30‏/07‏/2010

أوجه مرجعية السُنَّة إلى الكِتاب

إنَّ مرْجِع السُنَّة إلى الكِتاب، وذلك مِن وجهين:
الوجه الأول: إنَّ العمل بالسُنَّة والاعتماد عليها واستنباط الأحكام مِنها، إنما دَلَّ على ذلك القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [سورة النساء-الآية59].
وقوله تعالى في مواضِع كثيرة: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وتكراره يدُل على عُموم طاعته، سواء مما أتى به في الكتاب، أو مما ليس فيه، إلى نصوص أخرى تُفيد هذا المعنى، مِثل قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر-الآية7]، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور-الآية63].

الوجه الثاني: إنَّ السُنَّة إنما جاءت لبيان الكتاب الكريم وشرح معانيه، بدليل قولِه تعالى: ﴿وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل-الآية44]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سورة المائدة-الآية67]، والتبليغ يشمل تبيلغ الكتاب وبيان معانيه.

فالسُنَّة بيان للكتاب، وشارحة لمعانيه، ومُفَصِّلة لمجمله.

كتبه: د. عبد الكريم زيدان
مِن كتاب: الوجيز في أصول الفِقه

21‏/07‏/2010

الفرق بين حُسن الظَّن والغُرور

حُسن الظن إن حَمَل على العمل وحث عليه وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غُرور.
وحُسن الظن هو الرجاء، فمَن كان رجاؤُه هادياً إلى الطاعة وزاجراً له عن المعصية؛ فهو رجاءٌ صحيح، ومَن كانت بطالته رجاء، ورجاؤُه بَطالةً وتفريطاً؛ فهو الغرور.
ولو أن رجلاً كانت له أرضٌ يؤمِّل أن يعود عليه مِن مُغِلِّها ما ينفعه، فأهملها ولم يبذرها ولم يحرثها، وحَسَّن ظَنَّه بأنه يأتي مِن مُغِّلِها ما يأتي مِن غير حَرْثٍ وبَذْرٍ وسقيٍ وتعاهدِ الأرض، لَعَدَّهُ الناس مِن أسفه السفهاء.
وكذلك لو حَسُنَ ظَنُّهُ وقَوِيَ رجاؤُه بأن يجيئه ولدٌ مِن غَيْرِ جِماع، أو يصير أعلم أهلِ زمانه مِن غير طَلَبٍ للعِلْم وحِرْصٍ تام عليه، وأمثال ذلك.
فكذلك مَن حَسُنَ ظنه وقويَ رجاؤه في الفوز بالدرجات العُلا والنعيم المقيم، مِن غير طاعةٍ ولا تقربٍ إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبالله التوفيق.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة – الآية 218]؛ فتأمل كيف جعل رجاءَهُم إتيانهم بهذه الطاعات؟!
وقال المُغْتَرُّون: إنَّ المُفَرِّطين المُضَيِّعين لحقوق الله المُعَطِّلين لأوامره، الباغين على عِبادِه، المُتجرئين على محارِمِه، أولئك يرجون رحمة الله.
وسر المسألة: أنَّ الرجاء وحُسن الظنِّ إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حِكمةُ الله في شَرْعِه وقَدَرِه، وثوابِه وكرامتِه، فيأتي العبد بها ثم يُحْسِن ظنَّه بربه، ويرجو أن لا يَكِلهُ إليها، وأن يجعلها مُوصِلةً لما ينفعه، ويَصْرِف عنه ما يُعارضُها ويُبْطِل أثرها.

كتبه: الإمام ابن القَيِّم الجَوْزِيَّة، المُتَوفَّى سنة 751 هـ
مِن كتاب: الدَّاء والدَّوَاء

06‏/07‏/2010

تعليق على وفاة الكاتِب الحداثي نصر أبو زيد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
قال الله تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [سورة البقرة – الآية 281].
فقد نشرت عدة مواقع إلكترونية، منها جريدة الأهرام على موقعها الاكتروني بتاريخ 23 من رجب 1431 هـ، الموافق  5 يوليو 2010 خبر وفاة الكاتب د. نصر حامد أبو زيد بعد إصابته بفيروس فشل الأطباء فى علاجه، حيث دخل فى غيبوبة لعدة أيام حتى وفاته المنية.
ومن المعلوم أن نصر أبو زيد من الكُتَّاب الذين ينتمون للمدرسة الحداثية التي تبالغ في تقديس العقل، بل وتُقَدِّمه على الوحي. وقد أثارت كتاباته الكثير من الجدل حتى تم اتهامه بالرِدَّة عن الإسلام وحكمت محكمة الأحوال الشخصية بالتفريق بينه وبين زوجته، ولكنه سافر مع زوجته أستاذة الأدب الفرنسي إلى هولندا حيث عمل أستاذاً للدراسات الإسلامية بجامعة (لايدن).

