09‏/05‏/2013

حُكم الشيء حُكم مثله


وقد استقرت شريعته سبحانه أنَّ حُكم الشيء حُكم مثله، فلا تُفَرِّق شريعته بين متماثلَيْن أبداً ولا تجمع بين متضادَّيْن، ومَن ظنَّ خلاف ذلك فإما لقِلة علمه بالشريعة، وإما لتقصيره في معرفة التماثل والاختلاف، وإما لنسبته إلى شريعته ما لم يُنَزِّل به سلطاناً، بل يكون مِن آراء الرجال. فبحكمته وعدله ظهر خلقُه وشرعُه، وبالعدل والميزان قام الخلقُ والشرعُ، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين.

وهذا كما هو ثابتٌ في الدنيا فهو كذلك يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصَّافات – الآيات 22، 23]، قال عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعده الإمام أحمد رحمه الله: "أزواجهم" أشباهُهم ونظراؤهم.

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [سورة التَّكوِير – الآية 7]، أي قُرِن كُل صاحب عمل بشكله ونظيره، فقُرِن بين المتحابين في الله في الجَنَّة، وقُرِن بين المتحابين في الشيطان في الجحيم، فالمرء مع مَن أحب شاء أو أبى، وفي مُستَدرك الحاكِم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((لا يُحِب المرءُ قَوْماً إلا حُشِرَ معهم)).


كتبه: ابن قَيِّم الجَّوْزِية،
مِن كتاب "زاد المعاد في هَدْي خَيْر العِباد" [ج4/ص269/270] (الطبعة 26: 1412هـ/1992م) – مؤسسة الرسالة.

04‏/05‏/2013

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ


قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [سورة النساء - الآية 171].

((ينهى تعالى أهلَ الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثيرٌ في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه مِن حيز النبوة إلى أنْ اتخذوه إلهاً مِن دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوا فيهم العصمة واتَّبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقاً أو باطلاً، أو ضلالاً أو رشاداً، أو صحيحاً أو كذباً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  [سورة التوبة - الآية 31]، وروى الإمام أحمد عن عمر: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم عليه السلام فإنما أنا عبد الله ورسوله" [مُسنَد أحمد (1/90)]، وقال علي بن المديني: هذا صحيح مُسنَد. ورواه البخاري [ح3445].
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك: أنَّ رجلاً قال: يا محمد , يا سيدنا وابن سيدنا, وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس, عليكم بقولكم, ولا يستهوينكم الشيطان, أنا محمد بن عبد الله, عبد الله ورسوله, والله ما أحب أنْ ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل)).

وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ أي لا تفتروا عليه ولا تجعلوا له صاحبةً وولداً – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته – فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي إنما هو عبد مِن عباد الله وخَلق مِن خلقه، قال له: كُن فكان، ورسول مِن رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم...
وروى البخاري [ح3435] عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن شهدَ أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان مِن العملِ". ورواه مسلم [28].

فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية – الآية 13] أي مِن خلقه ومِن عنده، وليست "مِن" للتبعيض كما تقوله النصارى – عليهم لعائن الله المتتابعة – بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى.
وقد قال مجاهد في قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي ورسول منه. وقال غيره: ومحبة منه. والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق مِن روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [سورة هود – الآية 64]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [سورة الحج – الآية 26]، وكما ورد في الحديث الصحيح "فأدخل على ربي في داره" أضافها إضافة تشريف، وهذا كله مِن قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي فصدِّقوا بأنَّ الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأنَّ عيسى عبد الله ورسوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أي لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.


[عُمدة التفسير عن الحافظ بن كثير: مختصر تفسير القرآن العظيم لابن كثير – العلامة المحقق أحمد شاكر].

17‏/04‏/2013

مِن أسرار الدُّعاء


وكثيراً ما نجد أدعيةً دعا بها قومٌ فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورةُ صاحبه وإقباله على الله، أو حسنةٌ تقدَّمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكراً لحسنته، أو صادفت وقت إجابة، ونحو ذلك فأُجيبت دعوتُه، فيظن الظان أنَّ السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجرداً عن تلك الأمور التي قارنته مِن ذلك الداعي.

وهذا كما إذا استعمل رجلٌ دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به، فظن غيره أنَّ استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ في حصول المطلوب، فإنه يكون بذلك غالطاً.

وهذا موضعٌ يغلط فيه كثيرٌ مِن الناس.

ومِن هذا أنه قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبرٍ فيُجاب، فيظن الجاهل أنَّ السر للقبر. ولم يعلم أنَّ السر للاضطرار وصدق اللجإ ِ إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت مِن بيوت الله كان أفضل وأحب إلى الله.


