22‏/06‏/2011

الحُكم على الناس يجب أن يكون بعِلم وعدل

يتعين على مَن تصدى للحكم على الناس أنْ يتصف بالعِلم والعدل.

أما عن الاتصاف بالعِلم فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء:36]، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15]. وأما عن الاتصاف بالعدل فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:152].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:8].

وليس لحاكمٍ على الناس جرحاً وتعديلاً أنْ يجُور في حُكمه لعداوةٍ أو بغضاء.
قال ابن جرير: ((يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، ليكن مِن أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم، وأفعالكم، فتجاوزوا حدود ما حددت لكم في أعدائكم، لعداوتهم لكم، ولا تُقَصِّروا فيما حددت لكم مِن أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيهم بأمري)) [تفسير الطبري (10/95)، بتحقيق أحمد شاكر].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: ((والكلام في الناس يجب أنْ يكون بعلم وعدل، لا بجهل وظلم كحال أهل البدع)) [منهاج السنة النبوية (4/337)].
وقال ابن القيم: ((والله يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلَّى بها الرجل، خصوصاً مَن نصب نفسه حَكَماً بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى:﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى:15])) [إعلام الموقعين (3/94)].

ومِن الإنصاف أنْ يحترم ما عند الآخرين مِن الخير، قال تعالى:﴿ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:183].
كتب عبدالله العُمري العابد الإمام مالك يحثه على الاقتصار على التعبد وترك الخلطة، فكتب إليه الإمام قائلاً: ((إنَّ الله قسَّم الأعمال كما قسَّم الأرزاق، فرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الجهاد، فنشْر العلم مِن أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فُتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر)) [سير أعلام النبلاء (8/114)].
ومَن أراد أن ينصف فلينصت إلى ابن حزم وهو يقول: ((مَن أراد الإنصاف فليتوهم نفسه مكان خصمه، فإنه يلوح له وجه تعسفه)) [الأخلاق والسير لابن حزم ص18].
قال أحدهم:
ولم تَزَلْ قلَّـةُ الإنصافِ قاطعةً    بين الأنامِ وإنْ كانوا ذوي رَحِمِ

ومِن نواقض الإنصاف: تعميم الأحكام، والحُكم على فرد بمجرد انتمائه إلى طائفة، والحُكم على طائفة مِن خلال فرد فيها.
·     ومِن نواقض الإنصاف: المبالغة والمجازفة في الأحكام، وذلك بحسب حال الرضا والموافقة، أو حال الغضب والمخالفة، كحال يهود حين علموا بإيمان كعب الأحبار فبدلوا القول مِن ((سيدنا وابن سيدنا)) إلى ((شرنا وابن شرنا)) [جزء مِن حديث أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرءان، باب: مَن كان عدواً لجبريل رقم (4210)]. والأمثلة على كلا الأمرين قديماً وحديثاً أكثر مِن أنْ تحصر.
·     ومن نواقض الإنصاف: محاكمة المجتهد إلى اجتهاده في أول أمره دون آخره مثل مَن ينسب القول بإباحة ربا الفضل، أو حِل نكاح المتعة لابن عباس رضي الله عنهما، مع أنه قد ثبت رجوعه عنهما في آخر أمره وخاتمة عمره، وإنما العبرة بالخواتيم.
·     ومِن نواقض الإنصاف: الحكم على الشخص في مرحلة بعينها مِن حياته، فمَن حَكَم على أبي الحسن الأشعري مثلاً في أول مراحله قال: كان معتزلياً، ومن حَكَم عليه في المرحلة الوسطى قال: كان مُلفِّقاً أشعرياً، ومَن حكم عليه في المرحلة الأخيرة قال: كان سلفياً!
·     ومِن نواقض الإنصاف: الحسد، وهو آفة في النفس دافعة إلى انتقاص المحسود وتمني زوال نعمته، فلا يجتمع معها عدل ولا إنصاف، قال تعالى :﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54].
حَسَدُوا الفَتى إذ لم ينالوا سَعيهُ    فالـنَّاسُ أعـداءٌ له وخُصومُ
وترى اللبيبَ محسَّداً لم يجترمْ      شتمَ الرجالِ وعـرضهُ مشتومُ
كضرائرِ الحسناء قلنَ لوجهِها     حسـداً وبـغضـاً إنه لدميمُ
ولقد درج أهل السنة على تحري الإنصاف مع غاية الورع، لاسيما عند الكلام على أهل العِلم والفضل.
قال الذهبي: ((وإنما الكلام في العلماء مفتقر إلى وزن بالعدل والورع)) [سير أعلام النبلاء (8/448)].
وقد ضرب السلف الصالح رضي الله عنهم أروع المثل في الورع والتثبت.
يقول البخاري: ((سمعت أبا عاصم يقول: منذ أنْ عقلت أنَّ الغيبة حرام ما اغتبت أحداً قط))، وقال أيضاً رحمه الله: ((أرجو أنْ ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً)) [سير أعلام النبلاء (8/448)].
وعلَّق الذهبي على كلامه فقال: ((صدق رحمه الله، ومَن ينظر في كلامه في الجرح والتعديل، عَلِم ورعه في الكلام على الناس، وإنصافه فيمن يُضَعِّفُه... ويستطرد الذهبي فينقل عن البخاري قوله: حتى إذا قلتُ: ((فلان في حديثه نظر فهو متهم واه))، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني أني اغتبت أحداً، وهذا والله غاية الورع )) [سير أعلام النبلاء (12/439)].
وكما كانوا رضي الله عنهم في الذروة من الورع والتوقي عن أعراض الخلق، كانوا أصحاب منهج دقيق في التثبت، حيث جاء الأمر به في كتاب الله تعالى: ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]. وفي قراءة حمزة والكسائي: ﴿ فتثبتوا﴾، قال الحسن البصري: ((المؤمن وقَّاف حتى يتبين)) [مجموع الفتاوى (10/382)] فكانوا ينظرون في ضبط نقلة الأخبار، كما ينظرون في فهمهم لها.
وكما قيل:
وكم مِن عائبٍ قولاً صحيحاً     وآفتُه من الفَـهْـمِ السقيمِ
ولكن تأخُـذُ الأذهانُ منـهُ     على قَـدْرِ القرائحِ والعُلومِ
·     ومِن نواقض الإنصاف: إغفال القرائن المحتفة بالأخبار، قبل قبولها أو ردها، فرُبَّ قائل كلمة حق أراد بها محض الباطل، كما قال عليُّ رضي الله عنه للخوارج.
وقال ابن القيم: ((والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، ومايدعو إليه ويناظر عنه)) [مدارج السالكين (3/521)].
تقولُ هذا جَنَى النَّحـلِ تمدحُـه       وإنْ تشأْ قُلتَ ذا قيءُ الزنابيرِ
مدحاً وذماً وما جاوزتَ وصفَهما       والحقُّ قَدْ يعتريِه سـوءُ تعبيرِ
وقال السبكي: ((فإذا كان الرجل ثقةً مشهوداً له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أنْ يُحمَل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تُعُوِّد منه ومِن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحُسن الظن الواجب به وبأمثاله)).
وقد قال الله تعالى في حادثة الإفك طالباً التثبت: ﴿ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]، وأَمَر بتقديم حُسن الظن فقال: ﴿ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12]، كما أَمَر بالكفِّ عن الكلام بغير علم فقال: ﴿ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16]، وفي الحديث: ((وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم)) [أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة، رقم (2541)]. وروى سهل بن سعد مرفوعاً: ((مَن يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)) [أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: حفظ اللسان، رقم (5993)].
تكلَّمْ وسدِّدْ ما استطعت فإنما     كلامُك حيُّ والسكوتُ جمـادُ
فإنْ لم تجدْ قولاً سديداً تقولُهُ      فصمتُكَ عن غير السَّدادِ سدادُ
والمقصود مِن ذلك كلِّه أنْ يَزُمَّ المسلمُ لسانَه بزمامِ التقوى، أنْ يربط على قلبه برباط الورع، وحُسن الظنِّ بالمسلمين، وأنْ لا يعجل على أحدٍ بأمرٍ حتى تقُوم بينته، وتنقطع معذرته، وتُزال شبهته، ثم إذا ثبت خطؤه، وبان زلـله، نُظِر في سائر أمره، وعامة أحواله، فإنْ كانت على وجه السداد والمقاربة احتُمِل له ما لا يُحْتَمَل لغيره، وانغمرت زلته وهفوته في لُجـة حسناته.
وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ     جاءتْ محاسنُه بألفِ شفيـعِ