وهذه وقفة مع بعض كتاباته والتي تُعَبِّر عن أفكار تلك المدرسة المنحرفة التي تُسَمَّى بالعقلانية والحداثية، والتي ما زالت أفكار كُتَّابها تُطْرَح على الساحة تحت مُسَمَّى التنوير وحرية الفكر، ولم تترك هذه المدرسة شيئاً من ثوابت الدين إلا وطعنت فيه، ونسي أولئك أنهم مبعوثون ليومٍ عظيم، وأن الله رقيب عليهم، وأن ما يكتبونه بأيديهم سيكون وبالاً عليهم، قال الله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة المجادلة – الآية 6]،
وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [سورة الكهف – الآية 49].

وإليكم نموذجين من انحرافات نصر أبو زيد، ليتبين المنهج الفاسد لتلك المدرسة المسماة بالعقلانية و{وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الأنعام – الآية 55].

·      النموذج الأول: دعواه أن القرآن الكريم مُنتج ثقافي منزوع القداسة
فيقول في كتابه (مفهوم النَّص – دراسة في علوم القرآن: ص56): "لقد تشكل القرآن من ثقافة شفاهية.. وهذه الثقافة هي الفاعل، والنَّص مُنفعِل ومفعول.. فالنَّص القُرآني في حقيقته وجوهره مُنتَج ثقافي".
وفات هذا المسكين أن القرآن الكريم هو كلام الله الموحى إلى رسوله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وأنه ليس من كلام البشر وليس ناتج عن بيئة ثقافية أو تراكم فكري بشري، بل هو تنزيلٌ من الله العزيز الحميد.
قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [سورة الشعراء – الآيات 192، 193، 194، 195]،
وقال تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْـزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فُصَّلَت – الآية 42]،
وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الأنعام – الآية 91].

ثم يدعو إلى إزالة القداسة عن نصوص القرآن تحت مسمى الحداثة ويتهم من يُقَدِّس النصوص بالرجعية، فيقول (مفهوم النَّص – دراسة في علوم القرآن: ص56): (والفِكر الرجعي في تيار الثقافة العربية هو الذي يُحَوِّل النَّص مِن نَص لغوي إلى شيء له قداسته).
ويقول في كتابه (التفكير في زمن التكفير: ص138): "النصوص في ذاتها لا تمتلك أي سلطة اللهم إلا السلطة المعرفية التي يحاول كل نص –بما هو نص– ممارستها في المجال المعرفي الذي ينتمي إليه".
وقد رد على هذه المقولة الباطلة د. خالد كبير علال في كتابه (وقفات مع أدعياء العقلانية، حول الدين والعقل، والتراث والعلم) فقال: "إن النصوص لها سلطة حقيقية من جهتين، هما: من جهة قائلها ومن جهة مضمونها، لكن الرجل أغفل سلطة القائل، وحرَّف سلطة المضمون، وذلك عندما حدد سلطة المضمون في السلطة المعرفية فقط.  وهذا لا يصح لأن سلطة النص ذاتية يحدد نوعها المضمون الذي يحمله، فقد يكون النص غير معرفي فيكون سلطة أمر ونهي، أو سلطة تحذير و وعظ، أو سلطة تبليغ وإعلان، أو سلطة شرح وبيان، أو سلطة ترغيب وترهيب، أو سلطة إعلان حرب".

