23‏/01‏/2013

الاحتفال بالموالد .. شبهات وردود

إنَّ مما اهتمت به الصوفية منذ قرون إقامة الموالد التي لم يعرفها السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان . ورغم ما يدعيه أربابها من محاسن لها؛ فقد كان لها من المساوئ وترتَّب عليها من المفاسد ما دفع الاستعمار ووكلاءه وكل عدو متربِّص بنبع الإسلام الصافي؛ إلى أن يحرص على تشجيعها؛ بل يشارك رموز الصوفية في حضورها؛ لذا من المفيد هنا تفنيد أقوى شبهاتهم التي يظنونها أدلة على مشروعية الاحتفال بتلك الموالد؛ حتى لا يغترَّ بها من تطْرُق سمعه .


الشبهة الأولى: أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة وجدهم يصومون يوماً - يعني: عاشوراء - فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجَّى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصام موسى شكراً لله، فقال: « أنا أَوْلى بموسى منهم »، فصامه وأمر بصيامه [أخرجه البخاري في كتاب : أحاديث الأنبياء، باب : قول الله - تعالى - : { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } (طه : 9)، { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } (النساء : 164)، رقم (3397) من المطبوع مع شرحه فتح الباري]، فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة .
والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، ولا شك أن مولد النبي والولي من النِّعَم العظيمة التي تستحق الشكر والاحتفال.

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه :

الوجه الأول: أصل عمل المولد بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذ لو كان خيراً لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» [أخرجه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه، وصححه الألباني] .

الوجه الثاني: أن تخريج عمل المولد على حديث صوم عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين ما بيَّنَّاه من أنه بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة؛ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنصِّ على الوجه الذي يفهمه منه مَنْ بعدَهم؛ يمنع عدَّ ذلك الفهم صحيحاً؛ إذ لو كان صحيحاً فلِمَ يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه مَنْ بعدَهم؟ كما يمنع عدَّ ذلك النص دليلاً عليه؛ أنه لو كان دليلاً عليه لعمل به السلف الصالح؛ فالاستنباط المذكور مخالف لما أجمع عليه السلف: من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به؛ وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يُجمِعون إلا على هدًى .
وقد بسط الشاطبي - رحمه الله - الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه :
الموافقات في أصول الأحكام [يراجع : الموافقات (3/41-44)، والمسألة الثانية عشرة من كتاب «الأدلة الشرعية»].

الوجه الثالث: أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتِّباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع .
فصيام يوم عاشوراء قد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورغَّب فيه، بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيداً؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبيَّن ذلك لأمته؛ لأنَّهُ ما من خير إلا قد دلَّهم عليه - صلى الله عليه وسلم - ورغَّبهم فيه، وما من شر إلا قد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذَّرهم منه .

الوجه الرابع: إذا كان المراد من إقامة المولد شكر الله - تعالى - على نعمة ولادة النبي أو الولي؛ فإن المعقول والمنقول يحتِّمان أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربَّه به؛ كالصوم، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذَّة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك الطعام والشراب؛ فتعارض الغرضان، فآثروا ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزَّلل عند أهل البصيرة .
بل إن الموالد في كثير من الأحيان تكون ذريعة للفسق لا للشكر .
يقول السيد رشيد رضا في المنار ( 2/74-76 ) : « فالموالد أسواق الفسوق فيها خيام للعواهر، وخانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل، يقصد بها إضحاك الناس » .
أفلا يكفي الأمةَ ما كفى نبيَّها ويسعها ما وسعه ؟ وهل يقدر عاقل أن يقول : لا .
إذن لِمَ الافتيات على الشارع، والتقدم بالزيادة عليه، والله - سبحانه وتعالى - يقول : { وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ( الحشر : 7 )، ويقول - تعالى - : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( الحجرات : 1 ) .


الشبهة الثانية: الاستدلال بما أخرجه البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : «خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصل الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه ! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون .
يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله» [أخرجه البخاري في كتاب : التراويح، باب : فضل من قام رمضان، رقم (2010) من المطبوع مع شرحه فتح الباري] .
فيستدل المخالف بقول عمر - رضي الله عنه - : « نِعْمَ البدعة هذه » على ما يستحدثه المبتدعة .