ابن قَيِّمُ الجوزية
مِن كتاب: الدَّاء والدَّواء

09‏/03‏/2013

نشأة وتطور الاقتصاد الإسلامي


إذا كان مُصطَلَح الاقتصاد الإسلامي لم يظهر كمُصطَلَح سوى في أواخر القرن الرابع عشر الهجري أي في النصف الثاني مِن القرن العشرين، فإنَّ جوهر ومضمون هذا المُصطَلَح ارتبط بالإسلام منذ ظهور رسالته التي وَضَعَت الأُسس الشرعية والفكرية والتطبيقية لعِلم الاقتصاد، حيث عُرِفَت الممارسات الاقتصادية منذ العام الهجري الأول، فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم سُوقاً بالمدينة ووضع الضوابط اللازمة للمعاملات بما يكفُل القضاء على الغِش والغبن والاحتكار والربا، وحرص على جمع الزكاة وإقطاع الأرض لمن يريد أنْ يحييها بالاستصلاح، ونظَّم استخدام الموارد المائية، ورسَّخ مفهوم العدل في المعاملات، واحترام المِلكية الفردية، وحرية الأسواق، وما يجري فيها مِن معاملات وأسعار ما دامت في إطار الشريعة الإسلامية الغرَّاء، ووضَع الضوابط اللازمة لمجالات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.

وجاء عصر الصحابة والتابعين فانتشر مفهوم فقه المعاملات كنتيجة طبيعية لاتساع هذا الفقه باتساع رقعة الدولة الإسلامية، وظهرت كتابات قَيِّمة في الاقتصاد الإسلامي بأيدي المفسرين والفقهاء والمؤرخين وفلاسفة عِلم الاجتماع والسياسة والأخلاق. فقد كتب أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت 182هـ/798م) كتابه "الخَراج"، وكتب محمد بن الحَسَن الشيباني (ت 198هـ/804م) كتابه "الاكتساب في الرزق المُستطاب"، وكتب يحيى بن آدم القُرشي (ت 203هـ/818م) كتابه "الخَراج"، وكتب أبو عُبَيْد القاسِم بن سلام (ت 224هـ/838م) كتابه "الأموال"، وكتب علي محمد بن حبيب الماوردي (ت 450هـ/1057م) كتابيه "الأحكام السلطانية" و"المُضارَبة".

وإلى جانب ذلك ظهرت العديد مِن الكتابات في عِلم الاقتصاد الإسلامي لأئمة الفقه وتلاميذهم مِن خلال تعرضهم للفقه الإسلامي بجوانبه المتعددة [مُعظَم الفقهاء، مثل الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ/767م)، والإمام مالِك (ت 179هـ/798م)، والإمام الشافعي (ت 204هـ/820م)، والإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م)، والإمام ابن حَزْم (ت 456هـ/1064م)، وغيرهم، قد كتبوا عن أمور اقتصادية كثيرة، مثل البيوع، الربا، القَرْض، الرهن، الضمان، الكفالة، الوَكالة، الحوالة، المشارَكة، المضارَبة، المزارَعة، المساقاة، الإجارة، أحكام السُّوق، الحسبة، وإنْ كان في مجملها مِن جانب فقهي]، فضلاً عن العديد مِن الكتابات المتفرقة والمتعمقة في الاقتصاد الإسلامي للعديد مِن العلماء، وفي مقدمتهم الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ/1111م) الذي تناول في كتابه "إحياء عُلُوم الدِّين" اكتساب الدخل، ومشروعية تكوين الثروة، وصعوبات المقايَضة، والنقود، والرِّبا. وأبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي (ت 570هـ/1174م) الذي تناول في كتابه "الإشارة إلى محاسِن التجارة" الحاجات، وتقسيم العمل، وصعوبات المقايَضة، والنقود، والأسعار. وابن تيمية (ت 728هـ/1328م) الذي تناول في كُتُبه "السياسة الشرعية" و"مجموع الفتاوى" و"الحسبة" النقود، والأسعار، ودور الدولة في الرقابة على الأسواق ورعاية المحتاجين مِن الناحية الاقتصادية، كما تناولها أيضاً تلميذه ابن القيم (ت 751هـ/1350م) في كتابيه "الطُّرُق الحكمية في السياسة الشرعية" و"إعلام الموقعين عن رب العالمين".

ومع نهايات القرن الثامن وبدايات القرنن التاسع الهجري ظهر رائد عِلم الاجتماع، ومِن ثَم عِلم الاقتصاد – باعتباره فرعاً مِن العلوم الاجتماعية – ابن خلدون (ت 808هـ/1404م) الذي كتب كتابه "المقدمة" قبل أنْ يولد مَن سماه الغرب أبو الاقتصاد آدم سميث الذي نَشَر كتابه "ثروة الأُمم" عام 1776م، فقد كشفت مقدمة ابن خلدون عن تطرق ابن خلدون بالمناقشة للعديد مِن المباديء الاقتصادية بصورة تجمع بين الفهم العميق والنظر البعيد والفِكر الثاقب. فتعرَّض على سبيل المثال لتقسيم العمل، والأسعار، والنقود، والعَرْض والطلب، وتقسيم السلع إلى ضرورية وكمالية، والتجارة الخارجية، كما ناقش بإسهاب الأنشطة الاقتصادية المؤدية إلى اكتساب الدخل في القطاعات الرئيسية، وقَدَّم تحليلاً دقيقاً للنمو الاقتصادي ودَوْر الدولة فيه خلال مراحل تطورها.