وبهذا يتبين ما تنتهجه المدرسة الحداثية العقلانية –التي يتبعها نصر أبو زيد- حول الوحي والقرآن، يقول أ.د. ناصر العقل في كتابه (الاتجاهات العقلانية الحديثة – رسالة ماجيستير: ص158): "فللعقلية الحديثة تجاه الوحي عموماً تأويلات عِدَّة، تدور كلها على تفسيره تفسيراً مادياً وبشرياً، لا يعدو كونه نشاطاً من الأنشطة الإنسانية الفردية، وأنه جاء نتيجة تأثيرات روحانية أو قوى عقلية، أو انفعالات نفسية، أو تأملات باطنية، لبعض الأفراد الذين تميزوا بعبقرية فَذَّة في جانب أو أكثر من جوانب الشخصية الإنسانية، جعلتهم يصلون إلى ما يقدر عليه غيرهم من الإنتاج الفكري والإصلاح والروحي والعملي، كما كانت تقول المذاهب الصوفية والباطنية القديمة والحديثة".

وهذا يقودنا إلى نموذج آخر من الانحراف الفِكري والعقائدي.
·      النموذج الثاني: الدعوة إلى إحياء فِكر شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين ابن عربي
وابن عربي من غُلاة التصوف الفلسفي –يلقبه أهل التصوف بالشيخ الأكبر وبالكبريت الأحمر-، وهو أحد القائلين بعقيدة وحدة الوجود، وصاحب "فصوص الحِكَم" و"الفتوحات المَكية"، والتي لا يخفى على أحد ما تحتويه هذه الكتب مِن كُفر وزندقة.

قال نصر أبو زيد في كتابه (هكذا تكلم ابن عربي: ص24): "ترجع أهمية فِكر ابن عربي إلى أنه يُمَثِّل قمة نضج الفكر الإسلامي في مجالاته العديدة، من فقه ولاهوت وفلسفة وتصوف، هذا فضلاً عن علوم تفسير القرآن وعلوم الحديث النبوي، وعلوم اللغة والبلاغة.. إلخ".
وأنا لا أدري كيف يُقال هذا المدح في شخص مِثل ابن عربي، القائل في كتابه (فصوص الحِكم): "إلا أنه تعالى وصف نفسه بالغيرة، ومن غيرته حَرَّم الفواحش، وأما فُحش ما بطن فهو لمن ظهر له، فلما حَرَّم الفواحش، أي منع أن تُعْرَف حقيقة ما ذكرناه، وهي أنه عين الأشياء، فسترها بالغيب..". نقلاً عن كتاب (الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ – محمود عبد الرؤوف قاسم: ص58).
فهذا قول صريح بعقيدة وحدة الوجود الكُفرِيَّة " أنه عين الأشياء" –أي أن الله هو عين الموجودات وأن الخَلْق والخالِق شيء واحد- والعياذ بالله.

ثم يدعو نصر أبو زيد إلى بعث تجربة ابن عربي لحل مشكلات الحياة التي يواجهها العالم، فيقول في كتابه (هكذا تكلم ابن عربي: ص26): "إن استدعاء ابن عربي –مع غيره من أعلام الروحانية في كل الثقافات- يُمثل مطلباً مُلِحاً، لعلنا نجد في تجربته وفي تجاربهم ما يمكن أن يُمثل مصدراً للإلهام في عالمنا الذي سبق أن ألمحنا لبعض مشكلات الحياة فيه".
ثم يبين نصر أبو زيد علاقته الوثيقة بابن عربي، فيقول: "لكن العودة للسباحة في المحيط الهادر لابن عربي ظل حلماً يراودني دون أن أخاطر بالمغامرة مرة أخرى، ومع ذلك فإن علاقتي بالشيخ الأكبر لم تنقطع أبداً، فجزء لا يستهان به أبداً من تكويني الأكاديمي ومن تجربتي الدينية الروحية في الحياة، أدين به للخبرات التي اكتسبتها من خلال اللقاء الأول بالشيخ الأكبر".(هكذا تكلم ابن عربي: ص13).

ويتبين لنا من هذين النموذجين السابقين حِرص رُوَّاد تلك المدرسة على الطعن في الدين، بمحاولة التشكيك في مصدرية الوحي الربانية، وبمحاولة بعث أفكار أئمة الكُفر والزندقة وإحياء التراث الباطني.

وختاماً، فهذا ما يسر الله لي جمعه، فما كان من توفيق فمِن الله وحده، وما كان من نقص أو خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان.

قال الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ٍسورة آل عِمران – الآية 8].