وللإجابة عن هذه الشبهة نقول: إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال هذه الكلمة حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، وصلاة التراويح وفعلُها جماعةً ليس بدعة في الشريعة؛ بل هو سنة بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله لها في الجماعة، فقد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثاً .
فعن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال : « صمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبعٌ من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله ! لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه، قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة »، ثم لم يصلِّ بنا ولم يقم، حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه، حتى تخوَّفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور» [أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وصححه الألباني] .
وبهذا الحديث احتجَّ أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد .
وفي قوله هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام، وذلك أَوْكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعاتٍ في المسجد على عهده - صلى الله عليه وسلم - وهو يُقِرُّهم، وإقراره سنة منه - صلى الله عليه وسلم - .
وفي قوله في رواية البخاري آنفاً : « ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط » ما يدل على أن من الصحابة - رضي الله عنهم - من كانوا يصلون التراويح جماعة في عهد عمر - رضي الله عنه - قبل أن يجمعهم كلهم على إمام واحد .
إذا عُلم ما تقدَّم؛ فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر – رضي الله عنه - وإنما أراد - رضي الله عنه - بقوله المذكور البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تُستخدم إلا في موضع الذم بخلاف اللغة؛ فإن كل ما أُحدِث على غير مثال سابق بدعة؛ سواء أكان محموداً أم مذموماً .
وعلى هذا حمل العلماء قول عمر رضي الله عنه؛ فقد قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - عند تفسير الآية ( 17 ) من سورة البقرة ما نصه: ( والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم - : « فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة »، وتارة تكون بدعة لغوية؛ كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن جَمْعِه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: « نعْمَتِ البدعةُ هذه ! » ) .
وقال ابن تيمية - رحمه الله تعالى - : ( فإذا كان نص رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قد دلَّ على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقاً ولم يُعمَل به إلا بعد موته؛ ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فإذا عُمل ذلك العمل بعد موته؛ صحَّ أن يسمَّى بدعة في اللغة؛ لأنه عَمَلٌ مبتدأ، كما أن الدين نفسه الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمَّى بدعة ويسمَّى محدثاً في اللغة، كما قالت رسل قريش للنجاشي عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين إلى الحبشة : « إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين محدَث لا يُعرَف » .
ثم ذلك العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وإن سُمِّي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد عُلِم أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « كل بدعة ضلالة » لم يُرِد به كل عملٍ مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عملٌ مبتدأ، وإنما أراد : ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو - صلى الله عليه وسلم - .
وإذا كان كذلك فالصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يصلون قيام رمضان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعةً وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة أو الرابعة لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [يقصد ما أخرجه البخاري، في باب : ما يكره من كثرة السؤال، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ليالي، حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال : «ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس ! في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»]، فعلَّل - صلى الله عليه وسلم - عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم .
فلما كان في عهد عمر - رضي الله عنه - جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج - عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمِّي بدعة؛ لأنه في اللغة يسمَّى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوفُ الافتراضِ، وخوفُ الافتراض قد زال بموته - صلى الله عليه وسلم – فانتفى المعارض [اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/592-593)] ) ا . هـ .


الشبهة الثالثة: ومن الشُّبَه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم : إن التذكير بالمولد مطلوب بأمر القرآن، قال - تعالى - : { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } ( إبراهيم : 5 ) .

الجواب عن هذه الشبهة: إن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد من قبيل حمل كلام الله - تعالى - على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به، وهذا أمرٌ لا يليق؛ فإن كبار المفسِّرين قد فسَّرُوا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالتذكير بأيام الله في هذه الآية الاحتفال بمولد النبي أو الولي، وإنما المقصود بالتذكير بأيام الله : الوعظ بنِعَمه ونِقَمه؛ فعن أُبَيِّ بن كعب - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « إنه بينما موسى - عليه السلام - في قومه يذكِّرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه، إذ قال : ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً وأعلم مني »، قال : « فأوحى الله إليه : إني أعلم بالخير منه أو عند من هو .... » الحديث [أخرجه مسلم في صحيحه، باب: من فضائل الخضر عليه السلام] .
قال القرطبي في تفسيره : ( قوله - تعالى - : { وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ } أي : قل لهم قولاً يتذكرون به أيام الله تعالى .
قال ابن عباس و مجاهد و قتادة : بنِعَم الله عليهم، وقاله أُبَيُّ بن كعب ورواه مرفوعاً، أي : بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النِّعَم، وقد تُسمَّى النِّعَم الأيام، ومنه : قول عمرو بن كلثوم :وأيام لنا غر طوال .....................
وعن ابن عباس أيضاً ومقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال : فلان عالم بأيام العرب، أي : بوقائعها .
قال ابن زيد : يعني : الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية، وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال : بلاؤه .
وقال الطبري : وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم، أي : بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، وقد كانوا عبيداً مستذَلين، واكتفى بذكر الأيام عنه؛ لأنها كانت معلومة عندهم ) ا . هـ [تفسير القرطبي (9/342)] .


الشبهة الرابعة: قولهم : الترك لا يقتضي التحريم .
وينسبون مثل هذا الكلام إلى الأصوليين، بل يبالغ بعضهم ويغلو عندما يزعم أنه إجماع .