وفي تلك الفترة ظهر أيضاً المقريزي (ت 845هـ/1442م) الذي تناول بالتحليل في كتابه "إغاثة الأُمَّة بكشف الغُمَّة" أسباب غلاء الأسعار في مِصر في تلك الفترة، متناوِلاً النقود والأسعار، مُحَلِّلاً التغيرات في قيمة النقود وعلاقتها بالارتفاع المستمر في الأسعار والأزمات الاقتصادية المترتبة على ذلك، معلِّلاً أسباب الغلاء بسوء التدبير والفساد الإداري وزيادة كمية النقود المتداوَلة. كما ظهر بعد ذلك شاه ولي الله (ت 1176هـ/1762م) الذي تناول في كتابه "حُجَّة الله البالِغة" عقود المشارَكات، والرِّبا، والقمار، والزكاة، والضرائب، والإسراف.

وقد انطبق على عصر ابن خلدون نظريته الخالدة بأنَّ ((تقدُّم العلوم يتوقف على تقدُّم المجتمع نفسه)) [مقدمة ابن خلدون (ص434)، مكتبة القرآن، تحقيق إيهاب محمد إبراهيم]، حيث بدأ في عصره نهاية الازدهار الإسلامي، وفي مقدمة ذلك عِلم الاقتصاد الإسلامي الذي شهد نمواً سريعاً وعُمقاً واسعاً حتى القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي – ثُم كانت وتيرته بصورة أقل حتى القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي – ثُم عاش في زاوية النسيان بعد ذلك خاصةً بعد القضاء على الخلافة الإسلامية عام 1924م وسيطرة الاستعمار الغربي على ديار المسلمين، وفي الوقت نفسه أصبح الاقتصاد التقليدي عِلماً قائماً بذاته في الغرب، ويشهد حِراكاً واسعاً نحو التطوير.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية شهد النصف الثاني مِن القرن العشرين زوال الاستعمار مِن بلاد المسلمين، وظهرت الحاجة إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي فضلاً عن السياسي، وتطوير الاقتصاد بما ينسجم مع التعاليم الإسلامية، وهو ما أدى إلى ظهور مصطلح الاقتصاد الإسلامي، وكشف النقاب عن المنهج الاقتصادي الإسلامي، لإقامة نظام اقتصادي يجمع بين فقه النص وواقع العصر، للخروج مِن نفق التبعية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقد تبنى هذا الفِكر إسلاميون مخلِصون، وعدد محدود مِن أنظمة الحُكم، التي انخدعت في مجملها بالرأسمالية تارة وبالاشتراكية تارة أخرى، وبالترقيع بينهما تارة ثالثة، حتى ارتبطت بالاستعمار فكرياً بعد زواله عسكرياً، وبقي الجانب الفكري له أذنابه ممن رضعوا لبنه وانفطموا عليه.

ولم تنقطع اجتهادات المفكرين الاقتصاديين الإسلاميين في تحليل مشكلات مجتمعاتهم وعَرْض أنواع العلاج الملائِمة لها في إطار المنهج الاقتصادي الإسلامي.

وهكذا تطور الفِكر الاقتصادي الإسلامي الحديث وظهرت مساهمات عديدة عن خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي في مجالات النقود والربا والبنوك الإسلامية والزكاة والضرائب والقيمة الاقتصادية والتضخم وكيفية تحقيق الاستقرار النقدي، وكذلك في مجال التعاون والتكامل بين الدول الإسلامية.

وقد تمثلت تلك المساهمات في كتابات فردية لعلماء في الفقه والاقتصاد، فضلاً عن قوة الدفع الحقيقية للاقتصاد الإسلامي التي تمثلت في العديد مِ، المؤتمرات والندوات العالمية في الاقتصاد الإسلامي التي أُقيمَت على نحو شبه مستمر ومتواصل، وفي مقدمتها المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي، الذي عقدته جامعة الملِك عبد العزيز بمكة المُكَرَّمة في شهر فبراير 1976م، كما كان للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجَدَّة دورٌ كبير في إقامة وإنجاح العديد مِن الندوات والمؤتمرات، وكذلك مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بمصر. فضلاً عن دَوْر المجامع الفقهية في تعضيد الفقه التنظيري والميداني للاقتصاد الإسلامي وفي مقدمتها المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بمكة المُكَرَّمة.

كما لقي الاقتصاد الإسلامي أيضاً دَفعة كبيرة في الجانب المؤسسي مِن خلال التعليم الجامعي أو الدراسات العليا في العديد مِن الجامعات بالدول الإسلامية، كجامعة أُم القُرى وجامعة الإمام بالمملكة العربية السعودية، وجامعة أُم درمان الإسلامية وغيرها بالسودان، والمعهد العالي للاقتصاد الإسلامي في إسلام أباد بباكستان، والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، وجامعة الأزهر وجامعة الإسكندرية بمصر، وجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة الأوزاعي في لبنان.

ولم يقتصر الأمر على الجامعات بالدول الإسلامية بل تعداه للجامعات ومراكز الأبحاث بالدول الغربية، فعلى سبيل المثال، فإنَّ جامعة هارفارد Harvard في الولايات المتحدة لها اهتمامات منذ فترة ليست بالقصيرة على مستوى الملتقيات الدورية، ولديها قاعدة بيانات عن البحوث في مجال الاقتصاد الإسلامي، كما تُعَد بريطانيا مِن الدول المتقدمة في هذا المجال عبر البرنامج الأكاديمي للماجيستير والدكتوراه الذي تقدمه جامعات دُرم Durham، ولافبرا Loughborough، ودندي Dundee، ونيوكاسِل New Castle، وريدنج Reading، وبانقور Bangor. وهناك أيضاً معهد المصرفية الإسلامية والتأمين في لندن IIBI، والمعهد العالمي للفِكر الإسلامي في الولايات المتحدة IIIT. كما يوجد برنامج للماجيستير في المالية الإسلامية في جامعة باريس دوفن Paris-Dauphine University في فرنسا، وجامعة لا تروب La Trobe في أستراليا.