كتبه: حاتم الحاجري،
عفا الله عنه

02‏/07‏/2010

أهمية الأُسرة وعناية الإسلام بها

ينبثق نظام الأسرة مِن معين الفِطرة وأصل الخلقة وقاعدة التكوين الأولى للأحياء جميعاً وللمخلوقات كافة، وقال جل شأنه: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [سورة الذاريات – الآية 49]، وقال سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ} [سورة يس – الآية 36].
وإن النظام الإسلامي يجعل الأسرة هي العمود الفقري الذي يقوم عليه المجتمع الإسلامي، وقد أحاطها الإسلام برعاية عظيمة في كل مراحل تكوينها، وقد استغرق تنظيمها وحمايتها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جهداً كبيراً، وأحاطها كذلك بكل المقومات اللازمة لإقامة هذه القاعدة الأساسية الكُبرى للمجتمع المسلم.
ونظراً لأهمية هذه القاعدة في تكوين النظام الاجتماعي، ربطها الإسلام بجاذبية الفِطرة بين الجنسين، حيث أودع في كل طرف رغبة مُلِحَّة للطرف الآخر لتحقيق المَوَدَّة والسكينة التي يبحث عنها كل منهما لدى الآخر، وما ذلك إلا لتتجه إلى إقامة الأسرة القوية وتكوين البيت الصالح الذي يتكون من مجموعهما المجتمع الصالح، قال جل شأنه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [سورة الروم – الآية 21]، وقال عز من قائل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [سورة النحل – الآية 80].
إن الأسرة هي الوضع الفِطري الذي ارتضاه الله تعالى لحياة الناس منذ فجر الخليقة وفَضَّلَه لهم، واتخذ من الأنبياء والرُّسُل مثلاً، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ  قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [سورة الرعد – الآية 38].
إن الفطرة التي فطر الله الزوجين عليها، وهذه المَوَدَّة التي يتوق إليها كل طرف ويبحث عنها لدى الطرف الآخر، وتلك السكينة التي تُظلل هذه الخلية الناشِئة، وهذه الرحمة التي تغمر قلبي طرفيها؛ هذه المعاني كلها، تجعل الرجل يندفع للارتباط بأنثاه، مُضَحياً من أجلها بماله، ومُغَيراً طريقة حياته مستبدلاً بروابطه السابقة روابط أخرى، وهي التي تجعل المرأة تقبل الانفصال عن أهلها ذوي الغَيْرة عليها وتترك أبويها وإخوتها وسائر أهلها لترتبط بالزواج برجل غريب عنها تُقاسمه السَّرَّاء والضَّرَّاء، وتسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى ما يكون بين ذوي القُربى، وما ذلك إلا لثقتها بأن صلتها به ستكون أقوى من أي صلة، وعيشتها معه أهنأ مِن كل عيشة، وهذا ميثاق فِطري مِن أغلظ المواثيق وأشدها إحكاماً.

كتبه: أ.د. أحمد علي طه رَيَّان،
العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر
مِن كتاب: فقه الأسرة

26‏/06‏/2010

ضوابط اليُسْر في الإسلام

فقد تقرر أن بناء الشريعة في أصولها وأهدافها على اليُسر، وأن رفع الحرج من مقررات الشرع وقواعده. وإن لهذا اليُسر ضوابط، حرصْتُ على استقرائها مِن النصوص الشرعية وكلام أهل العِلم المحققين.

فضوابط اليُسر هي:

أولاً: أن يكون التيسير ثابتاً بالكتاب أوالسُّنَّة
إن اليسر في أحكام الشريعة الإسلامية، كغيره مِن الأمور، لا بد أن يكون ثابتاً بأحد الوحيين، حتى يتسنى للمسلمين العمل به واعتماده، لا أن يكون التيسير بحسب الهوى والتشهي، واستحسان العِباد واستقباحهم، فكل تيسير لا يستند إلى الكتاب والسنة فهو تيسير مُلغى مُطرح، لأن الشرع لا يثبت بمجرد الاستحسان العقلي دون التقيد بدليل.
كما ينبغي ألا يكون التيسير ناتجاً عن ضغط الواقه القائم في مجتمعاتنا المعاصرة، وهو واقع لم يصنعه الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه، ولم يصنعه المسلمون بإرادتهم وعقولهم وأيديهم إنما هو واقع صُنِعَ لهم، وفُرِضَ عليهم، في زمن غفلة وضعف وتفكك منهم، وزمن قوة وتمكن مِن عدوهم المستَعمِر، فلم  يملكوا أيامها أن يغيروه أو يتخلصوا منه، فليس معنى التيسير أن نحاول تسويغ هذا الواقع على ما فيه، وجر النصوص من تلابيبها لتأييده. (انظر: الفِقه الإسلامي للقرضاوي، ص43).