ويُقال في ردِّ هذه الشبهة : نعم ! الأصوليون لم يجعلوا الترك من أنواع التحريم؛ فالتحريم يكون بالنص ونحوه مما يدل على التحريم، لكن هنا فرق لا بد من التنبُّه له هو سبب هذا الإشكال : كلام الأصوليين إنما هو في العادات لا في العبادات ..
فالأصل في العادات الإباحة، والترك في باب العادات لا يدل على التحريم؛ فمثلاً : النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الضبَّ؛ فهل هذا يدل على تحريمه ؟ الجواب : لا؛ لأن الترك لا يدل على التحريم، هذا في باب العادات، وهكذا فالأصل في كل شيء من المنافع الدنيوية الإباحة، إلا إذا ورد ما يمنع، وهذا من التوسيع والرحمة .
وأما العبادات فالأصل فيها التحريم إلا إذا ورد الإذن، وعلى ذلك فما تركه
الشارع فهو محرم؛ إذ لو كان مشروعاً لفعل، فالترك دل على عدم المشروعية، فكل ما نوقعه من عبادات: من صلاة وصيام وحج وزكاة كلها لم يكن لنا القيام بها لولا إذن الشارع، وهذا هو مقتضى التسليم وعدم التقدُّم بين يدي الله ورسوله .
ولو كان لكل إنسان الحق أن يخترع عبادة كيفما شاء لم يكن من داعٍ لإرسال الرسول لتبليغ رسالة الرب إلى الخلق، بل يُترَك لكل قوم وكل إنسان أن يخترع ما شاء من العبادات، وهذا باطل .
والدليل على أن الأصل في العبادات المنع قوله - صلى الله عليه وسلم - :
« إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة »، وعلى ذلك يَرِدُ السؤال: هل المولد من باب العبادات أو من باب العادات؟ لننظر فيما يكون في الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يراه صالحوهم، إنه اجتماع لتلاوة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع إنشاد المدائح النبوية بأصوات ملحنة، ثم تقام الولائم لأجل ذلك، وهم يفعلون ذلك في كل عام مرة على الأقل في تاريخ محدد، وهذا بلا ريب عبادة محضة، والأدلة على ذلك :
أولاً: من حيث إنهم يتخذون ذلك اليوم عيداً، والعيد هو ما يُعتاد مجيئه في كل زمن؛ فالجمعة عيد؛ لأنه كل أسبوع، والفطر والأضحى عيدان؛ لأنهما يعودان كل عام، وعلى ذلك قِسِ المولد، فهو يُحتفَل به كل عام، وهذا تشريع واتخاذٌ ليومٍ لم يأذن به الشارع أن يكون عيداً، ونحن نعلم أن المسلمين ليس لهم إلا عيدان يحتفلون بهما: الفطر والأضحى، ولا يجوز لهم أن يتخذوا عيداً ثالثاً .
والحاصل في المولد أنه صار - بتكراره السنوي - عيداً يُحتفل به، أي : صار عيداً ثالثاً في الإسلام، وهذه هي الضلالة .
ثانياً: أن المولد ذِكْر، والذِّكْر عبادة .
ثالثاً: أن أهل الموالد يقصدون التقرُّب إلى الله - تعالى - بما يفعلون، والتقرُّب عبادة .
إذاً؛ الموالد عبادة وليست عادة، فتدخل في باب : ( الأصل في العبادات المنع إلا بنصٍّ )، ولا تدخل في باب: ( الأصل في العادات الإباحة إلا بنصٍّ ) .
ومن ثَمَّ لا يجوز الاحتجاج بقاعدة: ( الترك لا يقتضي التحريم )؛ إذ إن هذه القاعدة يُعمَل بها في العادات لا في العبادات .
إن دعوى أن ( الترك لا يقتضي التحريم ) هكذا بإطلاق تصادِم النصَّ النبويَّ: « إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة »؛ فيصبح هذا النص لا معنى له إذا عُمِل بتلك الدعوى على إطلاقها دون التفصيل المذكور .
ودائماً ما يخلط دُعاة الاحتفال بالمولد بين البدعة والمصلحة المرسلة .
والضابط الذي تتميَّز به المصلحة المرسلة من البدع المحدثة هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في « اقتضاء الصراط المستقيم » ( 2/594 ): ( والضابط في هذا - والله أعلم - أن يقال : إن الناس لا يحدثون شيئاً إلا لأنهم يرونه مصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يحدثوه؛ فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين .
فما رآه الناس مصلحةً؛ نُظِرَ في السبب المُحْوِج إليه: فإن كان السبب المُحْوِج إليه أمراً حدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن من غير تفريط منه؛ فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعارضٍ زال بموته .
وأما ما لم يحدث سبب مُحْوِج إليه، أو كان السبب المُحْوِج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث؛ فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موجوداً، لو كان مصلحة ولم يُفْعَل؛ يُعْلم أنه ليس بمصلحةٍ . وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخالق؛ فقد يكون مصلحةً ... ) ا . هـ .
وخلاصةُ القول: إن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمرٍ ضروري أو رفع حرجٍ لازم في الدين، وليست البدع عند من يدَّعيها هكذا بيقين؛ لأن المبتدع إنما يفعل البدع بقصد زيادة التقرُّب إلى الله، وإن لم يكن هناك حاجة إلى إحداث ذلك الفعل .