كما ظهر الجانب المؤسسي أيضاً مِن خلال المؤسسات المالية الإسلامية وفي مقدمتها المصارف الإسلامية التي شهدت نمواً متزايداً وسريعاً، فقد تنامت مِن حيث العدد مِن بنكين إثنين أحدهما في مِصر والثاني في باكستان في الستينيات إلى أكثر مِن 350 مصرفاً حول العالَم في الوقت الحالي، بالإضافة إلى عدد آخَر ليس بقليل مِن البنوك التجارية التي عملت على تنويع نشاطها بفتح نوافذ مصرفية إسلامية، أو التي اتخذت خطوات فعلية للتحول إلى العمل المصرفي الإسلامي.

زعلى مستوى نُظُم الحُكم عمدت بعض الدول إلى تحويل نظامها الاقتصادي إلى النظام الإسلامي، كباكستان والسودان وإيران. وقد ساهم في الاهتمام بإقامة الاقتصاد الإسلامي فِكراً وتطبيقاً فشلُ النظام الاشتراكي، بعد أنْ انخدعت بعض الدول الإسلامية به حتى تم انهياره بزوال الاتحاد السوفييتي مع نهاية الثمانينيات مِن القرن الماضي، وكذلك النظام الرأسمالي، الذي ظهرت خرافة الحرية الاقتصادية التي ينادي بها بعد الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في العام 2008.

لقد كشف الماضي والحاضر عن عجز النُّظُم الوضعية عن تحقيق الاستقرار الاقتصادي والرفاه الروحي، فضلاً عن عجز الدول النامية – وفي مقدمتها الدول الإسلامية – عن تقليل الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة، بل ومعاناة العديد مِن الدول الإسلامية مِن ازدياد حدة المشكلات الاقتصادية في شكل عجز مستمر في موازين المدفوعات وارتفاع غير عادي في الدَّيْن العام بنوعيه الداخلي والخارجي، واشتداد حِدة التضخم، وارتفاع وتنامي نسبة الفقر، وهو ما دفع العديد مِن الدول الإسلامية والغربية على السواء في واقعنا المعاصِر إلى الاهتمام بالاقتصاد الإسلامي فِكراً وتطبيقاً.

 

 

كتبه: د. أشرف محمد دوابه،

مِن كتاب "الاقتصاد الإسلامي: مدخل ومنهج" (الطبعة الأولى: 1431هـ/2010م) – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة.

23‏/01‏/2013

الاحتفال بالموالد .. شبهات وردود

إنَّ مما اهتمت به الصوفية منذ قرون إقامة الموالد التي لم يعرفها السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان . ورغم ما يدعيه أربابها من محاسن لها؛ فقد كان لها من المساوئ وترتَّب عليها من المفاسد ما دفع الاستعمار ووكلاءه وكل عدو متربِّص بنبع الإسلام الصافي؛ إلى أن يحرص على تشجيعها؛ بل يشارك رموز الصوفية في حضورها؛ لذا من المفيد هنا تفنيد أقوى شبهاتهم التي يظنونها أدلة على مشروعية الاحتفال بتلك الموالد؛ حتى لا يغترَّ بها من تطْرُق سمعه .


الشبهة الأولى: أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوماً - يعني: عاشوراء - فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجَّى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصام موسى شكراً لله، فقال: « أنا أَوْلى بموسى منهم »، فصامه وأمر بصيامه [أخرجه البخاري في كتاب : أحاديث الأنبياء، باب : قول الله - تعالى - : { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } (طه : 9)، { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } (النساء : 164)، رقم (3397) من المطبوع مع شرحه فتح الباري]، فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة .
والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، ولا شك أن مولد النبي والولي من النِّعَم العظيمة التي تستحق الشكر والاحتفال.

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه :

الوجه الأول: أصل عمل المولد بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذ لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه، وصححه الألباني] .

الوجه الثاني: أن تخريج عمل المولد على حديث صوم عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين ما بيَّنَّاه من أنه بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة؛ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنصِّ على الوجه الذي يفهمه منه مَنْ بعدَهم؛ يمنع عدَّ ذلك الفهم صحيحاً؛ إذ لو كان صحيحاً فلِمَ يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه مَنْ بعدَهم؟ كما يمنع عدَّ ذلك النص دليلاً عليه؛ أنه لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح؛ فالاستنباط المذكور مخالف لما أجمع عليه السلف: من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به؛ وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يُجمِعون إلا على هدًى .
وقد بسط الشاطبي - رحمه الله - الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه :
الموافقات في أصول الأحكام [يراجع : الموافقات (3/41-44)، والمسألة الثانية عشرة من كتاب «الأدلة الشرعية»].

الوجه الثالث: أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتِّباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع .
فصيام يوم عاشوراء قد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورغَّب فيه، بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيداً؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبيَّن ذلك لأمته؛ لأنَّهُ ما من خير إلا قد دلَّهم عليه - صلى الله عليه وسلم - ورغَّبهم فيه، وما من شر إلا قد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذَّرهم منه .

الوجه الرابع: إذا كان المراد من إقامة المولد شكر الله - تعالى - على نعمة ولادة النبي أو الولي؛ فإن المعقول والمنقول يحتِّمان أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربَّه به؛ كالصوم، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذَّة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك الطعام والشراب؛ فتعارض الغرضان، فآثروا ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزَّلل عند أهل البصيرة .
بل إن الموالد في كثير من الأحيان تكون ذريعة للفسق لا للشكر .
يقول السيد رشيد رضا في المنار ( 2/74-76 ) : « فالموالد أسواق الفسوق فيها خيام للعواهر، وخانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل، يقصد بها إضحاك الناس » .
أفلا يكفي الأمةَ ما كفى نبيَّها ويسعها ما وسعه ؟ وهل يقدر عاقل أن يقول : لا .
إذن لِمَ الافتيات على الشارع، والتقدم بالزيادة عليه، والله - سبحانه وتعالى - يقول : { وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ( الحشر : 7 )، ويقول - تعالى - : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( الحجرات : 1 ) .


الشبهة الثانية: الاستدلال بما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : «خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصل الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه ! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون .
يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله» [أخرجه البخاري في كتاب : التراويح، باب : فضل من قام رمضان، رقم (2010) من المطبوع مع شرحه فتح الباري] .
فيستدل المخالف بقول عمر - رضي الله عنه - : « نِعْمَ البدعة هذه » على ما يستحدثه المبتدعة .

وللإجابة عن هذه الشبهة نقول: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال هذه الكلمة حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، وصلاة التراويح وفعلُها جماعةً ليس بدعة في الشريعة؛ بل هو سنة بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله لها في الجماعة، فقد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثاً .
فعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال : « صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبعٌ من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله ! لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه، قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة »، ثم لم يصلِّ بنا ولم يقم، حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه، حتى تخوَّفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور» [أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وصححه الألباني] .
وبهذا الحديث احتجَّ أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد .
وفي قوله هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام، وذلك أَوْكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعاتٍ في المسجد على عهده - صلى الله عليه وسلم - وهو يُقِرُّهم، وإقراره سنة منه - صلى الله عليه وسلم - .
وفي قوله في رواية البخاري آنفاً : « ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط » ما يدل على أن من الصحابة - رضي الله عنهم - من كانوا يصلون التراويح جماعة في عهد عمر - رضي الله عنه - قبل أن يجمعهم كلهم على إمام واحد .
إذا عُلم ما تقدَّم؛ فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر – رضي الله عنه - وإنما أراد - رضي الله عنه - بقوله المذكور البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تُستخدم إلا في موضع الذم بخلاف اللغة؛ فإن كل ما أُحدِث على غير مثال سابق بدعة؛ سواء أكان محموداً أم مذموماً .
وعلى هذا حمل العلماء قول عمر رضي الله عنه؛ فقد قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير الآية ( 17 ) من سورة البقرة ما نصه: ( والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - : « فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة »، وتارة تكون بدعة لغوية؛ كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن جَمْعِه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: « نعْمَتِ البدعةُ هذه ! » ) .
وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( فإذا كان نص رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قد دلَّ على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقاً ولم يُعمَل به إلا بعد موته؛ ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإذا عُمل ذلك العمل بعد موته؛ صحَّ أن يسمَّى بدعة في اللغة؛ لأنه عَمَلٌ مبتدأ، كما أن الدين نفسه الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمَّى بدعة ويسمَّى محدثاً في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين إلى الحبشة : « إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين محدَث لا يُعرَف » .
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمِّي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلِم أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « كل بدعة ضلالة » لم يُرِد به كل عملٍ مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد : ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو - صلى الله عليه وسلم - .
وإذا كان كذلك فالصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يصلون قيام رمضان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعةً وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة أو الرابعة لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [يقصد ما أخرجه البخاري، في باب : ما يكره من كثرة السؤال، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ليالي، حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال : «ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس ! في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»]، فعلَّل - صلى الله عليه وسلم - عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم .
فلما كان في عهد عمر - رضي الله عنه - جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج - عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمِّي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمَّى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوفُ الافتراضِ، وخوفُ الافتراض قد زال بموته - صلى الله عليه وسلم – فانتفى المعارض [اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/592-593)] ) ا . هـ .


الشبهة الثالثة: ومن الشُّبَه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم : إن التذكير بالمولد مطلوب بأمر القرآن، قال - تعالى - : { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } ( إبراهيم : 5 ) .

الجواب عن هذه الشبهة: إن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد من قبيل حمل كلام الله - تعالى - على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به، وهذا أمرٌ لا يليق؛ فإن كبار المفسِّرين قد فسَّرُوا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالتذكير بأيام الله في هذه الآية الاحتفال بمولد النبي أو الولي، وإنما المقصود بالتذكير بأيام الله : الوعظ بنِعَمه ونِقَمه؛ فعن أُبَيِّ بن كعب - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إنه بينما موسى - عليه السلام - في قومه يذكِّرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه، إذ قال : ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً وأعلم مني »، قال : « فأوحى الله إليه : إني أعلم بالخير منه أو عند من هو .... » الحديث [أخرجه مسلم في صحيحه، باب: من فضائل الخضر عليه السلام] .
قال القرطبي في تفسيره : ( قوله - تعالى - : { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } أي : قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى .
قال ابن عباس و مجاهد و قتادة : بنِعَم الله عليهم، وقاله أُبَيُّ بن كعب ورواه مرفوعاً، أي : بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النِّعَم، وقد تُسمَّى النِّعَم الأيام، ومنه : قول عمرو بن كلثوم :وأيام لنا غر طوال .....................
وعن ابن عباس أيضاً ومقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال : فلان عالم بأيام العرب، أي : بوقائعها .
قال ابن زيد : يعني : الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية، وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال : بلاؤه .
وقال الطبري : وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم، أي : بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، وقد كانوا عبيداً مستذَلين، واكتفى بذكر الأيام عنه؛ لأنها كانت معلومة عندهم ) ا . هـ [تفسير القرطبي (9/342)] .


الشبهة الرابعة: قولهم : الترك لا يقتضي التحريم .
وينسبون مثل هذا الكلام إلى الأصوليين، بل يبالغ بعضهم ويغلو عندما يزعم أنه إجماع .

ويُقال في ردِّ هذه الشبهة : نعم ! الأصوليون لم يجعلوا الترك من أنواع التحريم؛ فالتحريم يكون بالنص ونحوه مما يدل على التحريم، لكن هنا فرق لا بد من التنبُّه له هو سبب هذا الإشكال : كلام الأصوليين إنما هو في العادات لا في العبادات ..
فالأصل في العادات الإباحة، والترك في باب العادات لا يدل على التحريم؛ فمثلاً : النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الضبَّ؛ فهل هذا يدل على تحريمه ؟ الجواب : لا؛ لأن الترك لا يدل على التحريم، هذا في باب العادات، وهكذا فالأصل في كل شيء من المنافع الدنيوية الإباحة، إلا إذا ورد ما يمنع، وهذا من التوسيع والرحمة .
وأما العبادات فالأصل فيها التحريم إلا إذا ورد الإذن، وعلى ذلك فما تركه
الشارع فهو محرم؛ إذ لو كان مشروعاً لفعل، فالترك دل على عدم المشروعية، فكل ما نوقعه من عبادات: من صلاة وصيام وحج وزكاة كلها لم يكن لنا القيام بها لولا إذن الشارع، وهذا هو مقتضى التسليم وعدم التقدُّم بين يدي الله ورسوله .
ولو كان لكل إنسان الحق أن يخترع عبادة كيفما شاء لم يكن من داعٍ لإرسال الرسول لتبليغ رسالة الرب إلى الخلق، بل يُترَك لكل قوم وكل إنسان أن يخترع ما شاء من العبادات، وهذا باطل .
والدليل على أن الأصل في العبادات المنع قوله - صلى الله عليه وسلم - :
« إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة »، وعلى ذلك يَرِدُ السؤال: هل المولد من باب العبادات أو من باب العادات؟ لننظر فيما يكون في الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يراه صالحوهم، إنه اجتماع لتلاوة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع إنشاد المدائح النبوية بأصوات ملحنة، ثم تقام الولائم لأجل ذلك، وهم يفعلون ذلك في كل عام مرة على الأقل في تاريخ محدد، وهذا بلا ريب عبادة محضة، والأدلة على ذلك :
أولاً: من حيث إنهم يتخذون ذلك اليوم عيداً، والعيد هو ما يُعتاد مجيئه في كل زمن؛ فالجمعة عيد؛ لأنه كل أسبوع، والفطر والأضحى عيدان؛ لأنهما يعودان كل عام، وعلى ذلك قِسِ المولد، فهو يُحتفَل به كل عام، وهذا تشريع واتخاذٌ ليومٍ لم يأذن به الشارع أن يكون عيداً، ونحن نعلم أن المسلمين ليس لهم إلا عيدان يحتفلون بهما: الفطر والأضحى، ولا يجوز لهم أن يتخذوا عيداً ثالثاً .
والحاصل في المولد أنه صار - بتكراره السنوي - عيداً يُحتفل به، أي : صار عيداً ثالثاً في الإسلام، وهذه هي الضلالة .
ثانياً: أن المولد ذِكْر، والذِّكْر عبادة .
ثالثاً: أن أهل الموالد يقصدون التقرُّب إلى الله - تعالى - بما يفعلون، والتقرُّب عبادة .
إذاً؛ الموالد عبادة وليست عادة، فتدخل في باب : ( الأصل في العبادات المنع إلا بنصٍّ )، ولا تدخل في باب: ( الأصل في العادات الإباحة إلا بنصٍّ ) .
ومن ثَمَّ لا يجوز الاحتجاج بقاعدة: ( الترك لا يقتضي التحريم )؛ إذ إن هذه القاعدة يُعمَل بها في العادات لا في العبادات .
إن دعوى أن ( الترك لا يقتضي التحريم ) هكذا بإطلاق تصادِم النصَّ النبويَّ: « إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة »؛ فيصبح هذا النص لا معنى له إذا عُمِل بتلك الدعوى على إطلاقها دون التفصيل المذكور .
ودائماً ما يخلط دُعاة الاحتفال بالمولد بين البدعة والمصلحة المرسلة .
والضابط الذي تتميَّز به المصلحة المرسلة من البدع المحدثة هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في « اقتضاء الصراط المستقيم » ( 2/594 ): ( والضابط في هذا - والله أعلم - أن يقال : إن الناس لا يحدثون شيئاً إلا لأنهم يرونه مصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين .
فما رآه الناس مصلحةً؛ نُظِرَ في السبب المُحْوِج إليه: فإن كان السبب المُحْوِج إليه أمراً حدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعارضٍ زال بموته .
وأما ما لم يحدث سبب مُحْوِج إليه، أو كان السبب المُحْوِج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث؛ فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موجوداً، لو كان مصلحة ولم يُفْعَل؛ يُعْلم أنه ليس بمصلحةٍ . وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحةً ... ) ا . هـ .
وخلاصةُ القول: إن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمرٍ ضروري أو رفع حرجٍ لازم في الدين، وليست البدع عند من يدَّعيها هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرُّب إلى الله، وإن لم يكن هناك حاجة إلى إحداث ذلك الفعل .