ثانياً: عدم مجاوزة النَّص في الأخذ بالتيسير
فلا يجوز الاستزادة في التخفيف والتيسير – لا كَمَّاً ولا كيفاً – على ما وَرَد به النَّص، فلا يجوز لمن يستيطع الصلاة جالساً أن يُصَّليها مستلقياً، كما لا يصح أن يُقال أن مشقة الحرب بالنسبة للجنود تقتضي وضع الصلاة عنهم، أو تأخيرها إلى القضاء فيما بعد، إنه كلما كان التمسك بالنص الشرعي والتزام الحكم المستفاد منه، كان ما يفيده من التيسير ورفع الحرج أبلغ.

ثالثاً: ألا يُعارِض التيسير نَصَّاً مِن الكتاب أو السُّنَّة
لا ريب أن الله تعالى أمر بتقديم كتابه وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم على ما عداهما، فقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [سورة الأحزاب – الآية 1]، وأمر بالرد إليهما عند النزاع فقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [سورة النساء – الآية 59]، والكتاب والسُّنَّة – كما هو معلوم – هما المصدر الأساس لهذا الدين، وبقية الأدلة والنصوص الشرعية تابع لهما، فمتى حصل تعارض بينهما فإنه ينبغي المصير إلى الأخذ بالنص.
وقد قرر أهل العِلم قواعد فقهية مستلهَمَة مِن هذا الأصل، كقولهم: "لا اجتهاد مع النص" و"لا مساغ للجتهاد في مورد النص" (الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكُلِّية لمحمد صدقي البورنو، ص255) إلى غيرهما من القواعد.
غير أن بعض دُعَاة التطور والعَصرانية والتيسير لم يُفَرِّقوا بين مباديء الشريعة التي لا يعتريها التبدل والتغير، والفروع التي يمكن أن توصف بهذه الأوصاف، فأجروا على الشريعة ما لا يجري على القوانين الوضعية ذاتها، وحملوا النصوص على غير محملها، وجعلوا التيسير الموهوم والنفع المزعوم ضابطاً يتقلب مع الحُكم وجوداً وعدماً، وهذا افتئات على النصوص وتضييع لحق الله في التشريع.
ومِن ذلك: ما يزعمه البعض من التخفيف والإشفاق على المذنب المحكوم عليه بحد معين، مع أن الله تعالى قال: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [سورة النور – الآية 2].

رابعاً: أن يكون التيسير مُقَيَّداً بمقاصد الشريعة
ومعنى هذا الضابط أن اليُسر لا بد أن يكون داخلاً ضمن المقاصد التي جاء الشرع لتحقيقها.
فالشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح الخلق إثباتاً وإبقاءً، واليسر يجب أن ينطلق من الشرع، ويتقيد بقيوده، فلا التفات لتيسير يحكم به العقل وحده، بل لا بد أن يكون راجعاً إلى حفظ مقصود من مقاصد الشرع، فإذا ناقضه فليس بتيسير، وإن توهم متوهم أنه كذلك.

هذا ما تيسر من الضوابط الشرعية لليسر في الإسلام، إلا أنني أشير إلى أنه كما أن التيسير الغير منضبط مردود، فكذلك التعسير بلا دليل هو كذلك مردود، وقد انتقد العلماء وغَلَّطوا مَن فعل ذلك.

منقول باختصار؛
مِن كتاب: منهج التيسير المعاصر، دراسة تحليلية – رسالة ماجيستير قُدِّمَت لِقِسم الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
إعداد: عبد الله بن إبراهيم الطويل

17‏/06‏/2010

الشخصية الإسلامية

الشخصية السَّوِيَّة:
الشخصية الإسلامية هي الشخصية الإنسانية الوحيدة التي تُوسَم بأنها سوية، سوية في صفاتها وخصائصها، في آمالها وطبائعها، في مقاييسها وموازينها، هي الشخصية السوية التي لم تُمْسَخ فطرتها، ولم تُشَوَّه جبلتها، هي الشخصية الإنسانية السوية التي تسعى في هذا الكون لتكون الإنسان الذي شاءه خالق الكون ومُبدع الحياة وفاطر الإنسان.
وغيره يجري في الحياة مُنَكَّس القلب، مُشَوَّش الفِكر، لا يعرف طريقه ولا سبيله.