كتبه: فضيلة الشيخ د. محمد يسري إبراهيم
كلية الشريعة بجامعة الأزهر، والأمين العام للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ونائب رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
مِن كتاب: الإحكام في قواعد الحُكم على الأنام


18‏/06‏/2011

الإعلام.. اللاعب الكبير في المخطط العلماني الكنسي ضد السلفيين

جاءت أحداث إمبابة الأخيرة لتبرهن للجميع على أن ملف الفتنة الطائفية بات هو الملف الأنجح لإحباط مكتسبات الثورة والعودة في البلاد إلى مرحلة ما قبل 25 يناير 2011.
لكن الدور الإعلامي مع الأحداث التي أعقبت تنحي الرئيس السابق حسني مبارك أثبت هو الآخر أنه وقود عملية إحباط الثورة المستمرة والتي يعرفها البعض بالثورة المضادة، مع الاعتراف بأن البعض الآخر غير مقتنع بوجود هذه الثورة أصلا.
وبات واضحا أن إعلام الفتنة هو إعلام مركب ومعقد فهو يبدأ من رجل الشارع ـ الجاهل أو المتآمر ـ وينتهي بالصحافة الإلكترونية والفضائيات التي تلعب دورا سريعا في إذكاء نيران الفتنة خلال الشهور الأخيرة.

استهداف السلفيين
عاب السلفيين خلال تاريخهم سوء التنظيم وهو ما جعل الإعلام الذي تسيطر عليه العلمانيون والليبراليون يرون في التيار السلفي نموذجا لترويج الكثير الشائعات حولهم بشكل ممنهج لإرهاب الناس من الإسلاميين بشكل عام بعد أن تأكدوا من عدم صلاحية هذا النهج مع جماعة الإخوان كما سيتضح لاحقا.
واستغل الإعلام عاملي سوء التنظيم وتمايز صفوفهم بعد الثورة في اتجاهين أولهما صنع تيار جديد بزعامة المنشقين عن السلفية واستغلال تأخر السلفيين في الرد على الشائعات تجاههم ـ بسبب افتقارهم لشبكة اتصال سريعة تستطيع التبين وقت الحدث ـ في إيهام الجماهير بانفصال بين الشيوخ وتلامذتهم والتلميح بأن هؤلاء الشيوخ يبطنون غير ما يظهرون.
وكانت استضافة قناتي أون تي في (المملوكة لرجل الأعمال القبطي نجيب ساويرس) ودريم للشيخين المحسوبين على السلفية أسامة القوصي ومحمود عامر ـ رغم المزاعم عن تعاونهم السابق مع جهاز أمن الدولة ـ فرصة ذهبية للإعلام كي يتناول السلفية بالتهجم أو التهكم ونعتها بالجهل والتلون.
كذا كان المظهر المطبوع في الذهن للسلفيين عاملا ممتازا جنده الإعلام لخدمة أغراضه المدعية والدعائية ضد السلفيين وذلك على الرغم من أن هذا السمت لا يخص السلفيين وحدهم وبالرغم من أن جماعات كالتبليغ وأفراد يطلقون لحاهم لأغراض ليست مرتبطة في جميع الأحيان بالتدين.
وعلى ذلك كان كافيا أن يدعي أحد شهود العيان على قناة فضائية أن ملتحيا شارك في إحدى الفعاليات الطائفية لإدانة التيار برمته وهو ما حدث في واقعة قطع أذن قبطي في قنا.
وحول تلك الواقعة يقول بلال فضل في مقال بعنوان "محمد حسان رئيساً للجمهورية!" بتاريخ ٩/ ٤/ ٢٠١١ أن الكاتب الروائي محمد شمروخ أحد سكان المنطقة التي وقعت فيها الحادثة أكد له في رسالة أن السلفيين أبرياء من هذه الواقعة تماما. وللعلم فإن شمروخ وفضل يتبنيان موقفا متشددا تجاه السلفية إلى حد اعتبار الأخير السلفيين ألغاما زرعها النظام السابق.

تحييد الإخوان
وكما أدرك الإعلام أن السلفيين هدفا مناسبا لحملاتهم من أجل ضرب الإسلاميين فإنهم رأوا ضرورة تجنب الإخوان بشكل كبير للتخلص من اتهامات بمحاربة الإسلام خاصة بعد أن صارت الجماعة في موقف قوة لدورها الرئيس في الحفاظ على الثورة في أحرج لحظاتها واعتراف العلمانيين أنفسهم وقتئذ بأن الثورة ما كانت لتنجح لولا كتائب الإخوان.
تنظيم الجماعة الرائع كان سببا آخر في تجنب الاصطدام بهم لأن النتيجة في النهاية ستكون لصالحهم على الرغم من أن تصريحات الإخوان بشأن الخلافة وإقامة الشريعة، والمنافسة برلمانيا على نصف المقاعد بعد تصريح سابق بأن الثلث يكفي، وترشح عبد المنعم أبو الفتوح للرئاسة كانت جميعها عوامل كافية لمهاجمتهم بوقائع لا شائعات.
لكن النغمة السائدة الآن صارت هي أن الإخوان طرف أصيل في العملية السياسية وأن نبذه ليس في صالح الوطن بغرض تحييد الجماعة في المعركة مع السلفيين ودفع رموزها أحيانا إلى مطالبة القيادي عصام العريان السلفيين بمراجعة مواقفهم وفرز صفوفهم واشتراط عضو مكتب الإرشاد مصطفى الغنيمي نبذ العنف للتحالف مع السلفيين.
ولعل هذا النهج الإعلامي لتحييد السلفيين هو السبيل الوحيد لتفكيك التحالف الإخواني السلفي الذي ظهرت بوادره في تصريحات للشيخ محمد حسان أعلن فيه دعمه الإخوان في المشاركة السياسية وتعليقات قطب السلفية محمد عبد المقصود المشيدة بالجماعة واعتبار الشيخ فوزي السعيد قيادات الإخوان رجال المرحلة. وتبلور هذا التحالف في المؤتمر الذي عقد في الهرم بتاريخ 7/5/2011 وضم رموزا للتيارين.

