23‏/11‏/2010

هل الكُفَّار مُخاطَبون بفروع الشريعة أم لا؟

أجمع  أهل العِلم على أنَّ الكفَّار مخاطَبون بأصول الشريعة؛ لأنَّ الله تعالى أمَرَهم بالإيمان (نَقَلَ الإجماع الزركشي، وابن النَّجَّار وغيرهم؛ انظر: البحر المحيط، للزركشي [ج1/ص379]، الإبهاج، للسبكي [ج1/ص177]، شرح الكوكب المنير، لابن النَّجَّار [ج1/ص502]).
ولكن وَقَعَ الخِلاف في فُروع الشريعة، فمِن أهل العِلم مَن قال: إنهم مخاطَبون بالفروع أيضاً، وهذا مذهب جمهور الأصوليين ونُقِلَ عن الإمامين الشافعي ومالك وأقوى الروايتَيْن عن الإمام أحمد، وهو قول جماعة مِن الحنفية، منهم الكرخي والجصَّاص، وهو مذهب المعتزلة أيضاً.
ومنهم مَن قال: إنهم إنهم غير مخاطَبين بها، وهو قول أكثر الحنفية، وأبي حامد الإسفراييني مِن الشافعية، وابن خويزمنداد مِن المالكية.
ومنهم مَن قال: مخاطَبون بالنواهي دون الأوامِر، وهو رواية عن أحمد، وإليه ذهب الجرجاني وابن حامِد، وأبو يعلى في المجرد. ومنهم مَن قال بالعكس، ومنهم مَن استثنى مِن الأوامر الجهاد، ومنهم مَن مَن ذَكَر الحُكم بالتكليف في المرتد دون الكافِر الأصلي، ومنهم مَن جَعَل غير الحربي مُكَلَّفاً واستثنى الحربي، ومنهم مَن اختار التوقف (انظر في هذه المسألة: المحصول، شرح اللُمَع، للشيرازي [ج1/ص277]، المستصفى، للغزالي [ج1/ص91]، شرح الكوكب المنير، لابن النَّجَّار [ج1/ص500]، الإبهاج، للسبكي [ج1/ص177]، روضة الناظِر مع نزهة الخاطِر، لابن بدران [ج1/ص170]).
ومهما يَكُن مِن أمر فلا ينبغي أنْ يُخْتَلَف على أنَّ مَن عاش مِن أهل الذمة بيننا أنه تجري عليهم أحكامنا في المعاملات والعقوبات.

والذين قالوا إنهم مخاطَبون بفروع الشريعة استدلُّوا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر – الآيات 42، 43]، وبقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [سورة فُصِّلَت – الآيات 6، 7]، فرَتَّب العقوبة على عدم إتيانهم الزكاة وأدائهم الصلاة، مع وصفهم بالشِّرك، فدَلَّ على تكليفهم بها.
وقد يعترض مُعتَرِض فيقول: كيف يخاطَبون بالصلاة والزكاة وليسوا أهلاً لها لأدائها؟ إذ ليس للمشرِك نية تصِح بها الأعمال.
أو يُقال: ما فائدة تكليفهم بالصلاة والزكاة مع فقدانهم شرطها – وهو النية – وهي متوقِفة على الإسلام؟
والجواب: أنَّ فائدة التكليف بها أنْ يزيد الله لهم العذاب والعقوبة في الآخِرة، فكما يُعاقَبون على ترك الإيمان، يُعاقَبون على ترك العبادات (انظر المحصول، للرازي [ج2/ص238])، لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء – الآية 15]، وقد جاءهم الرسول بالفروع كما جاءهم بالأصول.
فإذا اعترض مُعتَرِض فقال: لو أنها كانت تجب عليهم حال شركهم وكفرهم لأوجبنا عليهم القضاء بعد الإسلام، ولا قضاء عليهم بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الإسلام يَجُبُّ ما كان قبلُه، وإنَّ الهِجرة تَجُبُّ ما كان قبلها" (أخرجه أحمد في المسنَد [4/204، 198، 205]، والبيهقي في السُنَن الكُبرى [9/123]، مِن حديث عمرو بن العاص، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد [9/584]: رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثِقات).
فالجواب: أنَّ الشرع لم يوجِب عليهم القضاء تخفيفاً عليهم، ورفعاً للحرج، وتأليفاً لقلوبهم، إذن فهُم لا يؤمَرون بفعلها حال الكُفر ولا بقضائها إذا أسلموا، وإنما فائدة تكليفهم أنهم يُعاقَبون عليها في الآخِرة.
وقد رَجَّح الجُوَيْني هذا المذهب في البُرهان فقال: ((والذي نراه أنَّ الكُفَّار مأمورون بالتزام الشَرْع جُملةً، والقيام بمعالمه تفصيلاً)).