الشخصية الإسلامية الممسوخة:
وهذا لا يعني أن هؤلاء وأولئك الذين تسموا بالإسلام ولم يكن لهم من الدين إلا اسمه، ولا عرفوا من القرآن إلا رسمه، لا يعني أنهم يمثلون الشخصية الإسلامية، ذلك أن الشخصية الإسلامية هي التي تُمَثِّل الخصائص التي ينشئها الإسلام في نفس الإنسان، أما الذين يُنْسَبون إلى الإسلام، ويُقَوِّمون النفوس والعقول بمناهج البشر وعاداتهم فهؤلاء مسخ الشخصية الإسلامية، وإن تَزَيَّوا بزي العلماء، وتسموا بأسماء الزُّهاد والعُبَّاد، وزعموا أنهم الأولياء والأوتاد.
لقد مسخ أقوام - زعموا التصوف وآخرون هاموا بالتفلسف – الشخصية الإسلامية، فأصبحنا نرى أقواماً يزعمون الإسلام، ولا نرى عليهم من الإسلام إلا طبقة رقيقة سرعان ما تذوب وتتهاوى عندما تُبلى بالشدة واللأواء.

الشخصية الإسلامية عبر القرون:
ولقد تعرضت الشخصية الإسلامية عبر القرون إلى حملات آثمة غادرة، استهدفت إزالتها وتدميرها، كما استهدفت – إذ عجزت عن الإزالة والمحو – تشويهها ومسخها، وقاد هذه الحملة أعداء الإسلام بما ألقوه مِن شُبُهات، وبما جاؤوا به مِن فلسفات وثقافات، أرادوا أن يُزاحموا بها الإسلام في نُفُوس المسلمين، وبذلك لا يستقل الإسلام ببناء الإنسان، ولا يكون هو المسلم الحق الذي يريده الله، ولقد شُوِّهَت عقائد الإسلام وتصوراته، وخالط العقيدة عِلم الكلام والفلسفة، وزعم أقوام أنهم يستمدون عِلمهم من تجليات قلبية، وإلهامات وسُبُحات، أنزلوها منزلة الوحي، واختلطت على المسلمين السُّبُل، واحتار كثير من السالكين، وكثُر الزاعمون بأنهم وحدهم على الحق المبين، وأن غيرهم على الضلال، وماجت الحياة الإسلامية بفِرَق كثيرة جعلت بأسها بينها، ورمى بعضُها بعضاً بالمروق من الدين، والكُفر بالله رب العالمين.

الشخصية الإسلامية اليوم:
الشخصية الإسلامية اليوم تُمَثِّل في ذاتها ذلك التُّراث الذي ورثته عن الآباء والأجداد عبر قرون طويلة، وهو تراثٌ ضخمٌ شارك في إيجاده اتجاهات مختلفة بعضها لا يُريد بالإسلام وأهله خيراً، أضِف إلى هذاأن الصراع اليوم متجه إلى امتلاك فِكر الإنسان والتأثير على تصوراته وعقائده، وللدول الكبرى والمذاهب المختلفة في هذا الباب غرامٌ شديد، ومِن أجله سَخَّرَت إذاعاتها وصُحُفِها وبرامجها، وإليه وَجَّهَت الكُتَّاب وأصحاب الفِكْر والممثلين، وأنفقت في سبيل ذلك أموالاً تكفي لإثراء الفقراء، وإزالة أسباب التعاسة، ومحاربة المرض والجهل، ولكن الإنسان يحرص على بث فكره وحمل الناس عليه ودعوتهم إليه حِرصاً يصْغُر أمامه – أحياناً – بذل نفسه إضافةً إلى ماله، وصدق الله إذ يقول: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [سورة الأنعام – الآية 108].