ازدواجية في المعايير
اتسم الإعلام في تعاطيه مع الأزمات التي اعتبرها طائفية بازدواجية المعايير، وأشار إلى ذلك بلال فضل في تساؤلات غير بريئة نصها: لماذا لم نشهد استنكاراً بشعاً في جميع الصحف والمجلات ووسائل الإعلام للجريمة البشعة التي حدثت في كرداسة بالجيزة لسيدة مسيحية أسلمت فتعرضت للقتل غدراً على أيدي إخوتها الثلاثة، بل وقتلوا طفلها وأصابوا زوجها وطفلتها؟ يا ترى لو كان ثلاثة من السلفيين قد قاموا بهذه الجريمة ضد أخت لهم تنصرت، هل كانت الصحف والمجلات ووسائل الإعلام ستسكت بهذا الشكل المريب؟ ألست ترى أن الكثير من الكتاب والصحفيين مازالوا حتى الآن يتعاملون مع قطع أذن مواطن مسيحي في الصعيد بوصفه جزءاً من عقيدة سلفية سيتم تطبيقها على كل المسيحيين.
لكن تلك الواقعة لم تكن الوحيدة لإثبات الكيل بمكيالين عند وسائل الإعلام فقصة غزوة الصناديق التي كان بطلها الشيخ السلفي محمد حسين يعقوب ـ بشأن التعديلات الدستورية ـ سبقتها قصة مماثلة لأنبا كنائس وسط القاهرة رافائيل الذي اعتبر التصويت بنعم معناه قيام دولة إسلامية. ولم تحظ القصة الأخيرة بالزخم الإعلامي الذي حظيت به الأولى واعتبرت وسائل الإعلام يعقوب ممثلا للتيار السلفي رغم خطأ هذا الزعم ورغم كون رافائيل ممثلا رسميا للأرثوذكس!
ليس هذا آخر الأمثلة فتطاول الدكتور يحيى الجمل على الذات الإلهية في غير مناسبة ودون اعتذار، ووصفه الله بأنه لا يتكلم منذ 1400 عام جرى التسامح حيالها بينما لم تتوقف الأقلام عن مهاجمة الشيخ يعقوب رغم اعتذاره عن لفظة الصناديق وتفرغ الصحفيون العلمانيون لمواصلة مهاجمته بدعوى أن المزاح لا يصلح في هذا المقام.

التعميم وإقحام السلفيين
ولم تكن الأحداث المذكورة آنفا هي الوحيدة التي تصور الأسلوب التعميمي الإعلامي ضد السلفيين فوضع التيار في مواجهة الأوقاف بسبب نزاع شخصي بين الشيخ حافظ سلامة على ملكية مسجد النور بالعباسية كان مثالا آخر فاضحا.
بل وجرى إقحام السلفيين في أحداث ثبت بالدليل عدم تورطهم فيها أصلا وجرى تصوير احتجاجات أهالي قنا على المحافظ الجديد عماد ميخائيل على أنها احتجاجات طائفية ضد تولي قبطي منصب المحافظ، وأفسح بعض الإعلاميين لخيالهم الحديث عن إقامة إمارة إسلامية هناك ورفع شعارات المملكة العربية السعودية وهو ما نفاه أكثر من مصدر منهم الصحفي مصطفى بكري والشاعر عبد الرحمن الأبنودي والذين أكدا أن أقباطا يشاركون في الاحتجاجات.
وانتشرت مقالات على الشبكة العنكبوتية حول همجية السلفيين تجاه الأضرحة واتهامهم بهدم الكثير منها قبل أن تبرأ نيابة قليوب والطرق الصوفية في المنوفية أبناء التيار من وقائع هدم أضرحة في تلك المناطق. وقالت الطرق الصوفية في تصريح خطير إن تلك الأضرحة هدمت في عهد وزير الأوقاف السابق محمود زقزوق. بل وخرج شيخ الطريقة العزمية الصوفية علاء أبو العزايم ليعلن صراحة أن السلفيين لا علاقة لهم بقضية هدم الأضرحة.
ولعل واقعة الاعتداء على قبطيات وخطفهن في الأسكندرية لكشفهن شعرهن واحدة من سلسلة الأحداث الملفقة للسلفيين والتي نفاها البابا شنودة شخصيا.

ترصد ومصالح شخصية
كان من الواضح أن الصحف والفضائيات التي يديرها علمانيون تقود حملة واضحة لإسقاط الإسلاميين عن طريق السلفيين ولو على حساب الصالح المصري. فحمل فريق علماني على عاتقه التصدي لمبادرة كنيسة أطفيح التي قادها الشيخان محمد حسان وصفوت حجازي وتساءلوا مرارا كيف لدعاة متشددون كهؤلاء أن يحلو الأزمة الطائفية!. الموقف نفسه تكرر مع أزمة محافظ قنا (غير الطائفية) رغم نجاح المبادرتين.
وترافق هذا الأسلوب مع تجاهل ما يوصفون بالنخبة الاعتذار عما ثبت زيفه بحق السلفيين بشكل أوحى أن تبرئة السلفيين من هدم الأضرحة أو أذن متري القناوي أو هدم الأضرحة بمثابة هزيمة لمصداقية الأقلام العلمانية وخسارة لمعركتها ضد الإسلاميين.
أسلوب آخر أكثر خبثا انتهجته الصحف الإلكترونية في تحريك السلفيين نحو العنف قسرا تمهيدا لإدانتهم فأفسحت مساحات لتصريحات من عينة تصريحات يحيى الجمل التي تطاولت على الذات الإلهية لاستفزاز السلفيين الذين يهتمون بجانب العقيدة بشكل زائد عن غيرهم وإن جاء هذا استفزازا لقطاع عريض من العوام.
نشرت صحيفة اليوم السابع خبرا عن اجتماع كنسي لإلغاء المادة الثانية التي حمل السلفيون على عاتقهم الذود عنها ولو على حساب أرواحهم قبل أن تنفي الكنيسة الخبر.
الغريب أن تلك الأبواق الإعلامية لم تعرف طعم الاعتذار عن تلك الأخبار المفخخة رغم كمية التعليقات التي احتشدت بها صفحات تلك الأخبار والتي تحمل بذور فتنة تأكل الأخضر واليابس.
وفي اليوم التالي لحادث إمبابة قالت اليوم السابع إن ما يقرب من 15 ألف قبطي توجهوا لماسبيرو، مرددين هتافات "السلفيين فين.. الأقباط أهم"!.