إن دعاة الاحتفال بالمولد يَعرِضون هذه القضية على أنها خصومة مع نبي الله وأولياء الله، ولا شك أن عرض القضية على هذا النحو هو من أعظم التلبيس وأكبر الغش لجمهور الناس وعامة المسلمين، فالقضية ليست على هذا النحو بتاتاً؛ فالذين لا يرون جواز الاحتفال بالمولد خوفاً من الابتداع في الدين هم أسعد الناس حظاً بمحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته ومحبة أولياء الله الذين ما نالوا تلك الولاية إلا بمحبتهم واتِّباعهم له - صلى الله عليه وسلم -، وهم أكثر الناس تمسُّكاً بسُنَّته، واقتفاءً لآثاره، وتتبُّعاً لحركاته وسكناته، واقتداء به في كل أعماله - صلى الله عليه وسلم -، وهم كذلك أعلم الناس بسنته وهديه ودينه الذي أُرسل به، وأحفظ الناس لحديثه، وأعرف الناس بما صحَّ عنه وما افتراه الكذابون عليه، ومن أجل ذلك هم الذابُّون عن سنته، والمدافعون في كل عصر عن دينه وملَّته وشريعته .
بل إن رفضهم للاحتفال بالمولد وجعله عيداً إنما ينبع من محبتهم وطاعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فهم لا يريدون مخالفة أمره، ولا الافتئات عليه، ولا الاستدراك على شريعته؛ لأنهم يعلمون جازمين أن إضافة أي شيء إلى الدين إنما هو استدراك على الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن معنى ذلك : أنه لم يكمل الدين، ولم يُبَلِّغ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كل ما أنزل الله إليه، أو أنه استحيا أن يُبْلِغ الناس بمكانته ومنزلته وما ينبغي له، وهذا أيضاً نقص فيه، حاشاه - صلى الله عليه وسلم - ذلك .



خالد عقدة
مجلة البيان ـ العدد [257] صــ 38 المحرم 1430 - يناير 2009

17‏/01‏/2013

عقوبة المُرتَد


الارتداد جريمة مِن الجرائم التي تُحبِط ما كان مِن عمل صالح قبل الرِّدَّة، وتستوجب العذاب الشديد في الآخرة.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة - الآية 217]، ومعنى الآية أنَّ مَن يرجع عن الإسلام إلى الكُفر ويستمر عليه حتى يموت كافراً فقد بَطُلَ كلَّ ما عمله مِن خير وحُرِم ثمرته في الدينا، فلا يكون له ما للمسلمين مِن حقوق، وحُرِم مِن نعيم الآخرة وهو خالد في العذاب الأليم.
وقد قرر الإسلام عقوبة مُعّجَّلة في الدنيا للمُرتَد فضلاً عما توَّعده به مِن عذاب ينتظره في الآخرة، وهذه العقوبة هي القتل (لو قتله مسلِم مِن المسلمين لا يُعتبر مرتكباً جريمة القتل، ولكن يُعَزَّر لافتياته على الحاكم).

روى البخاري ومسلم عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: "مَن بَدَّل دينه فاقتلوه" [صحيح البخاري (ح3107)].
وروى ابن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال: "لاَ يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشْهدُ أن لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلاَّ في إحدى ثلاثٍ كفرٍ بعدَ إيمانٍ أو زنًا بعدَ إحصانٍ أو نفسٍ بنفسٍ" [المحلى – ابن حزم (ج11/ص228)، وانظر صحيح البخاري (ح6878)].
وعن جابر رضي الله عنه: "أنَّ امرأة يُقال لها أُم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلَّم بأنْ يُعرَض عليها الإسلام فإنْ تابت وإلا قُتِلَت، فأبت أنْ تُسلِم فقُتِلَت" [أخرجه الدارقطني والبيهقي والإسناد ضعيف، انظر إرواء الغليل (ح2472)].
وثبت أنَّ أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه قاتل المرتدين مِن العرب حتى رجعوا إلى الإسلام.