سؤال: هل يُطالَب الكُفَّار بحقوق الآدميين بعد الإسلام؟
الجواب: هذا فيه خِلاف بَيْن أهل العِلم. فمِنْهم مَن قال: يضمنون ويُكَلَّفون بذلك، ومِنْهم مَن قال: لا، لأنهم إذا طولِبوا بذلك سيكون بمثابة التنفير مِن الدين، لأنهم إذا علِموا أنهم إذا أسلموا اقتُصَّ مِنْهم، أو أُخِذَ ما في أيديهم مِن مال، فإنَّ ذلك قد يصُدهم عن الإسلام.


كتبه: فضيلة الشيخ د. محمد يسري
نائب رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
مِن كتاب: أوضح العبارات في شرح المحلي مع الورقات

17‏/11‏/2010

الرد على شُبهة أنَّ حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن

لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة، وهي أنَّ حديث الآحاد لا يُفيد إلا الظن، ويعنون به الظن الراجح طبعاً. والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقاً، ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية والمسائل العلمية، وهي المراد بالعقيدة. ونحن لو سلَّمْنا لهم جدلاً بقولهم "إنَّ حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن" على إطلاقه؛ فإنَّا نسألهم: مِن أين لكم هذا التفريق؟ وما الدليل على أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة؟

لقد رأينا بعض المعاصرين يستدلُّون على ذلك بقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [سورة النجم – الآية 23]، وبقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة النجم – الآية 28]، ونحو ذلك مِن الآيات التي يذُم الله تعالى فيها المشركين على اتباعهم الظن. وفات هؤلاء المستدلين أن الظن المذكور في هذه الآيات ليس المراد به الظن الغالِب الذي يفيده خبر الآحاد والواجب الأخذ به اتفاقاً، وإنما هو الشك الذي هو الخرص. فقد جاء في "النهاية" و"اللسان" وغيرهما من كُتُب اللغة: (("الظن": الشك يعرِض لك في الشيء فتحققه وتحكم به)).
فهذا هو الظن الذي نعاه الله تعالى على المشركين، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [سورة يونُس – الآية 66]، فجعل الظن هو الخرص الذي هو مجرد الحرز والتخمين.

ولو كان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الغالِب – كما زعم أولئك المستدلون – لم يجُز الأخذ به في الأحكام أيضاً، وذلك لسببين اثنين:
الأول: أنَّ الله أنكره عليهم إنكاراً مطلقاً، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام.
الآخر: أنه تعالى صرَّح في بعض الآيات أنَّ الظن الذي أنكره على المشركين يشمل القول به في الأحكام أيضاً، فاسمع قوله تعالى الصريح في ذلك: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ (فهذا عقيدة) ﴿وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (وهذا حُكم) ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام – الآية 148]، ويفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف – الآية 33].

فثبت مما تقدَّم أنَّ الظن الذي لا يجوز الأخذ به إنما هو الظن اللغوي المرادف للخرص والتخمين، والقول بغير عِلم، وأنه يُحَرَّم الأخذ به في الأحكام كما يُحَرَّم الأخذ به في العقائد، ولا فرق.
وإذا كان الأمر كذلك فقد سلم لنا القول المتقدم: إنَّ كل الآيات والأحاديث المتقدمة الدالَّة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام، تدُل أيضاً بعمومها وشمولها على وجوب الأخذ به في العقائد أيضاً. والحق أنَّ التفريق بين العقيدة والأحكام في وجوب الأخذ فيها بحديث الآحاد فلسفة دخيلة في الإسلام، لا يعرفها السلف الصالح ولا الأئمة الأربعة الذي يقلدهم جماهير المسلمين في العصر الحاضر.


كتبه: محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله
مِن رسالة بعنوان: الحديث حُجَّة بنفسه في العقائد والأحكام،
وهي محاضرة كان ألقاها في مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين الذي انعقد في مدينة غرناطة، في شهر رجب 1392 هـ.

06‏/11‏/2010

الأيام العشر من شهر ذي الحجة: فضلها، خصائصها، الدروس التربوية المستفادة منها

مقدمة
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على من بعثه الله تعالى بشيراً ونذيراً، وسراجاً مُنيراً للناس كافةً، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابع التابعين إلى يوم الدين، أما بعد؛

فتمتاز حياة الإنسان المسلم بأنها زاخرةٌ بالأعمال الصالحة، والعبادات المشروعة التي تجعل المسلم في عبادةٍ مُستمرةٍ، وتحوِّل حياته كلَّها إلى قولٍ حسنٍ، وعملٍ صالحٍ، وسعيٍ دؤوبٍ إلى الله جل في عُلاه، دونما كللٍ أومللٍ أوفتورٍ أوانقطاع.والمعنى أن حياة الإنسان المسلم يجب أن تكون كلَّها عبادةٌ وطاعةٌ وعملٌ صالحٌ يُقربه من الله تعالى، ويصِلُه بخالقه العظيم جل في عُلاه في كل جزئيةٍ من جزئيات حياته، وفي كل شأنٍ من شؤونها.

من هنا فإن حياة الإنسان المسلم لا تكاد تنقطع من أداء نوعٍ من أنواع العبادة التي تُمثل له منهج حياةٍ شاملٍ مُتكامل؛ فهوعلى سبيل المثال مكلفٌ بخمس صلواتٍ تتوزع أوقاتها على ساعات اليوم والليلة، وصلاة الجمعة في الأسبوع مرةً واحدة، وصيام شهر رمضان المبارك في كل عام، وما أن يفرغ من ذلك حتى يُستحب له صيام ستةِ أيامٍ من شهر شوال، وهناك صيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، ثم تأتي الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة فيكون للعمل الصالح فيها قبولٌ عظيمٌ عند الله تعالى.

وليس هذا فحسب؛ فهناك عبادة الحج وأداء المناسك، وأداء العُمرة، وصيام يوم عرفة لغير الحاج، ثم صيام يوم عاشوراء ويومٍ قبله أوبعده، إضافةً إلى إخراج الزكاة على من وجبت عليه، والحثُّ على الصدقة والإحسان، والإكثار من التطوع في العبادات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول أوالعمل أوالنية، إلى غير ذلك من أنواع العبادات والطاعات والقُربات القولية والفعلية التي تجعل من حياة المسلم حياةً طيبةً، زاخرةً بالعبادات المستمرة، ومُرتبطةً بها بشكلٍ مُتجددٍ دائمٍ يؤكده قول الحق سبحانه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [سورة الشرح: الآية 7].

من هنا فإن في حياة المسلم مواسماً سنويةً يجب عليه أن يحرص على اغتنامها والاستزادة فيها من الخير عن طريق أداء بعض العبادات المشروعة، والمحافظة على الأعمال والأقوال الصالحة التي تُقربه من الله تعالى، وتُعينه على مواجهة ظروف الحياة بنفس طيبةٍ وعزيمةٍ صادقة.

وفيما يلي حديثٌ عن فضل أحد مواسم الخير المُتجدد في حياة الإنسان المسلم، والمُتمثل في الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة وما لها من الفضل والخصائص، وبيان أنواع العبادات والطاعات المشروعة فيها؛ إضافةً إلى بعض الدروس التربوية المستفادة منها.


فضل الأيام العشر

أولاً: في القرآن الكريم
وردت الإشارة إلى فضل هذه الأيام العشرة في بعض آيات القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [سورة الحج: الآيتان 27 - 28]. حيث أورد ابن كثير في تفسير هذه الآية قوله: "عن ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات أيام العشر" (ابن كثير، 1413هـ، ج 3، ص 239).
كما جاء قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [سورة الفجر: الآيتان 1 – 2]. وقد أورد الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية قوله: "وقوله:"وَلَيَالٍ عَشْرٍ"، هي ليالي عشر ذي الحجة، لإجماع الحُجة من أهل التأويل عليه". (الطبري، 1415هـ، ج 7، ص 514).
وأكد ذلك ابن كثير في تفسيره لهذه الآية بقوله: "والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباسٍ وابن الزبير ومُجاهد وغير واحدٍ من السلف والخلف". (ابن كثير، 1414هـ، ج 4، ص 535).
وهنا يُمكن القول: إن فضل الأيام العشر من شهر ذي الحجة قد جاء صريحاً في القرآن الكريم الذي سماها بالأيام المعلومات لعظيم فضلها وشريف منزلتها.

ثانياً: في السنة النبوية
ورد ذكر الأيام العشر من ذي الحجة في بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي منها:
الحديث الأول: عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيامِ (يعني أيامَ العشر). قالوا: يا رسول الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: ولا الجهادُ في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجعْ من ذلك بشيء". (أبوداود، الحديث رقم 2438، ص 370).

الحديث الثاني: عن جابرٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العشرَ عشرُ الأضحى، والوترُ يوم عرفة، والشفع يوم النحر". (رواه أحمد، ج 3، الحديث رقم 14551، ص 327).

الحديث الثالث: عن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيامٍ أفضل عند الله من أيامَ عشر ذي الحجة".قال: فقال رجلٌ: يا رسول الله هن أفضل أم عِدتهن جهاداً في سبيل الله؟ قال:"هن أفضل من عدتهن جهاداً في سبيل الله". (ابن حبان، ج 9، الحديث رقم 3853، ص 164).

الحديث الرابع: عن ابن عباس – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من عملٍ أزكى عند الله ولا أعظم أجراً من خيرٍ يعمله في عشر الأضحى.قيل: ولا الجهادُ في سبيل الله؟.قال:"ولا الجهادُ في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجعْ من ذلك بشيء.قال وكان سعيد بن جُبيرٍ إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يُقدرُ عليه". (رواه الدارمي، ج 2، الحديث رقم 1774، ص 41).

الحديث الخامس: عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر يعني عشر ذي الحجة".قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟.قال"ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عفّر وجهه في التُراب". (رواه الهيثمي، ج 4، ص 17).

وهنا يمكن القول: إن مجموع هذه الأحاديث يُبيِّن أن المُراد بالأيام العشر تلك الأيام العشرة الأُولى من شهر ذي الحجة المُبارك.

 
خصائص الأيام العشر
للأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة خصائص كثيرة، نذكرُ منها ما يلي:
(1)
 أن الله سبحانه وتعالى أقسم بها في كتابه الكريم فقال عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ (سورة الفجر: الآيتان 1 -2). ولاشك أن قسمُ الله تعالى بها يُنبئُ عن شرفها وفضلها.
(2)
 أن الله تعالى سماها في كتابه"الأيام المعلومات"، وشَرَعَ فيها ذكرهُ على الخصوص فقال سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [سورة الحج: الآية 28]، وقد جاء في بعض التفاسير أن الأيام المعلومات هي الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة.
(3)
 أن الأعمال الصالحة في هذه الأيام أحب إلى الله تعالى منها في غيرها؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتحميد". (رواه أحمد، ج 2، ص 131، الحديث رقم 6154).
(4)
 أن فيها (يوم التروية)، وهواليوم الثامن من ذي الحجة الذي تبدأ فيه أعمال الحج.
(5)
 أن فيها (يوم عرفة)، وهويومٌ عظيم يُعد من مفاخر الإسلام، وله فضائل عظيمة، لأنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، ويوم العتق من النار، ويوم المُباهاة فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-أنها قالت: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يومٍ أكثر من أن يُعتق الله عز وجل فيع عبداً من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنوثم يُباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟". (رواه مسلم، الحديث رقم 3288، ص 568).
(6)
 أن فيها (ليلة جَمع)، وهي ليلة المُزدلفة التي يبيت فيها الحُجاج ليلة العاشر من شهر ذي الحجة بعد دفعهم من عرفة.
(7)
 أن فيها فريضة الحج الذي هوالركن الخامس من أركان الإسلام.
(8)
 أن فيها (يوم النحر) وهويوم العاشر من ذي الحجة، الذي يُعد أعظم أيام الدُنيا كما روي عن عبد الله بن قُرْط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يومُ النحر، ثم يوم القَرِّ". (رواه أبوداود، الحديث رقم 1765، ص 271).
(9)
 أن الله تعالى جعلها ميقاتاً للتقرُب إليه سبحانه بذبح القرابين كسوق الهدي الخاص بالحاج، وكالأضاحي التي يشترك فيها الحاج مع غيره من المسلمين.
(10)
 أنها أفضل من الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان؛ لما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سُئِل عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فأجاب:"أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة". (ابن تيمية،...................).
(11)
 أن هذه الأيام المباركات تُعد مناسبةً سنويةً مُتكررة تجتمع فيها أُمهات العبادات كما أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أُمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره". (فتح الباري،.......................).
(12)
 أنها أيام يشترك في خيرها وفضلها الحُجاج إلى بيت الله الحرام، والمُقيمون في أوطانهم لأن فضلها غير مرتبطٍ بمكانٍ مُعينٍ إلا للحاج.


 
بعض العبادات والطاعات المشروعة في الأيام العشر

مما لاشك فيه أن عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالطاعات القولية أوالفعلية من الأمور الواجبة والمطلوبة من الإنسان المسلم في كل وقتٍ وحين؛ إلا أنها تتأكد في بعض الأوقات والمناسبات التي منها هذه الأيام العشرة من شهر ذي الحجة، حيث أشارت بعض آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية إلى بعض تلك العبادات على سبيل الاستحباب، ومن ذلك ما يلي:

(1) الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى ودعائه وتلاوة القرآن الكريم لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [سورة الحج: الآية 28].
ولما حث عليه الهدي النبوي من الإكثار من ذكر الله تعالى في هذه الأيام على وجه الخصوص؛ فقد روي عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التكبير، والتهليل، والتحميد". (أحمد، مج 2، ص 131، الحديث رقم 6154).
وهنا تجدر الإشارة إلى أن بعض السلف كانوا يخرجون إلى الأسواق في هذه الأيام العشر، فيُكبرون ويُكبر الناس بتكبيرهم، ومما يُستحب أن ترتفع الأصوات به التكبير وذكر الله تعالى سواءً عقب الصلوات، أوفي الأسواق والدور والطرقات ونحوها.
كما يُستحب الإكثار من الدعاء الصالح في هذه الأيام اغتناماً لفضيلتها، وطمعاً في تحقق الإجابة فيها.

(2)  الإكثار من صلاة النوافل لكونها من أفضل القُربات إلى الله تعالى إذ إن "النوافل تجبر ما نقص من الفرائض، وهي من أسباب محبة الله لعبده وإجابة دعائه، ومن أسباب رفع الدرجات ومحوالسيئات وزيادة الحسنات". (عبد الله بن جار الله، 1410هـ، ص 181).
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار منها قولاً وعملاً، وهوما يؤكده الحديث الذي روي عن ثوبان رضي الله عنه أنه قال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "عليك بكثرة السجود لله؛ فإنّك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً". (رواه مسلم، الحديث رقم 1093، ص 202).

(3)  ذبح الأضاحي لأنها من العبادات المشروعة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى في يوم النحر أوخلال أيام التشريق، عندما يذبح القُربان من الغنم أوالبقر أوالإبل، ثم يأكل من أُضحيته ويُهدي ويتصدق، وفي ذلك كثيرٌ من معاني البذل والتضحية والفداء، والاقتداء بهدي النبوة المُبارك.

(4)  الإكثار من الصدقات المادية والمعنوية لما فيها من التقرب إلى الله تعالى وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه عن طريق البذل والعطاء والإحسان للآخرين، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [سورة الحديد:الآية 11]. ولما يترتب على ذلك من تأكيد الروابط الاجتماعية في المجتمع المسلم من خلال تفقد أحوال الفقراء والمساكين واليتامى والمُحتاجين وسد حاجتهم.ثم لأن في الصدقة أجرٌ عظيم وإن كانت معنويةً وغير مادية فقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "على كل مُسلمٍ صدقة". فقالوا: يا نبي الله ! فمن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق". قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "يُعين ذا الحاجة الملهوف". قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشر فإنها له صدقةٌ". (رواه البخاري، الحديث رقم 1445، ص 233).

(5) الصيام لكونه من أفضل العبادات الصالحة التي على المسلم أن يحرص عليها لعظيم أجرها وجزيل ثوابها، ولما روي عن صيام النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام المُباركة؛ فقد روي عن هُنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسعَ ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيامٍ من كُلِ شهر، أول اثنين من الشهر والخميس". (رواه أبوداود، الحديث رقم 2437، ص 370).
وليس هذا فحسب فالصيام من العبادات التي يُتقرب بها العباد إلى الله تعالى والتي لها أجرٌ عظيم فقد روي عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن صوم يوم عرفة فقال: "يُكفِّر السنة الماضية والباقية". (رواه مسلم، الحديث رقم 2747، ص 477).

(6) قيام الليل لكونه من العبادات التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على المُحافظة عليها من غير إيجاب، ولأنها من العبادات التي تُستثمر في المناسبات على وجه الخصوص كليالي شهر رمضان المُبارك، وليالي الأيام العشر ونحوها.ثم لأن قيام الليل من صفات عباد الرحمن الذين قال فيهم الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً [سورة الفرقان:الآية 64].لأنهم يستثمرون ليلهم في التفرغ لعبادة الله تعالى مُصلين مُتهجدين ذاكرين مُستغفرين يسألون الله تعالى من فضله، ويستعيذونه من عذابه.

(7) أداء العمرة لما لها من الأجر العظيم ولاسيما في أشهر الحج حيث إن عُمرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أشهر الحج، ولما ورد في الحث على الإكثار منها والمُتابعة بينها فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العُمرةُ إلى العُمرةِ كفارةٌ لما بينهما". (رواه البُخاري، الحديث رقم 1773، ص 285).

(8) زيارة المسجد النبوي في المدينة المنورة وهي من الأعمال الصالحة المُستحبة للمسلم لعظيم أجر الصلاة في المسجد النبوي الذي ورد أن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاةٌ في مسجدي هذا، خيرُ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد؛ إلا المسجد الحرام". (رواه مسلم، الحديث رقم 3375، ص 583). ولما يترتب على زيارة المسلم للمسجد النبوي من فرصة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما والسلام عليهم وما في ذلك من الأجر والثواب.

(9) التوبة والإنابة إلى الله تعالى إذ إن مما يُشرع في هذه الأيام المباركة أن يُسارع الإنسان إلى التوبة الصادقة وطلب المغفرة من الله تعالى، وأن يُقلع عن الذنوب والمعاصي والآثام، ويتوب إلى الله تعالى منها طمعاً فيما عند الله سبحانه وتحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة النور: من الآية 31].
ولأن التوبة الصادقة تعمل على تكفير السيئات ودخول الجنة بإذن الله تعالى لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.