قراءة في أحداث إمبابة
لقد كانت أحداث إمبابة نموذج للخبث الإعلامي في مصر فتم تصوير الحادث منذ الوهلة الأولى على أنه اشتباكات بين سلفيين وأقباط لإقصاء الطرف الأول بالضربة القاضية فيما تناولت الخبر الوكالات العالمية بشكل آخر ثبت اتساقه مع الواقع وهي أنها اشتباكات طائفية بين مسلمين ومسيحيين تشكل الغوغاء الغالبية فيها.
وتلك عينة من أخبار الوكالات العالمية وعينة أخرى من أخبار الصحافة المصرية:
  • سي إن إن: مصر: 5 قتلى و54 جريحاً باشتباكات طائفية
  • رويترز: مقتل ستة واصابة 75 في اشتباكات بين مسلمين ومسيحيين بالقاهرة
  • بي بي سي: مصر: مقتل أربعة في اشتباكات طائفية بين مسلمين وأقباط
  • اليوم السابع: سلفيون يحاصرون كنيسة بإمبابة للمطالبة بإعادة فتاة مسيحية أسلمت
  • الشروق: بالفيديو.. شهود عيان: اشتباكات بالأسلحة النارية بين مجموعة من السلفيين وقوات الجيش والشرطة
  • المصري اليوم: مصادمات عنيفة بين سلفيين وأقباط بإمبابة.. ومئات الأهالي يهتفون للوحدة الوطنية
  • الدستور: مصادر: 6 قتلى و94 مصاب في اشتباكات إمبابة..وتحطيم محال لأقباط على يد سلفيين
وفي الوقت الذي جرى فيه الحديث عن سلفيين يهاجمون الكنائس كان التليفزيون المصري يبث خبرا عن ملتحين (وليس سلفيين) يسارعون في إطفاءه ويتسلقونها لإنزال أهل الكنيسة بسلام وتأمينهم بما يوحي أن السلفيين لا يسعون إلا في الشر.
ونفي صحفي جريدة الشروق هيثم رضوان لقناة الجزيرة القطرية أي علاقة للسلفيين بالواقعة مؤكدا أن الاشتباكات بين مسلمين ومسيحيين، كما ذكر شهود عيان للفضائيات أن إطلاق النار جاء من داخل الكنيسة وهو ما يدعم اتهامات سابقة بتخزين أسلحة في الكنائس.
لقد تحدث سلفيون عن فخ نصبه الأقباط بمساعدة العلمانيين لصرف النظر عن قضية كاميليا وإغلاق ملف المسلمين الجدد وهو ما يفيد الكنيسة، ولإسقاط طرف إسلامي ذي تأثير للتفرغ للإخوان لاحقا وهو ما يصب في صالح الكنيسة والعلمانيين معا.
وتحدث المتحدث الإعلامي باسم الدعوة السلفية في الأسكندرية عبد المنعم الشحات عن مسلسل غربي للنيل من المسلمين عامة والسلفيين خاصة.
وفي النهاية خرج وزير الداخلية منصور العيسوى ليكشف التضليل الإعلامي الواسع ويحرج الناعقين قائلا إن المتجمهرين أبلغوا مديرية أمن الجيزة قبل بداية أحداث إمبابة للتدخل لحل الموضوع مع مسئولى الكنيسة، وبالفعل انتقل الحكمدار إلى مقر الكنيسة، وفور دخوله أغلقت الأبواب فى وجه القوات المصاحبة له ولم يتمكنوا من دخول الكنيسة، وبدأ إطلاق النار من مواطن مسيحى صاحب مقهى مجاور للكنيسة على المتجمهرين مما أدى إلى وقوع الاشتباكات.
والآن يعتصم أقباط أمام السفارة الأمريكية ويطالبونها بالتدخل لحمايتهم على الرغم من أن عدد قتلى الأقباط في الأحداث الأخيرة مقارب لعدد قتلى المسلمين وهو ما يؤكد أن الأقباط قادرون على حماية أنفسهم. ويقارن أحد المعتصمين بحسب صحيفة الدستور اعتصامهم الراهن بتظاهر المسلمين أمام السفارة احتجاجا على احتجاز واشنطن الشيخ عمر عبد الرحمن!
الآن أيضا يهدد محامي الكنيسة نجيب جبرائيل باللجوء إلى المجلس الدولى لحقوق الإنسان فى حالة عدم الاستجابة لمطالب الأقباط!
الآن أيضا يؤكد القمص عبد المسيح بسيط، مدرس اللاهوت وتاريخ العقيدة، أنه يخشى أن يلجأ المسيحيون إلى استخدام السلاح للدفاع عن أنفسهم! ولا أدري من أين سيأتون بالسلاح؟!

لقد بات الإعلام العلماني ـ بنفس منطق التعميم ـ مطالبا بإثبات مصرية الأقباط الذين دق عليها طوال السنوات الماضية لا سيما وأن الاستقواء بواشنطن ليس المرة الأولى.


كتب : حسام عبد العزيز
08/05/2011

14‏/06‏/2011

في التشريع...

التشريع حق الله: والمراد بالتشريع، ما يُنَزَّله الله لعباده مِن المنهج الذي يسيرون عليه في العقائد والمعاملات وغيرها؛ ومِن ذلك التحليل والتحريم، فليس لأحدٍ أنْ يُحِل إلا ما أحله الله، ولا يُحَرِّم إلا ما حرَّم الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل – الآية 116]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونُس – الآية 59].

فقد نهى الله عن التحليل والتحريم بدون دليلٍ مِن الكتاب والسُّنَّة، وأخبر أنَّ ذلك مِن الكذب على الله، كما أخبر سبحانه أنَّ مَن أوجبَ شيئاً أو حَرَّم شيئاً مِن غير دليل فقد جعل نفسه شريكاً لله فيما هو مِن خصائصه، وهو التشريع، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى – الآية 21].

ومَن أطاع هذا المُشَرِّع مِن دون الله وهو يعلم بذلك ووافقه على فعله فقد أشركه مع الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام – الآية 121].
يعني: الذين يُحِلُّون ما حَرَّم الله مِن الميتات، مَن أطاعهم في ذلك فهو مشرك، كما أخبر سبحانه أنَّ مَن أطاع الأحبار والرهبان في تحليل ما حَرَّم الله وتحريم ما أحله الله فقد اتخذهم أرباباً مِن دون الله، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة – الآية 31].
ولما سمِع عدي بن حاتم رضي الله عنه هذه الآية قال: "يا رسول الله، إنَّا لسنا نعبدهم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((أليسوا يُحِلُّون ما حَرَّم اللهُ فتُحِلُّونه، ويُحَرِّمون ما أحلَّ اللهُ فتُحَرِّمونه؟)) قال: "بلى"، قال: ((فتلك عبادتهم)) [رواه الترمذي].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: ((وفي الحديث دليل على أنَّ طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادةً لهم مِن دون الله، ومِن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة – الآية 31].
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام – الآية 121].
وهذا واقع فيه كثيرٌ مِن الناس مع مَن قلدوهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالَف المقلَّد، وهو مِن هذا الشرك)) انتهى.

فالتزام شرع الله، وترك شرع ما سواه، هو مقتضى لا إله إلا الله، والله المستعان.

كتبه: فضيلة الشيخ د. صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
مِن كتاب: عقيدة التوحيد، وبيان ما يُضادها أو ينقُضُها مِن الشرك