ولم يختلف أحد مِن العلماء في وجوب قتل المرتد، وإنما اختلفوا في المرأة إذا ارتدَّت.
فقال أبو حنيفة: إنَّ المرأة إذا ارتدت لا تُقتَل ولكن تُحبَس وتُخرَج كل يوم فتُستتاب ويُعرَض عليها الإسلام، وهكذا حتى تعود إلى الإسلام أو تموت، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم نهى عن قتل النساء.
وخالَف في ذلك جمهور الفقهاء، فقالوا: إنَّ عقوبة المرأة المرتدة كعقوبة الرجل المرتد سواء بسواء، لأنَّ آثار الرِّدَّة وأضرارها مِن المرأة كآثارها وأضرارها مِن الرجل، ولحديث مُعاذ الذي حسَّنه الحافظ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال له لما أرسله إلى اليمن: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعُه، فإنْ عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعُها، فإنْ عادت وإلا فاضرب عنقها" [فتح الباري في شرح صحيح البخاري (ج12/ص284)]، وهذا نَص في محل النزاع. وأخرج البيهقي والدارقطني: "أنَّ أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أُم قِرفَة كفرت بعد إسلامها فلم تتب، فقتلها" [السنن الكبرى (ج8/ص204)].
وأما حديث النهي عن قتل النساء فذلك إنما هو في حال الحرب لأجل ضعفهن وعدم مشاركتهن في القتال، ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم رأى امرأة مقتولة، فقال: "ما كانت هذه لتُقاتِل" [صححه الألباني في صحيح أبي داود (ح2669)]، ثُم نهى عن قتلهن.
والمرأة تشارِك الرجل في الحدود كلها دون استثناء، فكما يُقام عليها حَد الرجم إذا كانت مُحصَنة، فكذلك يُقام عليها حد الرِّدَّة ولا فرق.


كتبه: السَّيِّد سابق
مِن كتاب: فِقه السُّنَّة

01‏/01‏/2013

لِمَن السِّيادة في الإسلام؟


إنَّ دساتير النُّظُم العَلمانية – غربية وشرقية وأعجمية وعربية – تَنُص على أنَّ "السيادة للشعب" أو "السيادة للأُمَّة"، وترتَّب على هذا النَّص الدستوري المحوري إناطة سَن القوانين ووضع القواعد والنُّظُم بالبرلمان الذي يُمَثِّل الشعب والأُمَّة.

هذا هو الذي يعلمه الكافَّة عن السيادة في الفِكر العَلماني وفي النُّظُم العَلمانية، فهل هي كذلك في الإسلام؟
هذا هو السؤال الذي يُحَدِّد الهُوِيَّة والوجهة والمسار: لِمَن السيادة في الإسلام؟

إنَّ هذا الدِّين قد بُنِيَ ابتداءً على أساس في غاية المتانة وفي غاية النصاعة كذلك، بُنِيَ على إفراد الله تبارك وتعالى بالربوبية والألوهية، وبالمُلك والسُّلطان التام، وعلى أنَّ الأمر كله – كونياً وشرعياً – مَرَدَّه إلى الله عَزَّ وجَلَّ، وعلى أنَّ الإنسان مخلوق لعبادة الله، ولا يسعه إلا الرضوخ لإرادته والالتزام بشريعته.
ومِن هنا فإنَّ ((روح التشريع الإسلامي تفترض أنَّ السيادة بمعنى السُّلطة غير المحدودة لا يملكها أحد مِن البَشَر، فكُل سُلطة إنسانية محدودة بالحُدود التي فرضها الله، فهو وحده صاحب السيادة العليا ومالِك المُلك، وإرادته هي شريعة المُسلِمين التي لها السيادة في المُجتمَع)) [فِقه الخِلافة وتطَورها لتصبح عصبة أُمم شرقية – د. عبد الرزاق السنهوري (ص56)].
وحيال هذه السيادة الإلهية العُليا لا يملك أحدٌ إلا الإذعان والخُضوع والانقياد، أما الأمر والنهي والتحليل والتحريم والتشريع، فكُل هذا حَقٌ خالصٌ للشارِع الحكيم صاحِب السيادة المُطلقة التي لا يُشارِكه فيها أحدٌ سواه.

وما مِن شك في أنَّ رُسُل الله – على جلالة قَدرهم – يَقِفون عند حَد التبليغ والإنهاء، ولا يجاوزونه البتَّة إلى الوَضْع والإنشاء، وإذا كان هذا هو حال الرُّسُل الكِرام فحال غيرهم مِن عباد الله مِن باب أولى أبعد ما يكون عن وَضْع شرع أو إنشاء حُكم ((فالقَوْل الكاشِف للغطاء المُزِيل للخفاء أنَّ الأمر لله والنبي مُنهيه، فإنْ لم يكُن في العَصر نبي فالعُلماء وَرَثة الشريعة والقائِمون في إنهائها مقام الأنبياء)) [غياث الأُمم في التياث الظلم – أبي المعالي الجويني (ص107)].

ومِن هنا تفترق الشريعة الإسلامية عن القانون الوَضعي العَلماني في أصل النشأة، فالشريعة الإسلامية مصدرها إرادة الله جَلَّ وعَلا، والقانون الوَضعي العَلماني مصدره إرادة الشعب.


كتبه: د. عطية عَدلان،
مِن كتاب "النَّظريَّة العامَّة لنِظام الحُكم في الإسلام" [ص125، 126].

22‏/12‏/2012

المتحاكِمون إلى الطاغوت


أخبر سبحانه أنَّ مَن تحاكم أو حاكَم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسَلَّم فقد حَكَّم الطاغوت وتحاكم إليه. والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده مِن معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كُل قوم مَن يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم، أو يعبدونه مِن دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة مِن الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالَم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله ورسوله إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين مِن هذه الأُمة – وهُم الصحابة ومَن تبعهم – ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معاً.
ثُم أخبر تعالى عن هؤلاء أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك ولم يستجيبوا للداعي، ورضوا بحُكم غيره. ثُم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم، بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [سورة المائدة – الآية 49]، اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما كما يفعله مَن يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعم أنه بذلك مُحسِن قاصد الإصلاح والتوفيق، والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه مِن طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي؛ فمحض الإيمان في هذا الحرب لا في التوفيق، وبالله التوفيق.
ثُم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العِباد حتى يُحَكِّموا رسوله في كل ما شَجَرَ بينهم مِن الدقيق والجليل، ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحَرَجُ والضِّيقُ عن قضائِه وحُكمه، ولم يكتفِ منهم – أيضاً – بذلك حتى يُسَلِّموا تسليماً وينقادوا انقياداً.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب – الآية 36]، فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمنٍ أنْ يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومَن تخير بعد ذلك فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً.

كتبه: ابن القَيِّم الجوزية،
مِن كتاب "إعلام المُوَقِّعين عن رب العالمين" [ج2/ص92، 93].

25‏/10‏/2012

يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده،

وبعد،

قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [سورة الصافات - الآيات مِن 101 حتى 107].

قال الشوكاني: ((قال المفسرون: لما أضجعه للذبح نُودِيَ مِن الجبل ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا وجعله مُصَدِّقاً بمجرد العزم وإِنْ لم يذبحه لأنه قَدْ أتى بما أمكنه، والمطلوب استسلامهما لأمرِ الله، وقَدْ فَعَلا)) [فتح القدير].

وقد استسلم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لأمر الله تعالى وانقادا له ((إبراهيم جازماً بقتل ابنه وثمرة فؤاده امتثالاً لأمر ربه وخوفاً مِن عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر وهانت عليه في طاعة ربه ورضا والده)) [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان – عبد الرحمن السعدي].

قال ابن كثير: ((قيل ﴿أَسْلَمَا﴾ يعني استسلما وانقادا)) [عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير "مختصر تفسير القرآن العظيم" – أحمد شاكر]،

فـ ﴿أَسْلَمَا﴾ ((أي استسلما لأمر الله وأطاعاه وانقادا له وفوَّضا أمرهما إلى الله)) [زبدة التفسير – د. محمد سليمان الأشقر].

 

وهكذا ينبغي أنْ يكون حال المؤمن، الاستسلام التام لأوامر الله ونواهيه، والانقياد لحُكمه، اعتقاداً وقولاً وفعلاً.

قال السِّجستاني في منظومته:

((وقُل إنما الإيمانُ قَوْلٌ ونيةٌ        وفِعلٌ على قوْلِ النبيِّ مُصَرَّحُ)) [المنظومة الحائية في عقيدة أهل السنة والجماعة].

وقال ابن تيمية: ((ومِن أصول أهل السنة والجماعة أنَّ الدين والإيمان قولٌ وعمل)) [العقيدة الواسطية]،

 

ولن يأتي الفَرَجُ والتخفيف ورفع البلاء، إلا بعد إظهار الطاعة والانقياد لله عز وجل.

ولهذا فقد جاءت البشرى لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ بعد أنْ امتثلا لأمر الله تعالى وشَرَعَا في تنفيذه.

 

فيا له مِن نداء خالد ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، يحتاج كل مسلم لإحيائه في نفسه وفي مجتمعه، عسى الله أنْ يرى مِن قلوبنا وأقوالنا وأفعالنا ما يُفَرِّج به عنا الشدائد، ويجعل لنا العاقبة والثناء.

 

وصلَّى الله وسلَّم على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،

والحمد لله رب العالمين

 

أبو إسماعيل الحاجري، عفا الله عنه وعن والديه

ليلة العاشر مِن ذي الحجة 1433هـ

29‏/09‏/2012

دعوة الرسل وموقف أعدائها منهم


مع أنَّ الكافرين المكذِّبين لرسلهم لم يجمعهم زمان واحد أو مكان واحد ولم يكن هناك اتصال بينهم حتى يوصي بعضُهم بعضاً، ومع ذلك تَوَحَّد موقفُهم، والذي وَحَّد موقفَهم مِن المرسلين إنما هو الكفر والطغيان الذي جعلهم يقفون مِن رسل الله صلى الله عليهم وسلم موقفاً واحداً.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [سورة الذاريات – الآيات 52، و53].

فالرسل جاءوا بخلاف ما أَلِفَ الناس واعتادوا، ففريقٌ مِن الناس عَبَّدوا الناسَ لأنفسهم وأذلوهم وظلموهم، فجاء الرسل عليهم السلام ليُعَبِّدوا البشر لله وحده وليُخرِجوا الناس مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وقال كل رسولٍ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف – الآية 59].
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النحل – الآية 36].
جاء الرسل عليهم السلام ليقرروا مبدأ المساواة بين البشر جميعاً، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالكل عبيدٌ لله تعالى والله فوق الجميع، فكان مِن الطبيعي أنْ يثور أولئك السادة الذين استعبدوا الناس وأذلوهم، لأنَّ الرسل أرادوا أنْ يسلبوهم هذا الحق الذي يرونه لأنفسهم.
فوقفوا يدافعون عن مكانتهم وعادوا المرسلين حتى وصل بهم العداء إلى أنْ قتلوا الرسل، وسارع المستضعفون إلى دين الله تعالى لأنهم رأوا الحق واضحاً جلياً، ووجدوا فيما جاء به الرسل حلاً لمشاكلهم، ولم يكن هناك مانع يمنعهم مِن الدخول في دين الله تعالى كما كان حال السادة.

جاء الرسل بالتكاليف الشرعية لتنظيم حياة الناس، والإنسان بطبيعته يريد أنْ يتحرر مِن القيود والتكاليف ظناً منه أنَّ اتباعه لما تهوى نفسه يحقق له اللذة والسعادة في الدنيا، وأنَّ هذه القيود أو التكاليف الشرعية تحول بينه وبين السعادة الدنيوية وتُفَوِّت عليه منافع مادية كثيرة.
لذلك وقف أصحاب الأهواء –الذين لا يستطيعون السيطرة على شهواتهم وأهوائهم- موقف العداء مِن الرسل، لأنَّ الرسل يريدون أنْ يُفَوِّتوا عليهم بعض ما يشتهون، يريدون أنْ يقيدوا حركة حياتهم لمصلحتهم ومصلحة المجتمع مِن حولهم، لا فائدة تعود على الله تعالى فطاعة العباد لله تعالى لا تحقق لله تعالى كمالاً ولا تدفع عن الله تعالى نقصاً فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال جميعها ومُنَزَّه عن صفات النقص جميعها.

قال تعالى –حاكياً موقف الناس مِن الرسل جميعاً وأنهم توعدوهم بالقتل والإخراج والتعذيب والرجم إلى غير ذلك-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة إبراهيم – الآية 13].
وقال تعالى –مواسياً رسوله صلى الله عليه وسلم مبيناً له موقف الكافرين مِن المرسلين على مر العصور، وأنه ليس بدعاً مِن الرسل، فكما صبر أولئك الرسل على تكذيب أقوامهم وإيذائهم فعليك يا محمد –وأنت أفضل المرسلين- أنْ تصبر أيضاً على ما تتعرض له مِن تكذيب وإيذاء- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾[سورة الأنعام – الآية 34].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف – الآية 35].
إلى غير ذلك مِن الآيات التي بَيَّن الله تعالى فيها موقف الكافرين مِن رسلهم، وأنهم لم يكتفوا بالإعراض بل وقفوا منهم موقف العداء والإيذاء والتهديد بالضرب والرجم والإخراج، بل وقَتْل بعضهم.

كتبه: أ.د. الخشوعي الخشوعي محمد الخشوعي،
أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين، جامعة الأزهر

15‏/05‏/2012

عدنان مندريس... مِن ضحايا العَلمانيين الأتراك


عدنان مندريس،
رئيس وزراء تركيا طوال عقد الخمسينيات، خرج من تحت معطف أتاتورك ليتحدى تشريعاته العلمانية، وعلى الرغم من أنه أدخل تركيا في حلف شمال الأطلسي وجعلها رأس حربة الغرب في مواجهة الاتحاد السوفياتي، فإن ذلك لم يشفع له حينما تحرك الجيش ضده في أول انقلاب في تاريخ تركيا المعاصر ليحكم عليه بالموت مع عدد من رفاقه بعد عشر سنوات قضاها في الحكم.