 بعض الدروس التربوية المستفادة من أحاديث فضل الأيام العشر
(1)
 التنبيه النبوي التربوي إلى أن العمل الصالح في هذه الأيام العشرة من شهر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله تعالى منه في غيرها، وفي ذلك تربيةٌ للنفس الإنسانية المُسلمة على الاهتمام بهذه المناسبة السنوية التي لا تحصل في العام إلا مرةً واحدةً، وضرورة اغتنامها في عمل الطاعات القولية والفعلية، لما فيها من فرص التقرب إلى الله تعالى، وتزويد النفس البشرية بالغذاء الروحي الذي يرفع من الجوانب المعنوية عند الإنسان، فتُعينه بذلك على مواجهة الحياة.
(2)
 التوجيه النبوي التربوي إلى أن في حياة الإنسان المسلم بعض المناسبات التي عليه أن يتفاعل معها تفاعلاً إيجابياً يمكن تحقيقه بتُغيير نمط حياته، وكسر روتينها المعتاد بما صلُح من القول والعمل، ومن هذه المناسبات السنوية هذه الأيام المُباركات التي تتنوع فيها أنماط العبادة لتشمل مختلف الجوانب والأبعاد الإنسانية.
(3)
 استمرارية تواصل الإنسان المسلم طيلة حياته مع خالقه العظيم من خلال أنواع العبادة المختلفة لتحقيق معناها الحق من خلال الطاعة الصادقة، والامتثال الخالص.وفي هذا تأكيدٌ على أن حياة الإنسان المسلم كلها طاعةٌ لله تعالى من المهد إلى اللحد، وفي هذا الشأن يقول أحد الباحثين: "فالعبادة بمعناها النفسي التربوي في التربية الإسلامية فترة رجوعٍ سريعةٍ من حينٍ لآخر إلى المصدر الروحي ليظل الفرد الإنساني على صلةٍ دائمةٍ بخالقه، فهي خلوةٌ نفسيةٌ قصيرةٌ يتفقد فيها المرء نفسيته صفاءً وسلامةً". (عبد الحميد الهاشمي، 1405هـ، ص 466).
(4)
 شمولية العمل الصالح المتقرب به إلى الله عز وجل لكل ما يُقصد به وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته، سواءً أكان ذلك قولاً أم فعلاً، وهوما يُشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: "العمل الصالح"؛ ففي التعريف بأل الجنسية عموميةٌ وعدم تخصيص؛ وفي هذا تربيةٌ على الإكثار من الأعمال الصالحة، كما أن فيه بُعداً تربوياً لا ينبغي إغفاله يتمثل في أن تعدد العبادات وتنوعها يُغذي جميع جوانب النموالرئيسة (الجسمية والروحية والعقلية) وما يتبعها من جوانب أُخرى عند الإنسان المسلم.
(5)
 حرص التربية الإسلامية على فتح باب التنافس في الطاعات حتى يُقبِل كل إنسان على ما يستطيعه من عمل الخير كالعبادات المفروضة، والطاعات المطلوبة من حجٍ وعمرةٍ، وصلاةٍ وصيامٍ، وصدقةٍ وذكرٍ ودعاءٍ...الخ.وفي ذلك توجيهٌ تربويُ لإطلاق استعدادات الفرد وطاقاته لبلوغ غاية ما يصبوإليه من الفوائد والمنافع والغايات الأُخروية المُتمثلة في الفوز بالجنة، والنجاة من النار.
(6)
 تكريم الإسلام وتعظيمه لأحد أركان الإسلام العظيمة وهوالحج كنسكٍ عظيمٍ ذي مضامين تربوية عديدة تبرزُ في تجرد الفرد المسلم من أهوائه ودوافعه المادية، وتخلصه من المظاهر الدنيوية، وإشباعه للجانب الروحي الذي يتطلب تهيئةً عامةً، وإعدادًا خاصاً تنهض به الأعمال الصالحات التي أشاد بها المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديث مختلفة، لما فيها من حُسن التمهيد لاستقبال أعمال الحج، والدافع القوي لأدائها بشكلٍ يتلاءم ومنـزلة الحج التي -لا شك –أنها منـزلةٌ ساميةٌ عظيمة القدر.
(7)
 تربية الإنسان المسلم على أهمية إحياء مختلف السُنن والشعائر الدينية المختلفة طيلة حياته؛ لاسيما وأن باب العمل الصالح مفتوحٌ لا يُغلق منذ أن يولد الإنسان وحتى يموت انطلاقاً من توجيهات النبوة التي حثت على ذلك ودعت إليه.

وليس هذا فحسب؛ فهذه الأيام العظيمة زاخرةٌ بكثيرٍ من الدروس والمضامين التربوية، التي علينا جميعاً أن نُفيد منها في كل جزئيةٍ من جزئيات حياتنا، وأن نستلهمها في كل شأن من شؤونها،
والله نسأل التوفيق والسدّاد، والهداية والرشاد، والحمد لله رب العباد.

كتبه: د.صالح بن علي أبوعرَّاد
أستاذ التربية الإسلامية بكلية المعلمين في أبها
ومدير مركز البحوث التربوية بالكلية

29‏/10‏/2010

هل إخناتون أول مَن دعا إلى التوحيد؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد،

فمِن الأمور المنتشرة بين كثير مِن الناس القول بأن إخناتون (أحد ملوك المصريين القدماء) هو أول مَن دعا إلى التوحيد، ويعتقد الكثيرين أنَّ هذه حقيقة تاريخية مُسَلَّم بها.
ولهذا كان لابد مِن تجلية الأمر حمايةً لجناب التوحيد، وصيانةً لدين الله، ونُصحاً للأمَّة.

أولاً: معنى التوحيد
((التوحيد هو إفراد الله بالخَلْق والتدبر، وإخلاص العبادة له وترك عبادة ما سواه، وإثبات ما له مِن الأسماء الحسنى والصفات العليا، وتنزيهه عن النقص والعَيب)) [عقيدة التوحيد – د. صالح الفوزان (ص21)].
وعَرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: ((هو عبادة الله وحده لا شريك له، مع ما يتضمنه مِن أنه لا رب لشيء مِن الممكنات سواه)) [درء تعارُض العَقل والنَقْل (ج8، ص246)].
فمِن أقسام التوحيد:
-       إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعال الله، مِن خَلْق ورِزق وتقدير؛ وهو ما يُطلَق عليه "توحيد الربوبية". قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف – الآية 54]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾ [سورة إبراهيم – الآية 32].
فلا يعتقد مسلم أن أحداً غير الله له القدرة على الخلق أو الرزق أو التصرف في الكون، أو غيرها مِن الأفعال التي لا يقدر عليها إلا الله.
-       وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعال العِباد، مِن جميع أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، وهو ما يُطلَق عليه "توحيد الألوهية". قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء – الآية 23]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [سورة يس – الآيات 60، 61].
فلا ينبغي لمسلم أن يصرف أي نوع مِن أنواع العبادة إلا لله وحده.
وبهذا يتبين ((أنَّ توحيد الربوبية مستلزِمٌ لتوحيد الإلهية، بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجِب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به. فمَن عَرَفَ أنَّ الله ربه وخالقه ومدبر أموره وجب عليه أنْ يعبده وحده لا شريك له)) [الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد – د. صالح الفوزان (ص41)].
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة – الآيات 21، 22]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [سورة النحل – الآية 81]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النمل – الآيات 61، 62].

ثانياً: التوحيد هو الأصل والشرك أمر طاريء
فقد فطر الله سبحانه وتعالى الإنسان على توحيده والإيمان به، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم – الآية 30]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف – الآية 30]، ((فإنَّ الله تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القَيِّم. فكل أحد مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تُغَيَّر وتُبَدَّل، بما يطرأ على العقول مِن العقائد الفاسدة)) ِ[تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان – عبد الرحمن السعدي]. ((ولما كان هذا الشعور فطرياً كما تبين، وجدنا أصل الإيمان قدراً مشتركاً بين جميع الأمم وفي مختلف الأقاليم، وفي شتى عصور التاريخ، وإن كان الكثيرون قد انحرفوا عن الإيمان الصحيح وخلطوه بأوهام وأباطيل كدرت نقاؤه وأفسدت جوهره)) [حقيقة الإيمان – د. عمر بن عبد العزيز قريشي (ج1، ص133)].
وقد ((هبط آدم إلى الأرض، وأنشأ الله مِن ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص.. وبعد أنْ كان الناس أمة واحدة على التوحيد حصل الزيغ والانحراف، وكان أول انحراف حدث هو الغُلُو في تعظيم الصالحين، ورفعهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة.. وهكذا استمرت رحمة الله وعنايته ببني آدم كلما ضلوا وزاغوا أنزل إليهم هداه يضيء لهم الظلمات)) [العقيدة في الله – د. عمر سليمان الأشقر (ص294، 295)]، فالتوحيد دعوة الرُسُلِ أجمعين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة النحل – الآية 36].
ونخلُص مِن هذا أن البشرية كانت على التوحيد، ثم طرأ الشرك عليها، فأرسل الله الرُسُل مبشرين ومُنذِرين، يصححون للناس دينهم، ويقومون انحرافهم.

ثالثاً: عقيدة المصريين القدماء وعقيدة إخناتون
كان المصريون القدماء عُبَّاد أوثان ولم يكونوا موحدين، وقد قال الله تعالى حكايةً عن نبيه يوسف وهو يخاطب صاحبيه في السجن: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [سورة يوسف - الآية 37]، ثم دعاهم إل عبادة الله فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [سورة يوسف - الآية 37]،
وقد ذكر الله تعالى في مواضع عديدة من كتابه الكريم حال قوم فرعون مِن الكفر والإعراض، ومِن ثَم عاقبة جرمهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة الأعراف - الآية 103]، وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الأنفال - الآية 52].
ولم يؤمن لموسى إلا القليل، قال الله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة يونس - الآية 83]، ومِن الذين آمنوا سحرة فرعون، قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [سورة طه - الآية 70].
وقال الله حاكياً عن مؤمن آل فرعون الذي آمن بموسى وهو يخاطب قومه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [سورة غافر - الآية 34].