10‏/06‏/2011

كامليا شحاتة ليست القضية

أُدرِكُ تماما أن الكثيرين سيتعجبون من هذا العنوان وسيظن البعض للوهلة الأولى أنني قد تغير موقفي في تلك المسألة وأعتذر لأنني سأخيب ظنهم، فأنا متمسكٌ بِنُصرَةِ هذه المرأة المسلمة -إن كانت-، ولكنني مع ذلك مُصِرٌّ على عنوان المقال، وهو أن كامليا شحاتة ليست القضية بل هي حالة من الحالات في قضية أكبر وهي قضية اعتناق الإسلام في بلد يُزعَمُ أنَّها بلد إسلامي وأن بها أكبر مؤسسة إسلامية في العالم ألا وهي الأزهر الشريف، فقضيتُنا أكبر من كامليا شحاته وغيرها من أخواتنا المسلمات اللاتي احتُجِزنَ في الأديرة، إنها قضية عقيدة ودين، وبعيدا عن دعوات الحرية التي يتغنى بها العلمانيون وهم أول من يضرمون النار فيها إذا خالفت هواهم، فإننا نتخذ قضية الدخول في الإسلام قضية دين وعقيدة لا ينبغي أن تترك لكل من هب ودب ليزايد عليها أو ليُتحِفَنا برأيه فيها، ولا يُتصَوَّر أبدا أننا قد وصلنا من إلى حالة من الوَهَنِ والضَّعف أمام أنفسنا قبل غيرنا حتى أننا نعجز عن توفير الأجواء المناسبة لاعتناق هذا الدين الحنيف الذي ندين به بل وأُمِرنا بالدعوةِ إليه والقتال فيه، لا يتصور أبدا أنه يأتينا إنسان بمحض إرادته يريد اعتناق هذا الدين ثم نردُّه أو يردُّه غيرَنا إلى الكفر وأهله، ثم نعتذر بأن الوقت غير ملائم أو أن ثمَّة أولويات فوق إعلاء كلمة الدين وانقاذ نفس من نار الآخرة باعتناقها هذا الدين ثم إنقاذها من نار الدنيا بحمايتها ممن يتربصون بها لأنها فضَّلت الحق على الباطل والنور على الظلام والهدى على الضلال.
قضيتُنا ليست كامليا شحاته، بل قضيتُنا هي أن نفتح الباب أمام الذين يريدون اعتناق هذا الدين وأن نحتضنهم ونحميهم، وهذا حقهم الذي هو واجب علينا لا نفعله تفضلاً أو جباية بل نفعله مأمورين مُتَّبِعين ليس لنا فيه خِيرَة ولا قرار، قضيتُنا ألا يكون هناك تهديد لمن يعتنقون هذا الدين في أرض مَنَّ الله عليها بالإسلام، قضيتنا ألا يخشى قسيس –لا مجرد شخص عادي- على نفسه الموت إن هو أسلم، قضيتنا أن نحقق الأمان بهذا الدين وأن يكون أمانا لمن دخل فيه، قضيتُنا ألا نعيش في مجتمع يُسمَّى بالمجتمع الإسلامي أو المتدَيِّن ثم يعيش فيه المسلمون الجدد كما عاش المسلمون بمكة قبل الفتح يخافون أن يظهروا دينهم لألّا يساموا سوء العذاب أو يقتَّلوا، قضيتُنا أن ننتصر لأنفسنا ولتديُّننا والتزامنا المزعوم بهذا الدين بأن نؤدي حقه الذي استحقه بدخولنا فيه والذي استحقه إخوتنا بدخولهم فيه.
وإنه لَيَضيقُ صدري برؤيتي لبعض العلمانيين الذين غلب هواهم عقولهم ودينهم وبعض المساكين الذين يتابعونهم على غير هدى، أولئك الذين يتمنون أن تخرج كامليا شحاته لتقول أنها نصرانية ليشمتوا في إخوانهم الذين طالبوا بها ودافعوا عنها وليحققوا كما يزعمون نصرا عظيما على السلفيين المتشددين الانتهازيين، وإلى أولئك أقول: إن إسلام كامليا شحاتة أمرٌ مفروغٌ منه بالأدلة والإثباتات وشهادة المسئول عن الإشهار بل وما تطاير في ثنايا حديث كثيرٍ من الأقباطِ والقساوسةِ من غسيل المخ وما إلى ذلك، فإن خرجت علينا كامليا تقول بأنها نصرانية فهي إما ارتدّت لما تركناها وتخاذلنا وأعدناها إلى الكفر بعد الإيمان ووالله حينها لإن لم يرحمنا ربنا لنكونن من الخاسرين إذ كُنَّا لأعدائه عونا على أوليائه، أو أنها ستُجبَرُ على هذا للسيطرة على ما يزعمونه من فتنة ولحفظ ماء وجه النصارى وقساوستهم، ولإن هي أُجبِرَتْ أن تُخفي إسلامها في بلد إسلامي بحجة سخيفة كتلك فلا أدري كيف سنعتذر لربنا إذ خذلناها، وخذلنا دينه حتى بلغ من ضعفنا ألا يقدر المسلم على إظهار إسلامه بين إخوانه المسلمين، فيالعارنا وخورنا ودياثتنا حينها.
إنني أعيب على الإخوة الذين اختزلوا تلك القضية العظيمة والمحنة الجسيمة في حالة كامليا شحاته وهي إنما حالة واحدة سبقتها وتلتها حالات كثيرة، أولائك الذين اختزلوها في حالة كامليا أعانوا أعداءهم على التضييق عليهم والمراهنة على مصداقيتهم أمام حالة واحدة، ومعلوم أن المراهنة على المصداقية لا تكون في حالة بل تكون في قضية متكاملة الجوانب، لذا فإنني أهيب بالإخوة الذين يتبنون هذه الحالة ألا يقتصروا عليها في خطابهم الشعبي والإعلامي بل ينبغي أن تكون كامليا كغيرها، وإنني لأعذرهم لِما صاحب قضيتها من زَخَمِ وصَخَبٍ إعلامي لا يخفى عليهم أنه كان كالفخ أو المصيدة التي أراد أولائك نصبها ظنا منهم أن كامليا لو خرجت لتقول أنها نصرانية فإننا سنترك قضيتنا الأصيلة وسنتخاذل أو أن قضيتنا ستخسر شرعيتها أو شعبيتها، فعليهم أن يتنبهوا لهذه المكائد وأن يتنبهوا لقضيتهم الرئيسية، وعلى أولائك أن يعلموا أن كامليا إنما هي حلقة في سلسلة طويلة لن تنتهي مادام هناك من لديه الرغبة في اعتناق هذا الدين.
قضيتنا ليست قضية امرأة أو رجل اعتنق الإسلام، قضيتنا قضية مجتمع مسلم ينبغي أن يكون المسلم فيه آمِنًا مُكرَّمًا يقوم بواجباته ويؤدي حقوقه، ولا يخشى أن يَجهَرَ بأنه لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، مجتمع يفتح فيه باب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن العجب من أولائك الذين يزعمون أن في إسلام النصارى فتنة، والعجب كل العجب ممن ينتسبون للمؤسسات الدينية والحكومية ثم هم يتخاذلون في ذلك، أولائك أقول لهم: قد قيَّدتُمونا عن نصرة ديننا بالجهادِ ومحاربةِ أعداء الدين وربيتمونا على التخاذل والخنوع الذي ألصقتموه زورا بقوله تعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، فما لكم الآن تتخاذلون فوق تخاذلكم حتى أبيتم أن يدخل الناس بمحض إرادتهم ورغبتهم وبغير جهاد ولا قتال في دين الله، فماذا تركتم لنا أيها الظالمون المدلِّسون؟، ماذا تركتم لدين الله؟، ماذا تركتم لله؟، والله إن الإعراض عن دين الله وعن نصرته لهو الفتنة وإن ما يحدث لمُعتنقي الإسلام الجدد في بلدنا هذا لهو الفتنة وإنما الفتنة فتنة الدين، وإنكم لتساهمون في فتنة أولائك القوم عن دينهم وإنكم لمسئولون أمام الله عن هذا، وما عَهِدْنا الفتنة في شرعنا إلا فتنة في الدين بتركه أو فتنة بين المسلمين تفرقهم، ما عهدنا أن الفتنة تكون بين المسلم والكافر، ما عهدنا أن الإبقاء على الوداعة المزعومة والصفاء المكذوب بين المسلمين والنصارى أولى وأفضل عند الله من نصرة نساءٍ أسلَمن، يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10]، فما بالنا نُرجِعهن، وما بالنا نَترُكهُنَّ لتنتهك أعراضَهُنَّ، ويلٌ لنا ثم ويل، نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن ينصر إخواننا وأخواتنا بنا وأن يعود لهذا الدين في هذه الأرض مجده وعزَّه وأن يرينا الحق حق ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطل ويرزقنا اجتنابه.

كتبه: محمد أبو الفتوح غنيم
5 مايو 2011

06‏/06‏/2011

كيف كَرَّس العلمانيون للاستبداد السياسي في مصر؟

ليس في مصر وحدها بل في كثير من البلاد العربية.

وليس العلمانيون فقط بل طوائف كثيرة من المثقفين المختلفين مع التيارات الإسلامية.

ولاشك أن الاستثناء من التعميم لازم
وأن هناك من العلمانيين ومعارضي التيارات الإسلامية من لم يسقط في هذه الحفرة، لكن حديثنا عن النموذج الغالب المسيطر مع إيماننا بوجود الاستثناء .

إذن فنحن نزعم أن طائفة كبيرة من المثقفين المصريين قد كرسوا للاستبداد السياسي عبر عدائهم للتيار الإسلامي.