بِناء الشخصية الإسلامية من جديد:
إذا كان الأمر كذلك، وكانت الشخصية الإسلامية لا تُمَثِّل اليوم الشخصية الإسلامية الحَقَّة – إلا من رَحِم الله – كان لِزاماً أن نعود من جديد لبناء شخصية إسلامية واضحة المعالم، بَيِّنَة الخصائص، كتلك الشخصية التي تمثلت في الرُسُل والأنبياء والصحابى الكِرام والأئمة الأعلام.
ونحن في هذا يجب أن تعتمد على المصادر التي اعتمدها سلفُنا وأئمتُنا في تكوين الشخصية الإسلامية، وتلك المصادر هي الكتاب والسُّنَّة ففيهما الغِناء، إلا أن الذي أعان على تكوين الشخصية الإسلامية مِن الكِتاب والسُّنَّة رؤية الإسلام متمثلاً في شخصية إنسان تمثيلاً عملياً، هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تمثل جيل بأكمله هو جيل الأصحاب، ثم أصبح واقعاً ومجتَمَعاً، وبذلك سَهُلَ بناء الشخصية الإسلامية حيث ترى المُثُل الإسلامية واقعاً مُشاهداً، وحيث الجو الإسلامي الذي ينشر عطره ونوره وهَدْيه، وبذلك يتنفس المسلم في جوِّ الإسلام.


كتبه: أ.د. عُمَر سُلَيمان الأَشْقَر - كلية الشريعة، الجامعة الأردنية
من كِتاب "مَعَالِم الشَّخْصِيَة الإسْلامِيَة" – دار النفائس.