إن دعاة الاحتفال بالمولد يَعرِضون هذه القضية على أنها خصومة مع نبي الله وأولياء الله، ولا شك أن عرض القضية على هذا النحو هو من أعظم التلبيس وأكبر الغش لجمهور الناس وعامة المسلمين، فالقضية ليست على هذا النحو بتاتاً؛ فالذين لا يرون جواز الاحتفال بالمولد خوفاً من الابتداع في الدين هم أسعد الناس حظاً بمحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته ومحبة أولياء الله الذين ما نالوا تلك الولاية إلا بمحبتهم واتِّباعهم له - صلى الله عليه وسلم -، وهم أكثر الناس تمسُّكاً بسُنَّته، واقتفاءً لآثاره، وتتبُّعاً لحركاته وسكناته، واقتداء به في كل أعماله - صلى الله عليه وسلم -، وهم كذلك أعلم الناس بسنته وهديه ودينه الذي أُرسل به، وأحفظ الناس لحديثه، وأعرف الناس بما صحَّ عنه وما افتراه الكذابون عليه، ومن أجل ذلك هم الذابُّون عن سنته، والمدافعون في كل عصر عن دينه وملَّته وشريعته .
بل إن رفضهم للاحتفال بالمولد وجعله عيداً إنما ينبع من محبتهم وطاعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهم لا يريدون مخالفة أمره، ولا الافتئات عليه، ولا الاستدراك على شريعته؛ لأنهم يعلمون جازمين أن إضافة أي شيء إلى الدين إنما هو استدراك على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن معنى ذلك : أنه لم يكمل الدين، ولم يُبَلِّغ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كل ما أنزل الله إليه، أو أنه استحيا أن يُبْلِغ الناس بمكانته ومنزلته وما ينبغي له، وهذا أيضاً نقص فيه، حاشاه - صلى الله عليه وسلم - ذلك .



خالد عقدة
مجلة البيان ـ العدد [257] صــ 38 المحرم 1430 - يناير 2009

17‏/01‏/2013

عقوبة المُرتَد


الارتداد جريمة مِن الجرائم التي تُحبِط ما كان مِن عمل صالح قبل الرِّدَّة، وتستوجب العذاب الشديد في الآخرة.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة - الآية 217]، ومعنى الآية أنَّ مَن يرجع عن الإسلام إلى الكُفر ويستمر عليه حتى يموت كافراً فقد بَطُلَ كلَّ ما عمله مِن خير وحُرِم ثمرته في الدينا، فلا يكون له ما للمسلمين مِن حقوق، وحُرِم مِن نعيم الآخرة وهو خالد في العذاب الأليم.
وقد قرر الإسلام عقوبة مُعّجَّلة في الدنيا للمُرتَد فضلاً عما توَّعده به مِن عذاب ينتظره في الآخرة، وهذه العقوبة هي القتل (لو قتله مسلِم مِن المسلمين لا يُعتبر مرتكباً جريمة القتل، ولكن يُعَزَّر لافتياته على الحاكم).

روى البخاري ومسلم عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: "مَن بَدَّل دينه فاقتلوه" [صحيح البخاري (ح3107)].
وروى ابن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: "لاَ يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشْهدُ أن لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلاَّ في إحدى ثلاثٍ كفرٍ بعدَ إيمانٍ أو زنًا بعدَ إحصانٍ أو نفسٍ بنفسٍ" [المحلى – ابن حزم (ج11/ص228)، وانظر صحيح البخاري (ح6878)].
وعن جابر رضي الله عنه: "أنَّ امرأة يُقال لها أُم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلَّم بأنْ يُعرَض عليها الإسلام فإنْ تابت وإلا قُتِلَت، فأبت أنْ تُسلِم فقُتِلَت" [أخرجه الدارقطني والبيهقي والإسناد ضعيف، انظر إرواء الغليل (ح2472)].
وثبت أنَّ أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه قاتل المرتدين مِن العرب حتى رجعوا إلى الإسلام.

ولم يختلف أحد مِن العلماء في وجوب قتل المرتد، وإنما اختلفوا في المرأة إذا ارتدَّت.
فقال أبو حنيفة: إنَّ المرأة إذا ارتدت لا تُقتَل ولكن تُحبَس وتُخرَج كل يوم فتُستتاب ويُعرَض عليها الإسلام، وهكذا حتى تعود إلى الإسلام أو تموت، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم نهى عن قتل النساء.
وخالَف في ذلك جمهور الفقهاء، فقالوا: إنَّ عقوبة المرأة المرتدة كعقوبة الرجل المرتد سواء بسواء، لأنَّ آثار الرِّدَّة وأضرارها مِن المرأة كآثارها وأضرارها مِن الرجل، ولحديث مُعاذ الذي حسَّنه الحافظ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال له لما أرسله إلى اليمن: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعُه، فإنْ عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعُها، فإنْ عادت وإلا فاضرب عنقها" [فتح الباري في شرح صحيح البخاري (ج12/ص284)]، وهذا نَص في محل النزاع. وأخرج البيهقي والدارقطني: "أنَّ أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أُم قِرفَة كفرت بعد إسلامها فلم تتب، فقتلها" [السنن الكبرى (ج8/ص204)].
وأما حديث النهي عن قتل النساء فذلك إنما هو في حال الحرب لأجل ضعفهن وعدم مشاركتهن في القتال، ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم رأى امرأة مقتولة، فقال: "ما كانت هذه لتُقاتِل" [صححه الألباني في صحيح أبي داود (ح2669)]، ثُم نهى عن قتلهن.
والمرأة تشارِك الرجل في الحدود كلها دون استثناء، فكما يُقام عليها حَد الرجم إذا كانت مُحصَنة، فكذلك يُقام عليها حد الرِّدَّة ولا فرق.


كتبه: السَّيِّد سابق
مِن كتاب: فِقه السُّنَّة

01‏/01‏/2013

لِمَن السِّيادة في الإسلام؟


إنَّ دساتير النُّظُم العَلمانية – غربية وشرقية وأعجمية وعربية – تَنُص على أنَّ "السيادة للشعب" أو "السيادة للأُمَّة"، وترتَّب على هذا النَّص الدستوري المحوري إناطة سَن القوانين ووضع القواعد والنُّظُم بالبرلمان الذي يُمَثِّل الشعب والأُمَّة.

هذا هو الذي يعلمه الكافَّة عن السيادة في الفِكر العَلماني وفي النُّظُم العَلمانية، فهل هي كذلك في الإسلام؟
هذا هو السؤال الذي يُحَدِّد الهُوِيَّة والوجهة والمسار: لِمَن السيادة في الإسلام؟

إنَّ هذا الدِّين قد بُنِيَ ابتداءً على أساس في غاية المتانة وفي غاية النصاعة كذلك، بُنِيَ على إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية، وبالمُلك والسُّلطان التام، وعلى أنَّ الأمر كله – كونياً وشرعياً – مَرَدَّه إلى الله عَزَّ وجَلَّ، وعلى أنَّ الإنسان مخلوق لعبادة الله، ولا يسعه إلا الرضوخ لإرادته والالتزام بشريعته.
ومِن هنا فإنَّ ((روح التشريع الإسلامي تفترض أنَّ السيادة بمعنى السُّلطة غير المحدودة لا يملكها أحد مِن البَشَر، فكُل سُلطة إنسانية محدودة بالحُدود التي فرضها الله، فهو وحده صاحب السيادة العليا ومالِك المُلك، وإرادته هي شريعة المُسلِمين التي لها السيادة في المُجتمَع)) [فِقه الخِلافة وتطَورها لتصبح عصبة أُمم شرقية – د. عبد الرزاق السنهوري (ص56)].
وحيال هذه السيادة الإلهية العُليا لا يملك أحدٌ إلا الإذعان والخُضوع والانقياد، أما الأمر والنهي والتحليل والتحريم والتشريع، فكُل هذا حَقٌ خالصٌ للشارِع الحكيم صاحِب السيادة المُطلقة التي لا يُشارِكه فيها أحدٌ سواه.

وما مِن شك في أنَّ رُسُل الله – على جلالة قَدرهم – يَقِفون عند حَد التبليغ والإنهاء، ولا يجاوزونه البتَّة إلى الوَضْع والإنشاء، وإذا كان هذا هو حال الرُّسُل الكِرام فحال غيرهم مِن عباد الله مِن باب أولى أبعد ما يكون عن وَضْع شرع أو إنشاء حُكم ((فالقَوْل الكاشِف للغطاء المُزِيل للخفاء أنَّ الأمر لله والنبي مُنهيه، فإنْ لم يكُن في العَصر نبي فالعُلماء وَرَثة الشريعة والقائِمون في إنهائها مقام الأنبياء)) [غياث الأُمم في التياث الظلم – أبي المعالي الجويني (ص107)].

ومِن هنا تفترق الشريعة الإسلامية عن القانون الوَضعي العَلماني في أصل النشأة، فالشريعة الإسلامية مصدرها إرادة الله جَلَّ وعَلا، والقانون الوَضعي العَلماني مصدره إرادة الشعب.


كتبه: د. عطية عَدلان،
مِن كتاب "النَّظريَّة العامَّة لنِظام الحُكم في الإسلام" [ص125، 126].