كيف كان ذلك؟

هذا هو السؤال الذي سيجيب عنه هذا المقال ..

المختلفون مع التيارات الإسلامية، والعلمانيون منهم على وجه الخصوص بنوا رؤيتهم السياسية على محاربة الدولة الثيو قراطية، وعلى تقرير كون الدولة عبر التاريخ الإسلامي كانت دولة ثيو قراطية تسيطر فيها السلطة الدينية على الدولة وتستولي عليها، بما يستدعيه ذلك من فساد سياسي كونت العلمانية رؤاها حوله من النموذج الثيو قراطي الكنسي.

وبالتالي فإن حالة الفساد السياسي التي كانت عليها الدولة الإسلامية والتي ستكون عليها الدولة لو حقق الإسلاميون مبتغاهم = تنبع في نظر العلمانيين من مصادرة السلطة الدينية للسلطة السياسية وتكبيل السلطة الدينية للسلطة السياسية وحدَّها من حريتها بما يؤدي لتخلف سياسي وفساد عظيم.

هذا هو النموذج التحليلي الذي بنت عليه العلمانية سياستها في التعامل مع التيار الإسلامي، وهو نموذج غير صحيح وغير مطابق لواقع النظم السياسية في التاريخ الإسلامي، والصواب أن الغالب على التاريخ الإسلامي خاصة في الألف عام الأخيرة هو سيطرة السياسي على السلطة الدينية ومحاولة تطويعها أو محاصرتها، وليس العكس.

لكن بناء على نموذجهم المتوهم فقد طغى على الخطاب السياسي لهذا الفريق اتجاه واحد وهو: ضد الإسلاميين .

الآن: هل كانت الدولة القائمة في مصر منذ الثورة الناصرية هي دولة الإسلاميين لذلك يحاربها هذا الفريق؟

الجواب: لا. بل الإسلاميون كيان مستضعف تتفنن الدولة القائمة في تقويض أركانه.

طيب: هل الدولة القائمة دولة حريات وحقوق وديمقراطية عادلة يُخشى من هذا التيار الإسلامي أن يلوث نقاءها؟

الجواب: لا. بل عاشت مصر أكثر مدة الستين عاماً الفائتة أحد أحط فتراتها السياسية وأكثرها ظلماً واستبداداً واستعباداً.

فماذا يفعل العلمانيون إذاً؟

الجواب: لقد كرس العلمانيون للاستبداد السياسي في مصر، وساعدوا على تثبيت أركان الأنظمة السياسية الظالمة والتي تفننت في إهدار حرية وكرامة الشعب المصري، وأدار الخطاب العلماني –في أكثر أحواله- ظهره لإرهاب الدولة وتفرغ تفرغاً شبه تام للتيار الإسلامي يخوض معه حرب الأيديولوجية تاركاً مصر فريسة للطغاة، بل ومهادناً لأولئك الطغاة ومداهناً لهم أكثر الأحايين.

بل وعلى حد تعبير أحد المثقفين المصريين من غير الإسلاميين: فقد عقد المثقفون المصريون صفقة غير مكتوبة مع النظام قوامها سكوتهم عن معارضة النظام معارضة تناسب طغيانه-أو عدم معارضته بالمرة- مقابل قمع النظام للأعداء المشترَكين المتمثلين في التيار الإسلامي.

وتولى أعمدة الليبرالية والقومية والعلمانية في مصر مناصب هامة ومؤثرة يتفيئون بها في ظلال النظام المصري البائد.

فكان الدكتور مصطفى الفقي في موقعه السياسي البارز، وكان نجاحه في دائرته مضموناً رغم قوة وشعبية منافسه جمال حشمت، ولا ينازع أحد في عمليات التزوير التي كانت تجري في هذه الدائرة.

وكان الدكتور عبد المنعم سعيد الذي أملك في مكتبتي حوالي خمسة كتب له تدور كله حول دعم الأفكار الليبرالية والديمقراطية = رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام التي لم تكن فبركة الصورة الشهيرة ولا تغطيتها للثورة بأبسط خطاياها.

أما الدكتور جابر عصفور فكانت موافقته على تولي وزارة الثقافة بمثابة الصدمة لأكثر المثقفين الليبراليين لا في مصر وحدها بل في العالم العربي كله، قبل أن ينقذ نفسه بالاستقالة التي لم تخرج عن كونها إنعاشاً إكلينيكياً.

ليست هذه الأسماء إلا أقل من عُشر النماذج التي كانت أعمدة وأركاناً للنظام المصري الاستبدادي البائد على رغم من ليبرالية بعضهم وقومية بعضهم؛ فقد تعددت مشاربهم وعداء التيارات الإسلامية بينهم مشترك واحد.

أحسسنا أحياناً من شدة صولة معادي التيار الإسلامي في مصر أننا في دولة إسلامية ثيوقراطية، وأن هؤلاء هم حاملو مشاعل التنوير ليخرجوا الشعوب من ظلمات الدولة المستبدة التي تحكمهم إلى نور الحرية والإخاء والمساواة ودولة الحق والقانون.

أو أننا نعيش في دولة الحق والقانون والديمقراطية العادلة، وأن الإسلاميين يحاربون هذا النموذج القائم يريدون القضاء عليه، وأن الجماعة المذكور هم حماة دولة الحلم ورعاة بقائها.

لماذا كانت تراودنا هذه الأحلام؟

الجواب: لأن حالة هذه الجماعة المثقفة غريبة فعلاً؛ فلو افترضنا أن الإسلاميين بالفعل لا يملكون سوى مشروع دولة ثيوقراطية مستبدة = فالأكيد أن دولة مبارك لم تكن جنة الليبرالية.

والآكد من ذلك أن بين الإسلاميين وقتها وبين التاثير على النظام السياسي للدولة بُعد المشرقين، ولئن كان لتلك الثلة من المثقفين مشروعاً سياسياً ديمقراطياً فكان الأولى أن يتوجهوا به للنظام الحاكم يصلحونه ويعارضونه كما فعل بعض إخوانهم الذين احترموا مبادئهم الليبرالية والديمقراطية فلم يغسلوا بها أرجل مبارك، ثم يجففونها بمهاجمة الإسلاميين.

قال صاحبي: بل تلك الجماعة المثقفة التي كرست للاستبداد السياسي في مصر كانت بصفقة السكوت عن استبداد النظام مقابل قمع النظام للإسلاميين أكثر وفاء للتاريخ التنويري من الديمقراطيين المعارضين.
قلت له: كيف؟
فأجابني: لابد أن تقرأ ما كتبه الفيلسوف البريطاني ألفرد آير (
A.AYER) في كتابه عن فولتير.
سألته: وماذا قال عن إمام التنويريين؟
فأجابني: اسمع يا سيدي.
يقول ألفريد آير: ((كان فولتير يجد من السهل أن يغض البصر عن تجاوزات هؤلاء الحكام الذين كانوا يحوزون تقديره واحترامه، ويعتبرهم من قبيل: (المستبدين العادلين).

كان مثلاً يعتبر عصر لويس الرابع عشر عصراً ذهبياً، وهو في كتابه: (تاريخ الإمبراطورية الروسية تحت حكم بطرس الأكبر) يحاول أن يُقلل بشدة من أهمية ما ارتكبه بطرس من فظائع، مدفوعاً بحماسه (أي حماس فولتير) لدور بطرس الأكبر في تحديث وتمدين روسيا.. كذلك لم يستطع فولتير قط أن يرى فردريك الأكبر (ملك بروسيا) على حقيقته، أو أن يصفه بما يستحق كمدمن حرب.