08‏/06‏/2010

التحذير من الدعوة إلى وحدة الأديان

إن الدعوة إلى هذه النظرية الثلاثية، تحت أي من هذه الشعارات، إلى توحيد دين الإسلام الحق الناسخ لما قبله من الشرائع، وما عليه اليهود والنصارى من دين دائر كل منهما بين النسخ والتحريف، هي أكبر مكيدة عُرِفت لمواجهة الإسلام والمسلمين اجتمعت عليها كلمة اليهود والنصارى بجامع عِلتهم المشتركة: "بُغض الإسلام والمسلمين". وغلفوها بأطباق من الشعارات اللامعة، وهي كذبة خادعة ذات مصير مروع مخوف.
فهي في حُكم الإسلام: دعوة بدعية، ضالَّة كُفرية، خطة مأثم لهم، ودعوة لهم إلى ردة شاملة عن الإسلام؛ لأنها تصطدم مع بدهيات الاعتقاد، وتنتهك حرمة الرُّسل والرسالات، وتبطل صدق القرآن، ونَسخه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطل نَسخ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع، وتبطل ختم النبوة والرسالة بمحمد عليه الصلاة والسلام، فهي نظرية مرفوضة شرعاً، محرمة قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام من كتاب وسُنَّة وإجماع، وما ينطوي على ذلك من دليل وبرهان.
لهذا لا يجوز لمسلم، يؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، الاستجابة لها، ولا الدخول في مؤتمراتها وندواتها واجتماعاتها وجمعياتها، ولا الانتماء إلى محافلها، بل يجب نبذها ومنابذتها والحذر منها والتحذير من عواقبها، واحتساب الطعن فيها والتنفير منها وإظهار الرفض لها، وطردها عن ديار المسلمين، وعزلها عن شعورهم ومشاعرهم، والقضاء عليها ونفيها، وتغريبها إلى غربها، وحجرها في صدر قائلها، ويجب على الولي المسلم إقامة حد الردة على أصحابها بعد وجود أسبابها وانتفاء موانعها، حمايةً للدين وردعاً للعابثين، وطاعةً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإقامةً للشرع المطهر.
وأن هذه الفكرة إن حظيت بقبول من يهود ونصارى، فهم جديرون بذلك؛ لأنهم لا يستندون إلى شرع مُنَزَّل مؤبد، بل دينهم إما باطلٌ محرف، وإما حقٌ منسوخ بالإسلام، أما المسلمون فلا والله، لا يجوز لهم الانتماء إلى هذه الفكرة؛ لانتمائهم إلى شرع مُنَزَّل مؤبد كله حق وصدق وعدل ورحمة.
وليعلم كل مسلم عن حقيقة هذه الدعوة: أنها فلسفية النزعة، سياسية النشأة، إلحادية الغاية (انظر كتاب: "الإيمان" لعثمان عبد القادر الصافي ص114) تبرز في لباس جديد لأخذ ثأرهم من المسلمين: عقيدةً وأرضاً ومُلكاً' فهي تستهدف الإسلام والمسلمين في:
1. إيجاد مرحلة التشويش على الإسلام، والبلبلة في المسلمين، وشحنهم بسيل من الشبهات والشهوات؛ ليعيش المسلم بين نفس نافرة ونفس حاضرة.
2. قَصْر المد الإسلامي واحتوائه.
3. تأتي على الإسلام من القواعد، مستهدفة إبرام القضاء على الإسلام واندراسه، ووهن المسلمين، ونزع الإسلام من قلوبهم ووأده.
4. حل الرابطة الإسلامية بين العالم العلام الإسلامي في شتى بقاعه؛ لإحلال الأخوة البديلة اللعينة: "أخوة اليهود والنصارى".
5. كف أقلام المسلمين وألسنتهم، عن تكفير اليهود والنصارى وغيرهم ممن كَفَّرَهُم اللهُ وكَفَّرَهُم رسوله صلى الله عليه وسلم إن لم يؤمنوا بهذا الإسلام ويتركوا ما سواه من الأديان.
6. وتستهدف إبطال أحكام الإسلام المفروضة على المسلمين أمام الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر ممن لم يؤمن بهذا الإسلام ويترك ما سواه من الأديان.
7. وتستهدف كف المسلمين عن ذروة سنام الإسلام: الجهاد في سبيل الله.
8. وتستهدف هدم قاعدة الإسلام وأصله: "الولاء والبراء" و"الحب والبغض في الله"، فترمي هذه النظرية الماكرة إلى كسر حاجز براءة المسلمين من الكافرين، وومفاصلتهم، والتَدَيُّن بإعلان بغضهم وعداوتهم، والبُعْد عن موالاتهم وتوليهم، وموادتهم وصداقتهم.
9. وتستهدف صياغة الفِكر بروح العداء للدين في ثوب وحدة الأديان، وتفسيخ العالم الإسلامي من ديانته، وعزل شريعته في القرآن والسُّنَّة عن الحياة، حينئذ يسهل تسريحه في مجاهل الفِكر، والأخلاقيات الهدامة، مُفَرَّغاً من كل مقوماته، فلا يترشح لقيادة أو سيادة، وجَعْل المسلم في محطة التلقي لما يُملى عليه من أعدائه وأعداء دينه، وحينئذٍ يَصِلون إلى خِسة الغاية: القفز إلى السلطة العالمية بلا مقاوم.
10.                  وتستهدف إسقاط جوهر الإسلام، واستعلائه وظهوره وتميزه، بجَعْل دين الإسلام المُحْكَم المحفوظ مِن التحريف والتبديل، في مرتبة متساوية مع غيره من كل دين مُحَرَّف منسوخ، بل مع العقائد الوثنية الأخرى.
11.                  وترمي إلى تمهيد السبيل: "للتبشير بالتنصير" والتقديم لذلك بكسر الحواجز لدى المسلمين، وإخماد توقعات المقاومة من المسلمين، لسبق تعبئتهم بالاسترخاء والتبلد.
12.                  ثم غاية الغايات: بسط جناح الكفرة من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم على العالم بأسرِه والتهامه، وعلى العالم الإسلامي بخاصة، وعلى الشرق الأوسط بوجه خاص، وعلى قلب العالم الإسلامي وعاصمته: "الجزيرة العربية" بوجه أخص، في أقوى مخطط تتكالب فيه أمم الكفر وتتحرك من خلاله لغزوٍ شامل ضد الإسلام والمسلمين بشتى أنواع النفوذ: الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي، وإقامة سوق مشترك لا تحكمه شريعة الإسلام، ولا سَمْع فيه ولا طاعة لخُلُق فاضل ولا فضيلة ولا كسب حلال، فيفشو الربا وتنتشر المفسدات، وتُدَجَّن الضمائر والعقول، وتشتد القوى الخبيثة ضد أي فطرة سليمة وشريعة مستقيمة.
هذا بعض ما تستهدفه هذه النظرية الآثمة، وإن من شدة الابتلاء أن يستقبل نزرٌ من المسلمين ولفيفٌ من المنتسبين إلى الإسلام هذه النظرية ويركضوا وراءها إلى ما يُعقد لها من مؤتمرات ونحوها، وتعلو أصواتهم بها، مُسابقين هؤلاء الكفرة إلى دعوتهم الفاجرة وخطتهم الماكرة، حتى فاه بعض المنتسبين إلى الإسلام بفكرته الآثمة: "إصدار كتاب يجمع بين دفتيه: القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل".

كتبه: فضيلة الشيخ د. بكر أبو زيد، رحمه الله
الرئيس السابق لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء سابقـًا.
مِن كتاب: الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان