا يقول الرفث وهو الفاحش من القول، ولا يجهل: لا يقول الكلام السفيه الجاهل، (فإن قاتله أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم). وشرع لنا مزيد التحفظ من الغيبة والنميمة والزور، قال -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، ولذا فارتكاب الكبائر أثناء نهار رمضان يذهب بأجر الصيام، ويجعل الصوم غير مقبول، لأن الصوم شرع لتحقيق التقوى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فإذا ارتكب الكبائر أثناء صومه كان ذلك دلالة على أن صومه ليس هو الصوم المشروع، ولذا كان بلا ثواب وكان غير مقبول، ولم يكن لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، لذا نقول: إن من يترك الصلاة مثلا أو من تخرج متبرجة في نهار رمضان، أو من يسب ويلعن...فهذا مفطر بقلبه وإن لم يكن مفطرًا بفمه وبطنه، ولا ثواب له، وصومه غير مقبول، وإن كان يسقط عنه الفريضة ولا يؤمر الإعادة إلا أنه لا ثواب فيه، وإن جاع وعطش، (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب). فعليك أن تكون منتبهاً لصومك، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث)، فإذا كنت تحفظ لسانك في سائر الأوقات فليكن حفظك له في رمضان أشد.

وكذلك ترك فضول المخالطة، فالغرض من خلطة الناس تحصيل ما ينفع الخلق، فالخلطة مع أصحاب اللعب واللهو من أعظم الضرر، فهؤلاء يجر بعضهم بعضاً إلى المنكرات والفواحش من الإدمان والسرقة والزنى والتدخين. وخلطة الصالحين خير خلطة وهي تقلل من الاختلاط بأهل الفساد، وقد أصبح الاختلاط في زماننا له مفهوم أوسع منه في الزمن الماضي، فقد صارت الخلطة من خلال وسائل الإعلام ولو كان في حجرة مغلقة: من المذياع والتلفزيون وغيرها. فحاول أن تكون على مقاطعة تامة لوسائل الإفساد في رمضان، لتكون مهتمًا بشغل نفسك بطاعة الله وبصحبة الصالحين، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم كما قال ربنا في العبد الخطاء الذي جلس مع الصالحين لحاجة وهو ليس منهم، قال الله -تعالى-: (وله غفرت،هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فمجرد التواجد في المساجد مع أهل البر والتقوى والصلاح من أسباب السعادة والمغفرة، وحذار أن تجعل المساجد سبيلاً إلى الخلطة المحرمة من الرياء والسمعة وطلب الوجاهة والمنزلة بين الناس فهذا هو الخطر على إخواننا، وإنما تخالط من يذكرك بالله وتذكره بالله.

والاعتكاف فرصة للخلوة ومحاسبة النفس، ولذلك نقول: ساعة يراجع الإنسان فيها نفسه كل يوم: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية)، وكما قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18).

أما فضول الأموال، فقد شرع الله لنا في رمضان قدراً واجباً وقدراً مستحباً، فشرع لنا من الواجب زكاة الفطر وهي طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، وشرع لنا الصدقة في رمضان، وأفضل الصدقة في رمضان كما في الحديث (أفضل الصدقة صدقة في رمضان)، وإن كان فيه ضعف، لكن يشهد له ما في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أجود ما يكون في رمضان، وحديثَ (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا)، فعليكم بكثرة الإنفاق خصوصاً في سبيل الله -عز وجل-.

ومن النفقة المشروعة في رمضان النفقة في العمرة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة)، وهذه العمرة في رمضان تجمع كل أنواع تربية النفس وتزكيتها، فلا تعبأ كثيراً بالمستوى الفاخر، وإنما فكر كيف ستكسر عادة النفس، لأن العمرة فيه فيها نفقة وفيها تحكم في كل الرغبات والشهوات. نسأل الله -تعالى- أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه: ياسر برهامي

www.salafvoice.com

موقع صوت السلف

08‏/08‏/2009

يعذبك على خلاف السُنَّة

قال الشيخ الألباني رحمه الله في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" (2/236):
روى البيهقي بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة ؟ ! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السُنَّة. وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيراً من البدع باسم أنها ذِكْر وصلاة، ثم يُنكِرون على أهل السُنَّة إنكار ذلك عليهم، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذِكر والصلاة ! ! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذِكْر والصلاة ونحو ذلك.