أما المثل الصارخ = فنجده في علاقة فولتير بكاثرين إمبراطورة روسيا.. فهو يحاول التهوين من شأن قيامها بقتل زوجها، ويكاد يكيل لها الثناء على دورها في تقسيم بولندا، وهو يؤيدها بحماس في حربها ضد سلطان تركيا، كما لو كان دافعها الحقيقي إلى ضم القسطنطينية هو تحرير اليونان.

إن فولتير لم يكن يرى كاثرين إلا من خلال موقفها المؤيد لفلاسفة التنوير (بل كانت تدعمهم مالياً)؛ فمادامت كاثرين قد قامت بشراء مكتبة ديدرو لنفسها، وقبلت أن تطعم نفسها ضد الجدري في الوقت الذي كان التطعيم فيه ممنوعاً في فرنسا، ولم تمارس أي عمل من أعمال القهر باسم الدين = فما الذي يهم فولتير من أنها كانت قد غفلت مثلاً عن تحرير الأقنان في روسيا)).

قلت له: هذا نص مهم ولكني أراك أخطأتَ.
قال لي: من أي ناحية؟
قلت له: يا صديقي، فولتير سكت عن استبداد وظلم أولئك الملوك مقابل مكاسب إيجابية تساوي تطبيق بعض مبادئه وزيادة مساحة التنوير في أوربا، أما مثقفونا هؤلاء فلا هم عارضوا الاستبداد، ولا هم كسبوا الحرية.

كتبه: أحمد سالم
السبت 11 جمادى الثانية 1432 هـ - 14 مايو 2011 م


03‏/06‏/2011

ملامح رئيسية للدولة الإسلامية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتنُص المادة الثانية مِن الدستور على أنَّ: "الإسلام دين الدولة"، ولا غرابة في ذلك؛ إذ يتعدى المسلمون في مصر نسبة 90% مِن السكان.
وتنص بقية المادة الثانية على أنَّ: "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، وهذا يتلاءم ـ تمامًا ـ مع كَوْن مصر دولة إسلامية، شعبها مسلم.
والدولة الإسلامية هي: دولة تأخذ نظمها وتستمد قوانينها مِن الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة المختلفة؛ إذ الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، له أحكامه العامة والتفصيلية التي يجب العمل بها في الدولة الإسلامية.
والدولة الإسلامية ليست "دولة ثيوقراطية"، ـ أي: دينية ـ على النحو الذي عرفته وساد أوروبا في عصر ما قبل النهضة الأوروبية؛ حيث كانوا يعتقدون التفويض الإلهي لرجال الكنيسة وللحكام مِن: الباباوات، والأباطرة، والقياصرة؛ ليتحكموا في مصائر الشعوب بدعوى العصمة والقداسة، أو الإلهام والتأييد من الرب!
فالإسلام لا يعطي الحق لأحد أنْ يستبد باسم الدين، أو يزعم أنه مفوَّض مِن الله في التحليل والتحريم، وأنَّ له الانفراد بالحكم المطلق، بل هذا مِن الشرك بالله - والعياذ بالله - باتخاذ العباد أربابًا وطواغيت، قال الله - تعالى- في أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة:31).
ولما سمع عدي بن حاتم - رضي الله عنه - هذه الآية مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان نصرانيًا فأسلم، قال: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ. فَقَالَ: (أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؛ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ؛ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟). فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: (فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ) (رواه الترمذي والطبراني واللفظ له، وحسنه الألباني).
ولكن الدولة الإسلامية دولة دينية وفق فهم الإسلام وأحكامه، يحكم الشعب فيها نفسه بنفسه وفق شرع الله – تعالى -، يهتدي بهديه، ويمتثل بتوجيهاته، ويلتزم بما يمليه عليه.
والدولة الإسلامية دستورها الكتاب والسنة ـ كتاب الله - تعالى-، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم-، لا يخرج دستورها عنهما بسن قوانين تخالفهما، قال الله -تعالى-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65).
وقال الله – تعالى -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:7)، وقال الله – تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا﴾ (الأحزاب:36)، وقال الله – تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ (لنساء:60).
وقال – تعالى -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء:59).
والرد إلى الله – تعالى - بالرجوع إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرجوع إلى سنته المطهرة، قال الله – تعالى -: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ (يوسف:40)، وقال – تعالى -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44)، وقال: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:26)، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:51). والآيات في ذلك عديدة..

والدولة الإسلامية ليست دولة مدنية؛ فالدولة المدنية دولة علمانية تفصل بين الدين - أي دين - والسياسة، ولا تلتزم بأحكام الدين - أي دين - وتشريعاته.
والدولة المدنية دولة ديمقراطية تعطي الشعب الحق أن يحكم نفسه بنفسه، بما يرى فيه مصلحته دون التقيد بشرع الله -تعالى-، وهذا ينافي الدولة الإسلامية الملتزمة بأحكام الدين وتشريعاته.

ولا يُناسب الدولة الإسلامية أن يقال: "هي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية"، فهذا تناقض واضح! فكيف هي مدنية تستبعد الدين، ولها مرجعية إسلامية تأخذ بأحكام الدين؟!
إن تقييد الدولة المدنية بكونها ذات مرجعية إسلامية يعني: أن الدولة المدنية تتصف بكونها ليست دينية، وليست إسلامية، فقيدت بهذا القيد، وهذا يكفي في رفض هذا المصطلح ـ مصطلح: "الدولة المدنية"ـ؛ لأنه يناقض الدولة الإسلامية.
فقولهم: "دولة دينية ذات مرجعية إسلامية" هو: محاولة للتوفيق بيْن متناقضين دون النظر في سبب هذا التناقض والتعارض.
والبعض يتمادى فيزعم أنه لا فرق بيْن الدولة المدنية والدولة الإسلامية، مِن باب: أنَّ السلطة في الدولة الإسلامية للشعب، فهو الذي يختار الإمام ويبايعه، والإمام ملزَم بالشورى، وهو وكيل عن الأمة في إقامة الدين وسياسية الدنيا به، والأمة لها الحق في مراقبته ومحاسبته متمثلة في أهل الحل والعقد، فتقومه إذا اعوج، وتعزله إنْ ظهر منه الكفر البواح عندها مِن الله فيه برهان، وكل فرد في الدولة المسلمة له أنْ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالضوابط الشرعية، وله رأيه الحر طالما لا يخالِف الشرع، فالشعب يحكم نفسه بنفسه في إطار الشرع الإسلامي، فلا فرق بيْن الدولة المدنية إذن والدولة الإسلامية!
وهذا الفهم هو قفز فوق الحواجز لا يجدي، فأصحاب الدولة المدنية يريدونها تنكر حق الله – تعالى - في التشريع وتعطيه للناس فيما بينهم، فهي عندهم دولة لا دينية صراحة، وذلك باسم العلمانية، والمساواة، والمواطنة، ومراعاة الأقليات.. الخ.
كما أنَّ المسلمين لا يعرفون في فهمهم ومصطلحاتهم الإسلامية كلمة: "الدولة المدنية"، ولا يقرونه بهذا الفهم الغربي؛ فكيف يقال: الدولة المدنية هي هي الدولة الإسلامية؟!
ولماذا التمسك بمصطلح غربي، ومحاولة إدماجه عنوة في فهمنا للإسلام؛ حرصًا على أنْ تكون "اللافتة أو الواجهة" مقبولة عند غيرنا؟!