أما إخناتون، فقد دعا إلى عبادة الشمس مِن دون الله، فقال مخاطباً قرص الشمس: "ما أجمل مطلعك في أفق السماء، أي آتون الحي، مبدأ الحياة؛ فإذا ما أشرقت في الأفق الشرقي، ملأت الأرض كلها بجمالك". وقد كان إخناتون يرى "أنَّ الألوهية أكبر ما تكون في الشمس مصدر الضوء وكل ما على الأرض من حياة"، على حد وصف أحد الباحثين.
ومما هو جدير بالذِّكر أنَّ عبادة الكواكب والنجوم والأجرام السماوية كانت منتشرة قبل الميلاد بقرون في حضارات العراق القديمة وغيرها مِن الأمم.
فهل تُعَدُّ دعوة إخناتون هذه توحيداً؟ أم هي إحدى دعوات الوثنية وأحد أشكال الانحراف العقدي الذي أصاب البشرية عبر تاريخها؟ وهل الدعوة إلى عبادة الشمس وترك عبادة آمون يمكن أن يُطلَق عليها دعوة للتوحيد؟

رابعاً: بطلان القول أن إخناتون أول مَن دعا إلى التوحيد
ونخلُص مما سبق إلى أنَّ دعوة إخناتون هي دعوة وثنية تمثل سلسلة مِن الانحراف الذي أصاب البشرية، وتناقض وتختلف مع دعوة التوحيد التي دعا إليها أنبياء الله ورسله. فلا يجوز أن نُسمي الدعوة إلى عبادة غير الله "دعوة إلى توحيد"، بل هي الدعوة إلى الشرك بالله.
فإخناتون ليس أول من نادى بالتوحيد:
-       لأنه لم يكن موحداً أصلاً، بل كان وثنياً يعبد الشمس من دون الله.
-       ولأن البشرية كانت على التوحيد منذ عهد آدم، والشرك طرأ عليها، فأرسل الله الرسل لإعادة البشرية إلى الصراط المستقيم الذي حادوا عنه. فإذا كان إخناتون أول مَن دعا إلى التوحيد (ولا يجوز تسمية هذا توحيداً)، فإلام كان يدعو الرسل مِن قبله؟


وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: حاتم الحاجري، عفا الله عنه

23‏/10‏/2010

الغلو كما يكون في التشدد يكون في التساهل

الحمد لله، وبعد:
فقد كثرت الحملات والاستنكارات على الغلو في الدين. وهي حملات واستنكارات بحق؛ لأن الغلو في الدين منهي عنه في الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ)، وفي الآية الأخرى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
والغلو في الدين: هو الزيادة عن الحد المشروع فيه، وقد يكون غلواً في العبادة كحال الثلاثة الذين قال أحدهم: أصلي ولا أنام، وقال الثاني: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء، ويكون غلواً في الأحكام بأن يجعل المستحب بمنزلة الواجب ويكون غلواً بالحكم على مرتكب الكبيرة التي هي دون الشرك بالكفر والخروج من الملة، وقد يكون غلواً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كغلو المعتزلة بخروجهم على ولاة أمور المسلمين بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكالغلو في التحليل والتحريم بأن يحرم الحلال أو يحلل الحرام؛ فالغلو في الدين بجميع أنواعه محرم وقد يخرج من الدين ويسبب الهلاك كما أهلك من كان قبلنا ولا أحد يشك في ذلك ممن أتاه الله الفقه في الدين والبصيرة في الأحكام فأنزل الأمور في منازلها.

ولكن هناك من هو على النقيض من غلو الزيادة في ا لدين فهناك من غلا في التساهل والتسامح في الدين، ولا شك أن ديننا دين السماحة ورفع الحرج والاعتدال. ولكن يجب أن يكون هذا التسامح في حدود ما شرعه الله من الأخذ بالرخص الشرعية عند الحاجة إليها والدين كله ولله الحمد ليس فيه أصار ولا أغلال: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)، ولكن الغلو في التسامح يكون بالخروج عما شرعه الله وهذا لا يسمى تسامحاً وإنما هو الحرج نفسه؛ فإلغاء أصل الولاء والبراء في الإسلام والتسوية بين المسلم والكافر بحجة التسامح، وإلغاء تطبيق نواقض الإسلام على من انطبقت عليه كلها أو بعضها، والتسوية بين الأديان – كالتسوية بين الإسلام واليهودية والنصرانية-، بل بين الأديان كلها من وثنية والحادية والقول بأن لا إله إلا الله لا تقتضي الكفر بالطاغوت ولا تنفي ما عدا الإسلام من الأديان الباطلة كما تفوه به بعض الكُتَّاب في بعض صحفنا المحلية كل هذه الأمثلة غلو في التساهل والتسامح؛ يجب إنكاره. كما يجب إنكار الغلو في الزيادة في الدين. بل قد يكون الغلو في التسامح والتساهل أشد خطراً من الغلو بالزيادة في الدين؛ لأن الغلو في التساهل والتسامح إلى حد يجعل الدين الكافر مساوياً للدين الحق كفر بإجماع المسلمين بخلاف الغلو في الزيادة فإن كثيراً من العلماء يرى أنه ضلال ولا يصل إلى حد الكفر، وقد ذكر العلماء أن مِن نواقض الإسلام مَن لم يكفر الكافر أو يشك في كفره.

فعلى من وقع في هذه الزلات الخطرة أن يتبصر في أمره ويراجع الصواب فإن الرجوع إلى الحق فضيلة. والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

كتبه: صالح بن فوزان الفوزان
عضو هيئة كبار العلماء