انتهى من الإرواء.

وقال في الإرواء أيضاً (4/181):
وما أحسن ما قال الإمام مالك رحمه الله لرجل أراد أن يُحْرِم قبل ذي الحليفة: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال : وأي فتنة في هذه ؟ ! وإنما هي أميال أزيدها ! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سَبَقْتَ إلى فضيلة قَصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! إنى سمعت الله يقول: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

انتهى من الإرواء.

30‏/07‏/2009

آراء باحثي الغرب في التحريف الذي حدث بالنصرانية

سؤال: أيمكن أن يتحول دين سماوي خالص إلى مزيج مُركب من خرافات ووثنيات متضاربة؟
وسؤال أعجب منه: كيف احتفظت المسيحية باسمها ونسبتها إلى المسيح وهي على هذه الحال؟

إن الكثير من مؤرخي الفكر الغربي قد تخلصوا من الإجابة على مثل هذه التساؤلات بتقسيمهم الدين النصراني قسمين متباينين لا رابط بينهما سوى النسبة للمسيح :
1. المسيحية الأصلية، أو "مسيحية يسوع ".
2. المسيحية الرسمية، أو "مسيحية بولس". ويعنون بها العقيدة التي نشرتها الكنيسة ابتداء من سنة (325م) بمجلس نيقية.
ومجلس نيقية هو المجلس الذي عقده الامبراطور الروماني قنسطنطين وحضره ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة والأساقفة يمثلون مذاهب متنافرة ومتناحرة وتم فيه إقرار النصرانية الوثنية المحرفة كديانة رسمية للامبراطورية الرومانية.

يقول جرين برنتن - كتاب أفكار ورجال (قصة الفكر الغربي) ص207 - : " إن المسيحية الظافرة في مجلس نيقية – العقيدة الرسمية – في أعظم إمبراطورية في العالم مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل، ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع تختلف عن المسيحية الأولى فحسب، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً ".

أما المؤرخ الإنجليزي هـ. ج. ويلز - كتاب معالم تاريخ الإنسانية ص720،693. وبعض الكُتاب أنكر وجود المسيح كلية، انظر كتاب محاضرات في النصرانية ص42، ولكن هذا مما لا يلتفت إليه - فيقول: "من الضروري أن نستلفت نظر القارئ إلى الفروق العميقة بين مسيحية نيقيا التامة التطور وبين تعاليم يسوع الناصري… فمن الواضح تماماً أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية ولم يكن لها معبد مقدس حسباً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً "، وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة. بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل – كنواة لها – كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة، والعمل الجوهري في العبادة فيها هو القربان الذي يقر به قديس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة، ولئن اتشحت المسيحية بأردية خارجية تشابه نِحَل سيراييس أو آمون أو بعل مردك مشابهة غير عادية فلا بد لنا أن نذكر أنه حتى كهانتها نفسها كانت مظاهر جديرة بأعيانها، ولقد بلغ من جرأة الكتاب المتشككين أن أنكروا إمكان أن يسمى يسوع مسيحياً على الإطلاق
".
وإذا كان هذا هو رأي العلماء الباحثين فإن من المفيد أن نعرف رأي رجال الكنيسة في هذا الأمر، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه الدكتور "وليام تامبل " أسقف كنيسة كنتربري وحبر من أحبار إنجلترا، حيث يقول: "
إن من الخطأ الفاحش أن نظن أن الله وحده هو الذي يقدم الديانة أو القسط الأكبر منها " - من كتاب الجفوة المفتعلة بين العلم والدين لمحمد علي يوسف ص11 - وليس هذا الكلام فلتة من الحَبر الكبير، أو سهواً غير مقصود، وإنما هو تعبير صريح صادق عن عقيدة الكنيسة وواقع تاريخها.

وعلى ضوء هذه الآراء نستطيع أن نعرف ما إذا كانت أوربا قد اعتنقت النصرانية الحقة الموحاة من الله، أو اعتنقت المُرَكَّب الذي صنعه أجداد الدكتور تامبل من آباء الكنيسة الأولين، واستخرجوه من العقائد السائدة في عصرهم آنذاك.


كتبه: د. سفر بن عبد الرحمن الحوالي، من كتاب "العلمانية: نشأتها وتطورها" - رسالة ماجيستير
http://www.alhawali.com