لم يكن مندريس إسلاميا، بل كان عضوا في حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ونائبا عن الحزب المذكور في البرلمان، لكنه اتخذ في عام 1945 إلى جانب ثلاثة نواب آخرين موقفا معارضا لزعيم حزبهم ورئيس الوزراء عصمت إينونو خليفة أتاتورك وحامي ميراثه العلماني، انفصل النواب الأربعة ليشكلوا حزبا جديدا هو الحزب الديمقراطي بزعامة مندريس متحدين إجراءات منع الأحزاب آنذاك.

في عام 1946 شارك الحزب الجديد في الانتخابات العامة، لكنه لم يحصل إلا على 62 مقعدا، ثم عاد ليشارك في انتخابات عام 1950 ليفوز بأغلبية ساحقة شكل مندريس إثرها حكومة جديدة وضعت حدا لهيمنة حزب الشعب الجمهوري الذي حكم تركيا منذ إعلان الجمهورية عام 1923.

كان مندريس قد خاض حملته الانتخابية على أساس وعود بإلغاء الإجراءات العلمانية الصارمة التي اتخذها سلفه إينونو وكان من بينها جعل الأذان بالتركية وكذلك قراءة القرآن وإغلاق المدارس الدينية، وحينما فاز، قام مندريس بإلغاء هذه الإجراءات حيث أعاد الآذان إلى العربية وأدخل الدروس الدينية إلى المدارس العامة وفتح أول معهد ديني عال إلى جانب مراكز تعليم القرآن الكريم، كما قام بحملة تنمية شاملة في تركيا شملت تطوير الزراعة وافتتاح المصانع وتشييد الطرقات والجسور والمدارس والجامعات.

أسهمت إصلاحات مندريس في تطوير الحياة الاقتصادية في تركيا حيث تقلصت البطالة وتحررت التجارة وعاش الناس فترة استقرار سياسي إلى جانب تراجع حدة التوتر الذي كان سائدا بين السكان والدولة بسبب الإجراءات المناهضة للإسلام ومظاهر التدين والعبادات.

ولم يعلن مندريس في أي من هذه الإجراءات أنه كان إسلاميا أو مؤيدا للإسلاميين، بل على العكس من ذلك وضع تركيا في قلب العالم الغربي حينما انضمت تركيا في عهده إلى حلف شمالي الأطلسي وأصبحت المتراس المتقدم للغرب خلال الحرب الباردة، وأقام علاقات قوية مع الولايات المتحدة وساند مخططاتها في المنطقة وخارجها بما في ذلك إرسال قوات تركية إلى كوريا ووضع تركيا في مواجهة حركة القومية العربية الصاعدة آنذاك بزعامة عبد الناصر.

في انتخابات عام 1954 فاز الحزب الديمقراطي بالأغلبية المطلقة واستمر مندريس في رئاسة الحكومة، لكنه لم ينجح في إنقاذ الاقتصاد التركي من التدهور فخسر جزءا من مقاعده في انتخابات عام 1957.

مع نهاية عقد الخمسينيات كانت إجراءات مندريس الداخلية قد استفزت القوى العلمانية التي تمكنت من حشد قوى اجتماعية لاسيما داخل الجامعات والجيش لمعارضة سياسات الحكومة، فوقعت أحداث شغب ومظاهرات كبيرة في شوارع إسطنبول وأنقرة، وقام طلاب مدرسة القوات البرية بمسيرة صامتة إلى مجلس الشعب في أنقرة احتجاجا على سياسات مندريس.

في صباح 27 مايو/أيار عام 1960 تحرك الجيش التركي ليقوم بأول انقلاب عسكري خلال العهد الجمهوري، حيث سيطر على الحكم 38 ضابطا برئاسة الجنرال جمال جورسيل، وأحال الانقلابيون 235 جنرالا وخمسة آلاف ضابط بينهم رئيس هيئة الأركان إلى التقاعد، وتم وقف نشاط الحزب الديمقراطي واعتقل رئيس الوزراء عدنان مندريس ورئيس الجمهورية جلال بايار مع عدد من الوزراء وأرسلوا إلى سجن في جزيرة يصي أدا.

بعد محاكمة صورية تم سجن رئيس الجمهورية مدى الحياة فيما حكم بالإعدام على مندريس ووزير خارجيته فطين رشدي زورلو ووزير ماليته حسن بلاتقان، وكانت التهمة هي اعتزامهم قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية.

في اليوم التالي لصدور الحكم في أواسط سبتمبر/أيلول عام 1960 تم تنفيذ حكم الإعدام بمندريس ليكون أول ضحايا العلمانيين في الصراع الداخلي بتركيا. وبعد أيام نفذ حكم الإعدام بوزيريه، ودفنت جثامين الثلاثة في الجزيرة ذاتها حتى التسعينيات حينما جرى نقلها إلى إسطنبول حيث دفنت هناك وأعيد الاعتبار لأصحابها بجهود من الرئيس الأسبق تورغوت أوزال.


المصدر: الجزيرة.نت