والدولة الإسلامية ليست دولة مستبدة ديكتاتورية، تطلق لحكامها العنان أنْ يحكموا الناس بالهوى والشهوة، وتحقيق مصالحهم وأطماعهم الشخصية على حساب شعوبهم، فكما أنه لا سلطة مطلقة تحتكرها طبقة رجال الدين وعلمائه، فلا سلطة مطلقة لحاكم، أو حزب، أو فئة في دولة الإسلام.
وما وقع في بعض فترات التاريخ مِن ممارسات غير مقبولة مِن حكام؛ فهي مِن نواتج البعد عن تطبيق الإسلام، وليست نتيجة التمسك به وتطبيقه، ولو راجعنا أقوال علماء الأمة عبر تاريخها حول هذه الممارسات؛ لوجدناهم قد حكموا عليها بمخالفة الشرع، وأنكروا على هؤلاء الحكام أفعالهم، والعبرة بسلامة المنهج لا بالانحراف في تطبيقه أحيانًا.

فإنْ قيل: فكيف نمنع وقوع الحكام في هذا الاستبداد والظلم والانحراف؟
قلنا: بالنص في دستور الدولة صراحة على وجود الرقابة الشعبية على الحكام والمحاسبة لهم، متمثلةً في أهل الحل والعقد الذين تختارهم الأمة بعناية للقيام بهذه المهمة، مع وضع الضمانات بتفعيل دورهم، وإمضاء ما يقررونه في حق الحاكم إنْ لم يمتثل لحق الأمة عليه.

فإنْ قيل: فماذا عن المواطنة والاعتراف بالآخر في الدولة الإسلامية؟
فالجواب: إنَّ الدولة الإسلامية تقبل أنْ يكون على أرضها غير مسلمين يعيشون فيها، ووجود الملايين مِن غير المسلمين يقيمون في مصر عبر القرون الطويلة الماضية وحتى الآن دليل على ذلك، فكل مَن يقطن في الدولة الإسلامية فهو مواطن، يلتزم بنظام الدولة، له حقوق، وعليه واجبات، وغير المسلم في الدولة الإسلامية له حق العيش والتعلم، وحق السكن، والتملك، والتكسب، له حرية التنقل، والبقاء على دينه، لا يُكرَه على الإسلام، وله العمل بأحكام دينه في الأحوال الشخصية أو التحاكم فيها لشرع الإسلام ـ إنْ أراد ـ، ولا يُظلَم في ماله وأحواله، معصوم الدم والعِرض ـ ما لم يقترف جريمة يستحق بها العقاب ـ.

فإنْ قيل: فماذا عن الحريات وحقوق الإنسان، والعدالة، والمساواة في الدولة الإسلامية؟
فالجواب: إنَّ هذه العبارات فضفاضة لا ضوابط لها، يستعملها الغرب والدول الكبرى كما هو معلوم؛ لتكون ستارًا يتدخلون مِن ورائه في شئون الدول الأخرى، ويوجهونها كيف شاءوا، والإسلام أحرص النظم على إعطاء الحريات، ومراعاة حقوق الإنسان، وإقرار العدالة، والتسامح، والمساواة وفق ضوابط الشرع.
إنَّ الاختلافات بين المذاهب الفقهية مِن أوضح صور حرية الرأي في الدولة الإسلامية عبر القرون الطويلة، وهذه الاختلافات تتعلق بالدين، ولكن لا يُكرَه أحد على قبول رأي فقهي لا يرضاه، بل مِن واجبات المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبداء النصح والإرشاد، فالدين النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولكن الحريات في الإسلام ليست مطلقة، ولكنها مقيدة بألا تخالف الشرع أو تضر بالآخرين.
إنَّ الاختلاف في الرأي سنة الحياة، لا يمكن تجنبه، ولكن الضوابط الشرعية للاختلاف تمنع تفاقمه إلى حد يؤدي إلى انقسام الأمة إلى طوائف وأحزاب، وشِيَع يقاتِل بعضهم بعضًا، وفوق ذلك كله فللإسلام أخلاقياته التي تضمن مراعاة العدل، والتسامح، وكفالة الحريات.
إنَّ الغرب بدوله المدنية لا يعرف أخلاق الإسلام وضوابطه، وهو يزعم الحريات والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، لذا نراه يعيث في الأرض فسادًا لينقض بأعماله أقواله.
لقد احتل الغرب بقيادة أمريكا العراق بدعوى وجود أسلحة دمار شامل، وتبين للجميع كذب هذا الادعاء، واعترف الغرب بذلك!
فهل أنهى المحتل احتلاله، وأبدى اعتذاره، وأصلح ما أفسده، وقد أباد مئات الآلاف، وحَوَّل العراق إلى خراب؟!
ولقد احتل الغرب بقيادة أمريكا أفغانستان، وأزال نظام طالبان بدعوى مساندته لأسامة بن لادن؛ فهل رفع الغرب يده عن الشعب الأفغاني؛ ليترك له حرية تقرير مصيره، أم واصل تسلطه عليه بتثبيت الاحتلال العسكري، وزرع العملاء، وفرض التبعية للغرب على الأفغان؟!
وما زال الشعب الفلسطيني الأعزل ـ بعد أنْ تخلى عن خيار المقاومة المسلحة؛ طلبًا لأوهام السلام مع إسرائيل ـ يرزخ تحت احتلال صهيوني، يُقتل الفلسطينيين ليل نهار، يُطرد السكن مِن ديارهم؛ ليقيم فيها مستوطنون يهود جاءوا بهم مِن أشتات الأرض.
وتُجرَّف أراضيهم الزراعية، وتُضيَّق عليهم سُبُل العيش بمنع الغذاء، والمعونات، والوقود، والدواء.. كل ذلك دون أنْ يلتفت أحدٌ إلى الدفاع عنهم؛ مراعاة للعدل، والحرية، وحقوق الإنسان، والمساواة، وتحقيق السلام، بل وتمنع أمريكا بما يُسمى: "حق الفيتو" – أي: الاعتراض- صدور قرار شجب - مجرد شجب- لما تفعله إسرائيل بحق الفلسطينيين في ظل نظام عالمي يدَّعي الديمقراطية، والأخذ برأي الأغلبية، ثم يسمح لدولة واحدة - وهي أمريكا- أنْ تمنع صدور قرار شجب مِن مجلس الأمن وإنْ أيده غالبية - أو باقي- دول المجلس مجتمعين، وطالبوا به، فما أسخف نظامهم العالمي، وما أهون شعوبنا! وإلى الله المشتكى..
أما عن معاملة المسلمين المقيمين في دول الغرب المدنية فكلنا يسمع ويعلم ما يفعله الغرب بهم، فمِن: مَنع المُسلِمات مِن ارتداء الحجاب إلى تقييد حرية التنقل والهجرة، ووصفهم بالإرهاب، وممارسة العنف تجاههم، والإساءة بالسب لرسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم، ولكتاب ربهم عز وجل جهارًا نهارًا، بلا مواربة أو استحياء.
ومِن قبل كانت حروب الإبادة والتطهير العرقي للمسلمين في "البوسنة والهرسك"، و"كوسوفو".. فأين تَعامُل الغرب بحضارته المادية المتقدمة مِن الإسلام بأخلاقه وضوابطه؟!
وبعد ذلك نراهم في الغرب يتباكون ويتصايحون على حقوق للأقليات في الدولة الإسلامية لم تسلب - ولن تسلب- خشية أنْ تسلب!

ولهذا يريدون أنْ يضحي المسلمون بدينهم وشريعتهم التي ارتضوها لأنفسهم؛ ليضمن الغرب لهذه الأقليات حريتهم وحقوقهم -بزعمهم-؛ فهل يَقبل هذا المنطق إلا مَن سَفِه نفسه؟!

وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه/ علاء بكر
5-ربيع ثاني-1432هـ  / 10-مارس-2011